الكاتب: اسعد عبدالله عبدعلي
في زحام الشوارع ووسط صخب الأسواق، وفي تلك اللحظات الفاصلة بين رصيف وآخر، لم تعد الفتاة العراقية تمشي بخطوات آمنة بل أصبحت تسير وكأنها تعبر حقل ألغام مميت تتطاير حوله شظايا التبرير المجتمعي والانفلات الأخلاقي.
ان الشارع الذي كان يوماً مساحة رحبة للحياة والتفاعل الإنساني الدافئ, تحول بقدرة فوضى الضمائر, وغياب الردع, إلى غابة خرسانية موحشة, تترصد في زواياها نظرات الجوع والتهتك المقيت، وتتعالى في هوائها أصوات التحرش السخيفة والوقحة, كدليل صارخ وفاقع على انحدار قيمي مروع ومخيف, يعصف ببنية المجتمع ويضرب في عمق قيمه وأعرافه الأصيلة، لتجد ابنة هذا الوطن نفسها وحيدة في مواجهة هذا السعار اليومي, وهي تتجرع مرارة القهر والامتهان, بلا جريرة اقترفتها سوى أنها ولدت لتسير في وطن تنتهك فيه طمأنينتها علانية.
فهي ليست مجرد ظاهرة عابرة يمكن تجاوزها بابتسامة صفراء باهتة, أو نصيحة باردة تلقى عرضاً من عابر سبيل لا يبالي، بل هي ورم خبيث يتفشى بلا توقف في جسد الحياة, ليأكل ما تبقى من هيبة القانون والأعراف الاجتماعية، ويترك الفتيات رهينات للخوف المرير والابتزاز النفسي المستمر, الذي يسرق منهن بهجة العيش, ويحيل أبسط تفاصيل خروجهن إلى رحلة عذاب صامتة, تئن تحت وطأتها الضمائر الحية, وتصرخ من ظلمها جدران المدن المكلومة.
· ما الذي أشعل فتيل هذا السعار؟
حين نبحث عن الأسباب التي جعلت التحرش يتحول إلى هذا الوجه المستفحل، فإننا نجد أنفسنا أمام منظومة متكاملة من الانهيارات والدوافع؛
إذ يتصدر المشهد غياب الردع القانوني الفعلي, حيث تبدو القوانين الرادعة إما غائبة أو مهشمة أو حبيسة الأدراج، فان غياب العقوبات القاسية والعلنية ضد المتحرشين يمنحهم الضوء الأخضر لمواصلة أفعالهم بأمان تام من أي قصاص.
ولا ينفصل ذلك عن التفسخ الأخلاقي وتراجع منظومة التربية بعد أن تآكلت التقاليد الرصينة التي كانت تحترم الجار وابنة المنطقة، وحلت محلها ثقافة التفاخر بالانحلال وضعف وازع المراقبة الأسرية حيث يُترك الشباب والمراهقين من دون توجيه أو تربية تحترم إنسانية الآخر.
ويضاف إلى ذلك البطالة والانسداد النفسي, إذ أفرزت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة طوابير من الشباب العاطلين عن العمل, ممن يعانون من إحباط مزمن وانسداد أفق تام، فانعكس هذا الكبت بطرق مدمرة ومشوهة تتحول إلى عدوانية مجتمعية مفرطة تفرغ في الشوارع.
لتكتمل الحلقة بـثقافة اللوم المقلوب! حيث يميل المجتمع غالباً لحماية المعتدي وإلقاء اللوم على الضحية! متسائلاً لماذا خرجت وماذا كانت ترتدي، وهو ما يشكل مظلة حماية غير مباشرة للمتحرش, ويمنع الضحايا من رفع أصواتهن بالشكوى خوفاً من الفضيحة المجتمعية.
تحليل نفسي للمتحرش
حين نحاول الغوص في الأعماق النفسية المظلمة للمتحرش، فإننا لا نكتشف سوى كائن مهشم, يعاني من عجز عميق واضطراب في بنيته الشخصية.
فهو يمارس فعله المشين متعمداً وهو يعلم تماماً بقبحه، مستنداً في دوافعه الخفية إلى شعور دفين بالنقص, ويتم تعويضه عبر الهيمنة الوهمية وسرقة الأمان من الآخرين.
إن تكراره لهذا الفعل القبيح لا ينبع من مجرد رغبة عابرة، بل يمثل حلقة إدمانية من تفريغ الشحنات العدوانية، حيث يستمد متعة مريضة من إرباك الضحية ورؤيتها خائفة أو منكسرة، ليغذي بذلك غروره الزائف ويخفي هشاشته الداخلية.
وحين يتكرر السلوك بلا رادع ذاتي أو قانوني، يتحول المتحرش إلى أسير لدائرة مفرغة من السيكوباثية والتبلد العاطفي، غارقاً في تبريرات واهية تسقط مسؤوليته الأخلاقية، غير آبه بأن كل فعلة من أفعاله تهدم ما تبقى من إنسانيته, وتترك ندوباً عميقة في روح المجتمع.
الازمة النفسية للضحية
تعيش الفتاة ضحية التحرش أزمة نفسية عميقة وموجعة تزلزل أركان كيانها وتترك ندوباً غائرة في روحها، إذ تتقاذفها مشاعر الصدمة والإنكار فور تعرضها للاعتداء, وكأن العالم الآمن من حولها قد انهار فجأة ودون مقدمات.
ليتحول الخوف إلى رفيق دائم يتربص بخطواتها, ويجعلها تشعر بفقدان السيطرة على أبسط تفاصيل حياتها ومحيطها، ويتفاقم هذا العذاب الداخلي بفعل شعور ثقيل بالخزي والذنب غير المستحق, يتغذى على ثقافة مجتمعية ظالمة تلقي باللوم عليها وتحملها وزر جريمة لم تقترفها، مما يدفعها نحو العزلة القاتمة والانكفاء على الذات, خوفاً من نظرات الشك والشماتة أو الفضيحة.
ويهز ثقتها المطلقة بالآخرين, ويغرس في وجدانها شعوراً جارحاً بالعجز والمهانة تفقد معه القدرة على الشعور بالأمان والألفة في أكثر الأماكن اعتيادية، لتظل تحارب بصمت مرير مع قلق مزمن وكوابيس ليلية تلاحقها طويلاً، محاولة ترميم ما انكسر من ثقتها بنفسها وبإنسانية من حولها.
طوق النجاة: كيف نوقف هذا النزيف؟
الوقوف مكتوفي الأيدي لم يعد خياراً والسكوت على هذا الاستفحال يعني مشاركة صريحة في الجريمة، ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه لا بد من قرارات صارمة وحلول عملية عاجلة تتمثل في تشريع وتفعيل قوانين صارمة جنائية واضحة تجرم التحرش اللفظي والجسدي والإلكتروني مع فرض عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية باهظة.
وتفعيل شرطة حماية الأسرة لتكون حاضرة بقوة في الأماكن العامة والأسواق، إلى جانب ربط الساحات العامة والجامعات وأطراف الأسواق بشبكة كاميرات مراقبة ذكية مرتبطة بغرف عمليات أمنية, لتوثيق حالات التحرش, وضبط الجناة بالجرم المشهود, ليكونوا عبرة لمن يعتبر.
فضلاً عن إطلاق حملات توعية إعلامية ومجتمعية عبر المنصات والقنوات الفضائية والمدارس والجامعات, تغيير الصورة النمطية وترسيخ ثقافة احترام الحريات الفردية وتجريم ثقافة لوم الضحية, ومعالجة الأسباب النفسية والاقتصادية عبر توفير فرص عمل للشباب واحتواء طاقاتهم, في مسارات بناءة.
وتفعيل دور المؤسسات الإرشادية والنفسية لعلاج الانحرافات السلوكية قبل أن يتحول أصحابها إلى مفترسين في الطرقات، فالشارع العراقي ملك لجميع أبنائه وبناته, ولا يمكن السماح لمجموعة من العابثين والمنفلتين أن يحولوه إلى سجن كبير للخائفات، وقد آن الأوان لتستفيق الضمائر وتتحرك الجهات الرسمية بيد من حديد لقطع دابر هذا الوباء.
ختاما:
إن معركة الشارع اليوم ليسَت معركة مساحةٍ أو عابر سبيل، بل هي معركة وجودٍ وهيبة وطن؛ فإما أن نظل أسرى لغابة خرسانية تنهش طمأنينة الأبرياء وتكسر ظلال الأمان، وإما أن نسترد شوارعنا وأزقتنا لتكون مرة أخرى منازل دافئةً لكل عابر وابنة.
إن بنات العراق لسن وحدهن في هذه المعركة، وحين تتطهر الارض من عبث العابثين, وتستفيق الدولة بقرارات صارمة لا تعرف الهوادة، سيعود النور ليغسل عتمة الأرصفة، وستسير الخطوات على هذه الأرض الحبيبة بخفة وثقة، وكأن شيئاً من وجع الخوف لم يكن.











08/12/2026 - 08:53 AM





Comments