في اليوم العالمي للقانون: هل كل ما تُشرعه السلطة قانوناً؟

09/14/2026 - 02:00 AM

Atlantic home care

 

 

 الدكتور / محمد حسين *

 في منتصف القرن الماضي، وتحديدًا في عام 1965 خلال مؤتمر "سلام عالمي من خلال القانون" المنعقد في أثينا، أُعلن يوم الثالث عشر من سبتمبر يومًا عالميًا للقانون. لم يكن تدويل الفكرة وتبني الأمم المتحدة لها محض مجاملة بروتوكولية، بل جاء في أعقاب أهوال الحرب العالمية الثانية كضرورة بشرية ملحة لإيجاد ميثاق إنساني يتسامى فوق نزوات الحكام، ويمنع الحروب، ويرسخ سيادة العدالة الناجزة بين الدول والأفراد على حد سواء.

 والقانون في معناه البسيط المباشر هو أداة المجتمع لضبط سلوك أفراده عبر قواعد عامة مجردة ومحايدة، يُحتكم إليها عند الاختلاف لتطبيق العدالة بتجرد ومساواة. وسواء كان القانون عرفيًا يعتمد على التراكم السلوكي، أو مكتوبًا مدونًا في نصوص، فإن قيمته لم تكن يومًا في شكل صياغته، بل في قدرته على انتزاع الاعتراف والامتثال الطوعي من الضمير الجماعي للناس، بدلاً من الاعتماد الصرف على الإكراه المادي.

 ولم يولد هذا التصور في يوم وليلة، بل خاضت الإنسانية رحلة شاقة لتطويره. فمن الحضارة المصرية القديمة التي جعلت القانون إظهارًا لمفهوم "ماعت" المعبّر عن الحق والعدل الكوني، إلى الرومانيين الذين صاغوا أصول التفرقة بين القانون العام والقانون الخاص وأرسوا التجريد الفني، وصولاً إلى الشريعة الإسلامية الغراء التي أرست منظومة سياسية وقانونية مقاصدية، جعلت من "العدل" و"كرامة الإنسان" غاية التشريع وعلّة وجود السلطة. فقد سبقت الشريعةُ الغراء النظريات الحديثة بإقرار مبدأ الشورى كالتزام حتمي يرفض الاستبداد، وتأسيس عقد البيعة كإرادة شعبية تُسحب الشرعية عن الحاكم إذا ما أخلّ بواجباته أو خرج عن القانون.

كما أرست قواعد صلبة لسيادة القانون عموميته، ومبدأ الشرعية الجنائية (لا جرم ولا عقوبة إلا بنص)، واستقلال القضاء لحماية حريات الناس وأموالهم وأعراضهم دون تمييز طبقي أو عقدي. وبحمايتها للكليات الخمس (النفس، والعقل، والمال، والنسل، والدين). أوجدت الشريعة نموذجًا حيًا يدمج بين مشروعية الحكم ونزاهة التشريع وعدالة التطبيق، ليغدو القانون في ظلها حاميًا لحقوق الإنسان وخادمًا لمصالح المجتمع حقيقةً لا ادعاءً. أقرّت مبدأ حاكمية النص وتساميه على أهواء الحكام وجاءت بقواعد آمرة لحفظ الكليات الخمس. ثم جاء عصر النهضة الأوروبي بأفكار العقد الاجتماعي والمدرسة الطبيعية، ليعيد تأسيس القانون بوصفه إرادة عامة منبثقة من العقل والحرية، وهو ما أثمر لاحقًا حركة التقنين الحديثة.

غير أن هذه المسيرة التاريخية تنتهي بنا إلى حقيقة جوهرية: إن أهمية القانون ليست مطلقة بذاتها، والنص لا يكتسب صفته الآمرة لمجرد صدوره عن سلطة تملك أدوات البطش. فالقانون يستمد حياته وحجيته من شرعيته ومدى تعبيره الصادق عن العدالة؛ فإن حاد عن هذا الجوهر وتحول إلى أداة لشرعنة الظلم أو خدمة فئة حالمة، فقدَ علة وجوده القانونية وأصبح مجرد إكراه مادي لا يختلف عن أي عدوان.

تتجلى هذه الإشكالية الفلسفية والأخلاقية بوضوح في إحدى أبرز المحطات التاريخية لتقييم مشروعية النصوص؛ وهي المحاكمات التي تلت سقوط الرايخ الثالث. فإبان محاكمات نورنبرغ لمجرمي حرب القيادة النازية بعد سقوط الرايخ الثالث، وانتصار دول الحلفاء، والتي عُقدت في قصر العدل في مدينة نورنبرغ الألمانية بدايةً من 20 نوفمبر 1945 حتّى 1 أكتوبر 1946؛ استند محامو المتهمين في دفاعهم إلى القوانين الصادرة في عهد طاغية القوم "هتلر"، فكان رد أحد قضاة المحكمة: "وهل قوانين الدكتاتور قانونًا؟!".

ورغم بساطة العبارة، إلا أنها تطرح فكرة هامة وعميقة في آنٍ واحد، وهي شرعية النص القانوني التي تعني أن يكون هذا النص نتاجًا طبيعيًا لإرادة مجتمعية نابعًا من الضمير الجماعي، أو ما يُطلق عليه الشرعية الموضوعية (Legitimacy) وهذا باعتبار أن القانون - سواء كان مكتوبًا أو عرفيًا - يُعد نتاجًا اجتماعيًا. فالقاعدة القانونية العرفية تعني ببساطة شديدة ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم؛

وبالتالي فإن هذه القاعدة نتاج لهذا المجتمع، وهي قاعدة تتولد على نحو تلقائي ولها ركنان: الركن المادي وهو الاعتياد على إتيانها، والركن المعنوي وهو وجود شعور داخل الضمير المجتمعي بإلزاميتها. ولا يختلف الحال بالنسبة للقاعدة القانونية المكتوبة – في هذا الصدد – لأنها تُشرع من جانب السلطة التشريعية المُنتخب أعضاؤها من الشعب، ومن ثم فإن هذه السلطة، وهي تباشر عملها، تكون ممثلة للشعب، بما يعني أن ما يتمخض عنه نشاطها التشريعي يكون مرده لهذه الإرادة الشعبية. ولذلك فإن عينها دائمًا على أن تُشرع ما يحقق مصالح هذا الشعب في مجموعه، فضلاً عن سد النقص في التشريعات القائمة من خلال ما تُظهره الممارسات العملية.

وهذا لا يتأتى إلا في ظل وجود نظام حكم ديمقراطي يضمن تمثيل الشعب بشكل حقيقي في هذه السلطة؛ لا أن تكون سلطة مصنوعة من قِبل الحاكم أيًا كان مسماه لتحقيق مصالحه ومصالح جوقته، لأنها في حقيقة الأمر - من الناحية الموضوعية - تمثل هذا الحاكم الذي أتى بها إلى السلطة. وعلى ذلك، فإن النص القانوني الذي يخرج عن هذا الإطار الشعبي المجتمعي يعد مفتقدًا للشرعية اللازمة له، وبناءً عليه لا يُعد نصًا قانونيًا من الناحية الفنية القانونية الموضوعية؛ لأنه ببساطة شديدة لا يُعد نتاجًا للمجتمع الذي شُرع للتطبيق على أفراده. إنه نص إن عبّر فإنما يُعبر عن إرادة حاكم فرد، وبطبيعة الحال لتحقيق مصالحه التي يقيناً تتعارض مع مصالح الشعب ولا تتقاطع معها.

وهذا يأخذنا للقول بأنه هناك رابطة لا انفصام لها بين شرعية النص القانوني وطبيعة نظام الحكم في الدولة؛ فإذا كنا أمام نظام حكم ديمقراطي، كانت هناك شرعية للنصوص القانونية الصادرة عن السلطة التشريعية داخل هذا النظام. أما إذا كنا أمام نظام دكتاتوري يغيب فيه الشعب بالكلية، كنا أمام حالة انعدام كلي لشرعية هذا النظام، بما فيها الأعمال المسماة بالتشريع أو القوانين الصادرة عن السلطة المسماة بالسلطة التشريعية داخله، ولا سند في تطبيقها إلا القوة المادية لهذا النظام الحاكم، وهو ما يُطلق عليه المشروعية الشكلية (Legality)

 في اليوم العالمي للقانون، يجدر بنا أن نتذكر أن الاحتفاء الحقيقي ليس بالنصوص الصماء ولا بالهياكل السلطوية، بل بالإرادة الشعبية الحرة التي تمنح النص روحه وشرعيته. فالقانون الذي يستحق حمايته والاعتزاز به، هو الذي يولد في رحاب الديمقراطية ليحمي الإنسان ويصون كرامته، لا ذلك الذي يُفرض عليه بقوة السلاح.

 

*  أستاذ القانون الدولي

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment