لا جغرافيا مقدَّسة، بل رسالةٌ مقدَّسة

08/12/2026 - 08:48 AM

Arab American Target

 

 

مفيد خطَّار

بين الجغرافيا والرسالة يتحدَّد دور الوطن. فالوطن ليس مجرَّد أرضٍ تُرسَم حدودها على الخرائط، ولا مجرَّد فكرةٍ تحلِّق في الفراغ، بل هو اندماجٌ حيٌّ بين جغرافيا تمنح الرسالةَ جسدًا وتاريخًا، ورسالةٍ تمنح الجغرافيا معنى وغاية.

فلا جغرافيا بلا رسالة، لأنَّ الأرض التي تفقد معناها تتحوَّل إلى مساحةٍ تتنازعها المصالح، ولا رسالة بلا جغرافيا، لأنَّ الرسالة تحتاج إلى أرضٍ تتجسَّد فيها، وإلى شعبٍ يحملها ويشهد لها. وعندما تحتضن الجغرافيا الرسالة، وتزدهر الرسالة في الجغرافيا، يستقيم الوطن ويصبح مساحةً للحياة، لا ساحةً للصراع.

لقد عاش لبنان هذا التزاوج بين الجغرافيا والرسالة منذ زمنٍ بعيد. فتميَّزت أرضه بأنَّها لم تكن مجرَّد مساحةٍ جغرافية، بل حاضنةً لرسالةٍ إنسانية وروحية تجاوزت حدودها. وعندما تتعرَّض الجغرافيا للتهديد أو التغيير، تمتدُّ الرسالة في وجدان أبنائها، فتملأ فراغ الخوف بالأمل، والانقسام بالشراكة، والقلق بالانتماء. وعندما تضعف الرسالة في النفوس، تستنهض الجغرافيا أبناءها، فتذكِّرهم بأنَّ هذه الأرض، بتاريخها وتنوُّعها وجمالها، ليست ملكًا لفئة، بل وديعةٌ لجميع أبنائها.

فالرسالة لا تحيا في الفراغ، بل تحتاج إلى أرضٍ تحتضنها، وشعبٍ يحملها، وثقافةٍ تتفاعل معها، لكي تتجسَّد في الحياة وتنتقل من جيلٍ إلى جيل. وكما لا تنمو البذرة إلا في تربةٍ صالحة، لا تنمو الرسالة إلا في بيئةٍ تحفظها وتترجمها إلى حياة.

الجغرافيا وحدها لا تصنع وطنًا، كما أنَّ الرسالة وحدها لا تصنع مجتمعًا. أمَّا حين يلتقي الاثنان، فتولد الحضارة، ويصبح الوطن شاهدًا حيًّا على الرسالة التي يحملها.

من هنا نفهم معنى القول إنَّ لبنان أكبر من وطن، إنَّه رسالة. فليس المقصود أنَّه يتجاوز جغرافيته أو يلغيها، بل إنَّ جغرافيته بلغت معناها الأعمق لأنها حملت رسالة. إنَّه جغرافيا ودعوة؛ أرضٌ تحتضن رسالة، ورسالةٌ تتجسَّد في أرض. ومن هذا التزاوج الخلَّاق وُلدت هويته، واستمدَّ فرادته، واكتسب دوره في هذا الشرق.

وهكذا الإنسان أيضًا: ترابٌ نفخ فيه الخالق من روحه، فصار كائنًا حيًّا يحمل صورته ودعوته. وهكذا لبنان: جغرافيا شاء الله أن تحمل رسالةً حيَّة، لا لتبقى حبيسة حدودها، بل لتتوجَّه إلى الأوطان كلِّها، وإلى البشر جميعًا، شاهدةً بأنَّ الأرض تبلغ كمالها عندما تحمل رسالة، وأنَّ الرسالة تجد كمال تجسُّدها عندما تجد أرضًا وشعبًا يحملانها. ولعلَّ كثيرًا من الحروب التي عصفت بلبنان يمكن قراءتها، في أحد أبعادها، بوصفها صراعًا مع هذه الرسالة ومحاولةً لإطفاء نورها.

فالإنسان، عبر التاريخ، رفض النور وأحبَّ الظلمة؛ رفض الدعوة واختار العداوة؛ رفض التواضع واختار الكبرياء؛ رفض الشراكة واختار الإقصاء؛ رفض المحبَّة واختار الكراهية؛ ورفض السلام واختار الحرب.

لكنَّ الإنسان ينسى أنَّ الصليب ليس نهاية الرسالة، بل بداية مجدها. فالقيامة وُلدت من قلب الصليب، والحقُّ قد يُضطهد، لكنَّه لا يُدفن، والرسالة قد تُجرح، لكنَّها لا تموت. وهكذا سيبقى لبنان، مهما اشتدَّت عليه المحن، مدعوًّا إلى حمل رسالته بأمانة؛ لا بقوة السلاح، ولا بمنطق الغلبة، ولا بإقصاء الآخر، بل بقوة العيش المشترك، وباحترام الإنسان، وبالحريَّة، وبالمحبَّة، وبالسلام.

فإذا كان الصليب قد عبر إلى القيامة، فإنَّ لبنان أيضًا يستطيع أن يعبر من آلامه إلى رجائه، ومن انقساماته إلى وحدته، ومن خوفه إلى رسالته. وحينئذٍ يصبح لبنان، بحقٍّ، أكبر من وطن؛ لأنَّه وطنٌ يحمل رسالةً إلى الشرق، وإلى العالم، وإلى كلِّ إنسانٍ يبحث عن الحقيقة والحرية والسلام.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment