فنّ الخسارة بكرامة، وفنّ الربح بتواضع

08/30/2026 - 03:29 AM

Your Ad Here

 

 

 

مفيد خطّار

الربح والخسارة رفيقان لا يفترقان في مسيرة الإنسان. نربح أحيانًا فنفرح، ونخسر أحيانًا فنحزن، لكنّ الحياة أعمق من معادلةٍ بسيطة تُقاس بما نكسبه أو نفقده. فكثيرًا ما يخرج المنتصر مثقلًا بالقلق والخوف، فيما يخرج الخاسر أكثر حكمةً وصفاءً وقدرةً على رؤية الحقيقة. لذلك لا يُقاس النجاح دائمًا بحجم ما نملكه، ولا تُقاس الهزيمة دائمًا بحجم ما نخسره.

فالربح ليس بالضرورة علامة صواب، كما أنّ الخسارة ليست دائمًا دليل فشل. قد يربح الإنسان مالًا ويخسر نفسه، وقد يكسب موقعًا ويخسر احترام الناس، وقد يخسر معركةً أو فرصةً، لكنه يربح معرفةً أو نضجًا أو حريةً داخليةً ترافقه مدى العمر. ومن هنا تنشأ الحكمة الحقيقية: ليس في تعلّم فنّ الربح وحده، بل في تعلّم فنّ الخسارة أيضًا؛ لأنّ من يعرف كيف يخسر بكرامة، يعرف كيف يربح بتواضع.

وفي السياسة، كما في الحياة، كثيرًا ما تختلط المعايير. فهناك من يظنّ أنّ امتلاك القوة يعني الربح، وأنّ القدرة على فرض الإرادة تعني الانتصار. غير أنّ التجربة اللبنانية، بما عرفته من حروبٍ وأزماتٍ متعاقبة، وانهيارٍ ماليٍّ غير مسبوق، وتعطيلٍ متكرّر لمؤسسات الدولة، أثبتت أنّ الغلبة قد تمنح صاحبها لحظة تفوّق، لكنها لا تمنحه بالضرورة مستقبلًا أكثر استقرارًا. فما بدا انتصارًا في مرحلةٍ ما، تحوّل في مراحل لاحقة إلى عبءٍ على أصحابه وعلى الوطن معًا، لأنّ كلّ ربحٍ يُبنى على انقسام الشركاء سرعان ما يتحوّل إلى خسارةٍ يتقاسم الجميع أثمانها.

لقد أمضى اللبنانيون عقودًا طويلة يتنقّلون بين رهانات القوة المختلفة: مرّةً باسم السلاح، ومرّةً باسم العدد، ومرّةً باسم التحالفات الإقليمية أو الدولية. وبعد تجارب مريرة وانهيارات متتالية أصابت الاقتصاد والمؤسسات والناس في صميم حياتهم اليومية، تبيّن أنّ أيّ فريقٍ لم ينجح في تحويل تفوّقه الظرفي إلى استقرارٍ دائم، وأنّ الوطن كان في كلّ مرّة يدفع ثمن الرهانات الخاطئة أكثر من أصحابها. وفي كلّ مرّة كانت الوقائع تعيد التذكير بالحقيقة نفسها: لا أحد يستطيع أن يربح لبنان وحده، كما لا أحد يستطيع أن يخسره وحده. فالوطن ليس غنيمةً يتقاسمها المنتصرون، بل بيتًا يضيق بالجميع حين يصرّ بعضهم على احتكاره.

ومن هنا، لا تبدو الأزمة اللبنانية اليوم أزمةَ اقتصادٍ أو إدارةٍ أو مؤسساتٍ فحسب، بعد سنواتٍ من الانهيار المالي وتآكل الثقة بالدولة وتراجع القدرة على الحدّ الأدنى من الاستقرار، بل تبدو أيضًا أزمةَ ثقافةٍ سياسية ما زالت تنظر إلى السياسة باعتبارها ساحةً لتسجيل النقاط وإعلان الانتصارات، فيما جوهر السياسة في المجتمعات المتعدّدة هو القدرة على إدارة الاختلاف وتحويله إلى شراكة. فالدولة لا تقوم حين يغلب فريقٌ فريقًا آخر، بل حين يقتنع الجميع بأنّ لا مستقبل لأحدٍ خارج مستقبل الجميع.

وعسى أن يكون بين اللبنانيين من يمتلك شجاعة الاعتراف بأنّ بعض الرهانات قد استنفدت مبرّراتها، وأنّ بعض الخيارات لم تُفضِ إلى ما وُعِدَ به الناس من استقرارٍ أو ازدهارٍ أو حماية. فمراجعة التجارب ليست اعترافًا بالهزيمة، بل علامة نضجٍ ومسؤولية. كما أنّ الإصرار على الخطأ لا يحوّل الخطأ إلى حقيقة، بل يحوّله إلى عبءٍ أكبر مع مرور الزمن.

وعسى أن يكون بينهم أيضًا من يدرك أنّ الربح الحقيقي لا يكتمل إلا بالتواضع. فالمنتصر الذي لا يتّسع قلبه لشريكه، ولا يرى في نجاحه فرصةً لطمأنة الآخرين، يحمل في انتصاره بذور انقسامٍ جديد. أمّا التواضع فليس تنازلًا عن القناعة، بل إدراكٌ عميق بأنّ الحقيقة الوطنية أكبر من أيّ فريق، وأنّ الوطن يتّسع للجميع أو يضيق بالجميع.

فلبنان لا يحتاج اليوم إلى غالبٍ جديد ولا إلى مغلوبٍ جديد، بل إلى رجال دولةٍ ومواطنين يعرفون كيف يخسرون بكرامة حين تفرض الوقائع ذلك، وكيف يربحون بتواضع حين تمنحهم الظروف فرصة النجاح. فالأوطان لا تُبنى بتراكم الغلبات، بل بتراكم الحِكَم، ولا يحفظها مَن ينتصرون بعضهم على بعض، بل مَن ينتصرون معًا لفكرة الوطن.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment