لبنان... بشير الجميل وسلامٌ لم يكتمل

09/14/2026 - 02:04 AM

Your Ad Here

 

 

جمال دملج *

في الرابع عشر من أيلول/سبتمبر، لا تستعيد الذاكرة اللبنانية مجرّد حادثة اغتيال رئيسٍ منتخب، بل تستعيد لحظةً كان يمكن أن تفتح للبلاد طريقًا مختلفًا، قبل أن يُغلق التفجير ذلك الطريق، وتعود الجمهورية إلى الدوران في الحلقة نفسها: حربٌ تلد وصاية، ووصايةٌ تفتح الباب أمام وصاية أخرى، وسلامٌ مؤجّل إلى أجلٍ غير مسمّى.

في مثل هذا اليوم من عام 1982، استهدف التفجير مقرّ حزب الكتائب في الأشرفية، فاغتيل بشير الجميل، الرئيس اللبناني المنتخب في الثالث والعشرين من آب/أغسطس، قبل أن يتسلّم مهامه الدستورية. ولم يكن اغتياله مجرّد تصفية لشخصية سياسية صاعدة، بل كان، في دلالاته ونتائجه، اغتيالًا لاحتمالٍ سياسي لم يكن قد اكتمل بعد.

كان بشير قد خرج من قلب الحرب اللبنانية، ومن موقع القيادة العسكرية والسياسية للقوات اللبنانية، حاملاً تناقضات تلك المرحلة كلها. فهو ابن بيئةٍ مسيحية شعرت بأن الدولة تتآكل، وقائدٌ عسكري شارك في الحرب، وشخصيةٌ سياسية أدركت، في لحظةٍ ما، أن الانتصار العسكري لا يكفي لبناء وطن. ومن هنا بدأت محاولته الانتقال من منطق الجبهة إلى منطق الدولة، ومن إدارة الصراع إلى البحث عن مخرجٍ منه.

نافذةٌ أمام الدولة

لم يكن ذلك الانتقال سهلًا ولا خاليًا من الالتباسات. فلبنان عام 1982 كان ساحةً مفتوحةً لتداخل المشاريع الإقليمية والدولية. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد أقامت داخل البلاد بنيةً عسكرية وسياسية واسعة، فيما كانت القوات السورية حاضرةً في أجزاء أساسية من لبنان، وكانت إسرائيل قد اجتاحت الجنوب ثم تقدّمت نحو بيروت في إطار ما سمّته "عملية سلامة الجليل"، التي بدأت في حزيران/يونيو من ذلك العام وانتهت، سياسيًا وعسكريًا، إلى إخراج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وفي مقدّمها ياسر عرفات، من بيروت.

ولا يصحّ أن تُقرأ تلك العملية خارج كلفتها الإنسانية والسيادية. فقد خلّفت الاجتياحات والحصارات والقصف والاحتلال جراحًا عميقة في الذاكرة اللبنانية والفلسطينية، كما جعلت القرار اللبناني أكثر ارتهانًا للقوى المتصارعة على أرضه. لكن نتائجها السياسية غيّرت، في الوقت نفسه، موازين القوى التي حكمت لبنان، وأخرجت الوجود الفلسطيني المسلّح من بيروت، وفتحت نافذةً ضيّقة أمام إعادة التفكير في موقع الدولة اللبنانية وعلاقاتها بجيرانها.

حجر الأساس

في ذلك السياق جاءت زيارة بشير الجميل الشهيرة إلى نهاريا للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، كما جاءت لقاءاته في بكفيا مع وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون. ولم تكن أهمية هذه اللقاءات في كونها جرت مع مسؤولين إسرائيليين فحسب، بل في كونها عكست محاولةً للانتقال من العلاقة الأمنية والعسكرية المفروضة بحكم الحرب إلى علاقة سياسية يمكن، نظريًا، أن تُبنى على المصالح المتبادلة والحدود الواضحة والاعتراف المتبادل بالسيادة.

كان بشير يدرك أن لبنان لا يستطيع أن يبقى ساحةً دائمةً لصراعات الآخرين. ولذلك ارتبط به شعار لبنان الذي تبلغ مساحته 10452 كيلومترًا مربعًا، لبنان الذي لا يكون عالةً على مسيحيي الغرب ولا شوكةً في خاصرة مسلمي الشرق. وبصرف النظر عن الجدل الذي أحاط بشخصيته وخياراته، فإن هذا الشعار وضع حجر الأساس لفكرةٍ تتجاوز الاصطفاف الطائفي: أن يكون لبنان وطنًا مكتمل السيادة، لا وظيفةً إقليمية، ولا قاعدةً لمشروعٍ عابر للحدود.

عقود الفرص الضائعة

غير أن السلام الذي بدا ممكنًا في تلك اللحظة لم يكتمل. اغتيل بشير قبل أن يبدأ عهده، وتبدّدت معه فرصةٌ كانت تحتاج إلى وقتٍ طويل وإلى توافقٍ لبناني داخلي، فضلًا عن بيئةٍ إقليمية ودولية أكثر استعدادًا للتسويات. ثم عادت الوصاية السورية لتستعيد نفوذها تدريجيًا، قبل أن يستقرّ لبنان طويلًا تحت ثقلها السياسي والأمني. وبعد ذلك، ومع نشوء حزب الله في سياق الاجتياح الإسرائيلي وبدعمٍ إيراني، بدأ نفوذٌ إيراني متصاعد يفرض نفسه على المعادلة اللبنانية، إلى أن تحوّل السلاح خارج الدولة إلى أحد أبرز عناوين الانقسام الوطني.

وهكذا ضاعت على اللبنانيين فرصٌ متتالية: فرصة الخروج من زمن السلاح الفلسطيني، وفرصة إعادة بناء الدولة بعد تراجع النفوذ السوري، وفرصة تثبيت قرارٍ لبناني مستقل قبل أن تتجذّر الوصاية الإيرانية. وفي كل مرة كان السلام يُقدَّم بوصفه تنازلًا، والسيادة بوصفها شعارًا، والتفاوض بوصفه خيانة، فيما كانت النتيجة العملية هي المزيد من الحروب والمزيد من الارتهان.

تجليات الفرص المتاحة

من هنا تبدو استعادة بشير الجميل اليوم أكثر من تمرينٍ في الحنين أو مناسبةٍ لتصفية الحسابات. إنها مناسبةٌ لإعادة طرح السؤال الذي لم يُجب عنه لبنان بعد: هل يريد أن يبقى دولةً مؤجّلة، أم أن يتحوّل إلى دولةٍ تقرّر مصيرها بنفسها؟

ومع التوجهات التي يعلنها العهد اللبناني الجديد، رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، نحو تثبيت حصرية السلاح بيد الدولة، وخفض التصعيد، واللجوء إلى التفاوض لمعالجة الملفات العالقة مع إسرائيل، يعود ذلك السؤال إلى الواجهة. ليس المطلوب استنساخ تجربة بشير، ولا تبرئة إسرائيل من مسؤولياتها واعتداءاتها، ولا القفز فوق حقوق اللبنانيين أو الفلسطينيين، بل استعادة جوهر الفكرة: أن السلام ليس هديةً من الخارج، وأن التفاوض ليس استسلامًا، وأن الدولة لا تُبنى بالساحات المفتوحة، بل بقرارٍ وطني واضح.

ربما كان بشير الجميل سابقًا لزمنه في إدراك أن لبنان لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد في حالة عداءٍ دائم، وأن علاقاته الخارجية يجب أن تُدار من مؤسسات الدولة لا من الجبهات. لكن سلامه لم يكتمل، كما لم تكتمل بعدُ دولة لبنان.

وفي ذكرى اغتياله، لا يكون السؤال: ماذا كان سيقول بشير لو بقي حيًّا؟ بل: ماذا تعلّم اللبنانيون من الفرص التي أُهدرت، ومن الوصايات التي تعاقبت، ومن السلام الذي ظلّ مؤجّلًا؟

 

* إعلامي وكاتب لبناني

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment