إلى أين تنتهي نفايات الدول الغنية؟ ومن يدفع كلفة التلوث صحياً؟

08/24/2026 - 21:11 PM

San Diego

 

 

عندما تتحول «إعادة التدوير» إلى رحلة بعيدة عن أعين المستهلك

 

اعداد: ضياء الدين مرزقي

حين يرمي المستهلك هاتفاً قديماً أو كيساً بلاستيكياً أو قطعة ملابس لم يعد يحتاج إليها، تبدأ رحلة لا تظهر في فاتورة الشراء. قد تبقى النفاية داخل البلد الذي وُلدت فيه، وقد تُجمع في حاوية مخصصة، أو تُفرز في منشأة صناعية، أو تُرسل في حاوية بحرية تحت وصف «مواد قابلة لإعادة التدوير». وفي الحالة الأخيرة، تنتقل المسؤولية من نظام إدارة النفايات المحلي إلى سلسلة دولية معقدة من الوسطاء، والموانئ، والمصانع، والمكبات.

السؤال ليس فقط أين تذهب النفايات، بل من يملك القدرة على رفضها، ومن يملك المال لمعالجتها، ومن يتنفس الدخان عندما تفشل العملية؟

تجارة لا تعني دائماً إعادة تدوير ناجحة

تُظهر بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية كما يعرضها مشروع «عالمنا في بيانات» أن نحو 3.2 مليون طن من نفايات البلاستيك جرى تداولها بين الدول في عام 2024، وأن البلدان مرتفعة الدخل مثلت نحو 89% من صادرات البلاستيك المسجلة عالمياً وفق المؤشر الخاص بالصادرات [1]. لكن هذه النسبة تعني حصة هذه البلدان من الصادرات المبلّغ عنها، ولا تعني أنها تصدر 89% من كل نفاياتها أو أن بقية النفايات لا تتحرك عبر الحدود.

وتقدم بيانات السنوات السابقة صورة أكثر تفصيلاً عن المسار. ففي عام 2020، جرى تداول نحو خمسة ملايين طن من نفايات البلاستيك عالمياً، أي قرابة 2% فقط من إجمالي النفايات البلاستيكية المقدرة بنحو 350 مليون طن سنوياً [2]. ومع ذلك، فإن الجزء الصغير الذي يعبر الحدود قد يكون مهماً جداً عندما ينتقل من بلد يملك نظام جمع وفرز متقدماً إلى بلد لا يملك قدرة كافية على معالجة الشحنات الملوثة أو المختلطة.

في العادة، لا تصل الحاوية إلى «مكب واحد» مباشرة. قد تذهب إلى بلد مستورد لإعادة الفرز، ثم يعاد تصدير الجزء غير القابل للتدوير إلى بلد آخر، أو ينتهي في مطمر مفتوح، أو يُحرق في الهواء الطلق، أو يتسرب إلى الأنهار والسواحل. وقد تتعقد الصورة أكثر عندما تُسجّل الشحنة كبلاستيك قابل للتدوير، بينما تحتوي فعلياً على مواد مختلطة أو ملوثة لا تجد سوقاً مربحة.

ماذا حدث بعد الحظر الصيني؟

كانت الصين تستورد أكثر من نصف نفايات البلاستيك المتداولة عالمياً في عام 2016، قبل أن ينخفض هذا الدور إلى أقل من 1% في 2018 بعد قرار حظر معظم أنواع النفايات البلاستيكية وغيرها من النفايات الصلبة [2]. لم يؤد الحظر إلى اختفاء المشكلة؛ بل أعاد توزيعها جغرافياً، فبرزت دول آسيوية أخرى، من بينها ماليزيا وفيتنام وإندونيسيا والفلبين، إلى جانب تركيا، كمراكز لاستقبال كميات أكبر من النفايات البلاستيكية.

ويفسر ذلك أحد أهم دروس تجارة النفايات: إغلاق سوق واحدة لا يلغي النفاية، بل قد يدفعها إلى أسواق أضعف قدرة على الرقابة. كما أن جزءاً كبيراً من التجارة يتم داخل المناطق نفسها؛ فأوروبا هي أكبر مصدر وأكبر مستورد في الوقت ذاته، لأن دولاً أوروبية تتبادل النفايات القابلة للتدوير فيما بينها. ولذلك لا يجوز اختزال المشهد في رواية مبسطة تقول إن كل نفايات الشمال تذهب إلى الجنوب؛ فالتجارة مركبة، لكن عدم توازن القوة الاقتصادية يجعل المجتمعات الفقيرة أكثر تعرضاً لكلفة الفشل.

إلى أين تنتهي النفايات فعليا؟

تنتهي النفايات العابرة للحدود في أربع مسارات رئيسية. المسار الأول هو إعادة التدوير النظامية داخل منشأة تملك تراخيص وتقنيات للفرز والمعالجة، وهو المسار الذي يفترضه المستهلك عندما يضع عبوة في الحاوية الزرقاء. المسار الثاني هو الفرز غير الكامل، حيث تستخرج المواد ذات القيمة ويُترك الجزء الملوث أو المختلط لمطامر أو عمليات حرق أقل أماناً.

المسار الثالث هو إعادة التصدير، حين تنتقل الشحنة أو مخلفاتها من بلد مستورد إلى بلد آخر. أما المسار الرابع فهو الاقتصاد غير الرسمي، حيث يعمل جامعو النفايات أو العاملون في ساحات التفكيك على استخراج النحاس والألمنيوم والمعادن الثمينة من الأجهزة، أو بيع البلاستيك القابل للتسويق، غالباً من دون حماية تنفسية أو مراقبة للتربة والمياه.

وهنا يجب التمييز بين النفايات البلاستيكية والنفايات الإلكترونية. فالأولى قد تُغسل وتُفرم وتتحول إلى حبيبات، أو تُطمر وتحرق وتتسرب. أما الثانية فتحتوي على قيمة اقتصادية ومواد خطرة في الوقت نفسه. ويقدر «مرصد النفايات الإلكترونية العالمي 2024» أن العالم أنتج 62 مليون طن من النفايات الإلكترونية في 2022، لم يُوثق جمع وإعادة تدوير سوى 22.3% منها رسمياً، مع توقع ارتفاع الكمية إلى 82 مليون طن في 2030 إذا استمرت الاتجاهات الحالية [3].

من يدفع الفاتورة الصحية؟

لا تتوزع كلفة النفايات بالتناسب مع من استهلك المنتج. فالمستهلك في الدولة الغنية يستفيد من دورة استبدال سريعة وأسعار منخفضة، بينما قد يتحمل العامل في ساحة تفكيك أو أسرة تعيش قرب مكب مفتوح أخطار التعرض للملوثات.

تحذر منظمة الصحة العالمية من أن إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطرق غير سليمة قد تطلق أكثر من ألف مادة ضارة، من بينها الرصاص والكادميوم والزئبق والديوكسينات ومثبطات اللهب المبرومة والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات [4]. ويمكن أن تصل هذه المواد إلى الهواء والغبار والماء والتربة، ثم إلى جسم الإنسان عبر الاستنشاق، أو تناول طعام وماء ملوثين، أو ملامسة الغبار، أو السلوك المتكرر المتمثل في وضع اليد والأشياء في الفم لدى الأطفال.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى ارتباط التعرض للنفايات الإلكترونية بآثار محتملة على النمو العصبي والسلوكي، ونتائج الحمل، ووظائف الرئة، والجهاز المناعي، وخطر الأمراض المزمنة في وقت لاحق من الحياة. كما رُصدت لدى البالغين المعرضين لهذه العمليات تغيرات في وظيفة الغدة الدرقية ووظائف الجهاز القلبي الوعائي وتلف في الحمض النووي [4]. هذه ليست نتيجة حتمية لكل شخص يعيش قرب موقع نفايات، لكنها أخطار صحية موثقة تبرر الرقابة والوقاية، خصوصاً حين يكون التعرض متكرراً وطويل الأمد.

والأطفال أكثر هشاشة لأن أجهزتهم التنفسية والعصبية والمناعية لا تزال في طور النمو، ولأنهم يمتصون ملوثات أكبر نسبياً مقارنة بحجم أجسادهم. وتلفت منظمة الصحة العالمية إلى أن بعض المواد قد تعبر المشيمة، ما يجعل الحوامل والأجنة جزءاً من دائرة الخطر حتى عندما لا يعمل الطفل مباشرة في إعادة التدوير [4].

هل البلاستيك أقل خطراً من الإلكترونيات؟

ليس بالضرورة. فالبلاستيك المتسرب إلى البيئة قد يتحول إلى جزيئات دقيقة، أو يدخل السلسلة الغذائية، أو يُحرق في الهواء الطلق فينتج دخاناً ساماً. ويؤكد تحليل «عالمنا في بيانات» أن المشكلة لا تتحدد بكمية البلاستيك التي ينتجها البلد وحدها، بل بكيفية إدارتها؛ فالدول مرتفعة الدخل تنتج نفايات بلاستيكية أكبر للفرد، بينما تكون معدلات التلوث البلاستيكي أعلى بكثير في البلدان ذات أنظمة الجمع والمعالجة الأضعف [1].

وتقدر الصفحة نفسها أن البلدان منخفضة أو متوسطة الدخل تنتج في المتوسط أكثر من 50 ضعف التلوث البلاستيكي للفرد مقارنة بالبلدان مرتفعة الدخل، رغم أن إنتاجها الإجمالي من النفايات البلاستيكية أقل بنحو أربع مرات [1]. لا تعني هذه المقارنة إعفاء الدول الغنية من المسؤولية؛ بل تكشف أن تصدير النفايات إلى مكان يملك قدرة أقل على إدارتها قد ينقل الخطر من مكان الاستهلاك إلى مكان المعالجة، من دون أن يخفض حجم المشكلة العالمية.

أما أثر التصدير على المحيطات، فتقدره «عالمنا في بيانات» على نطاق لا على رقم يقيني. ففي نموذج يعتمد على التجارة وظروف إدارة النفايات، قد تسهم صادرات الدول الغنية في نسبة تتراوح تقريباً بين 1.6% و11% من البلاستيك الذي يصل إلى المحيطات، مع تقدير معقول يقارب 5% [2]. ويجب تقديم هذا الرقم باعتباره تقديراً تحليلياً لا قياساً مباشراً لكل قطعة بلاستيك.

اتفاقية بازل: قواعد مهمة لا تكفي وحدها

تنظم اتفاقية بازل حركة النفايات الخطرة عبر الحدود، وتعمل شراكتها الخاصة بالنفايات البلاستيكية على تحسين الإدارة السليمة بيئياً وتقليل توليد النفايات ومنع وصولها إلى البيئة البحرية [5]. كما أن تعديلات البلاستيك أدخلت أنواعاً من النفايات البلاستيكية ضمن آليات الرقابة والموافقة المسبقة.

لكن وجود إطار دولي لا يعني أن كل شحنة تُراقب حتى نهايتها. فالتطبيق يعتمد على دقة التصنيف الجمركي، وقدرة سلطات الموانئ، وتبادل المعلومات بين بلد التصدير والاستيراد، ووجود منشأة حقيقية قادرة على المعالجة، وحق البلد المستورد في رفض الشحنة. وتزداد الفجوات عندما تكون النفاية مختلطة أو ملوثة، أو عندما تختلف بيانات التصدير عن بيانات الاستيراد.

لذلك فإن المسؤولية لا تقع على البلد المستورد وحده. فالبلد المصدر مسؤول عن تقليل النفايات من المنبع، وضمان سلامة الشحنة، والتحقق من الوجهة النهائية، وعدم استخدام وصف «إعادة التدوير» لتجميل تصدير مواد لا يمكن معالجتها بأمان. أما الشركات المصنعة، فعليها تصميم منتجات أطول عمراً وأسهل إصلاحاً واسترجاعاً، وتمويل دورة حياة المنتج بدلاً من ترك كلفة التخلص على البلديات والعاملين غير الرسميين.

الوجه الخفي للاقتصاد الدائري

يُقدَّم الاقتصاد الدائري بوصفه بديلاً عن «استخراج ـ تصنيع ـ استهلاك ـ رمي». وهو بالفعل يمكن أن يقلل الضغط على الموارد، لكن نجاحه يتطلب شفافية في السلسلة كلها. فالمادة لا تصبح مستدامة لمجرد عبورها إلى بلد آخر تحت عنوان "قابلة للتدوير".

المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الشحنة قد عولجت فعلاً، وبأي تقنية، وبأي حماية للعاملين، وما إذا كانت المخلفات المتبقية قد أُديرت بطريقة آمنة. ومن دون هذه الأسئلة، قد يتحول الاقتصاد الدائري إلى اقتصاد دائري على الورق: تُخفض النفايات في إحصائيات البلد المصدر، لكنها تظهر في هواء وماء وتربة البلد المستقبل.

ما الذي ينبغي أن تفعله الصحافة؟

تستطيع الصحافة تحويل هذا الملف من قصة عامة عن التلوث إلى تحقيق قابل للإثبات عبر تتبع رقم الحاوية، ووثائق الشحن، ورمز السلعة الجمركي، واسم الشركة المصدرة والمستقبلة، ورخصة المنشأة، ثم مقارنة بيانات التصدير ببيانات الاستيراد. كما ينبغي زيارة مواقع الفرز والمعالجة، وفحص الهواء والماء والتربة بواسطة مختبر مستقل عندما يكون ذلك ممكناً، والاستماع إلى العاملين والسكان والسلطات والشركات في الوقت نفسه.

 

وينبغي كذلك الحذر من الخلط بين وجود النفايات قرب مجتمع ما وإثبات تسببها وحدها في مرض محدد. إثبات السببية الصحية يحتاج إلى بيانات تعرض وقياسات طبية وبيئية وتصميم بحثي مناسب. لكن غياب هذه الدراسات لا يبرر تجاهل الخطر؛ بل يبرز الحاجة إلى الرصد الصحي والبيئي المستمر وحماية العاملين والأطفال.

الخلاصة

تنتهي نفايات الدول الغنية في أماكن متعددة: منشآت نظامية، ومطامر، ومواقع تفكيك غير رسمية، وشحنات يعاد تصديرها، وأحياناً في الهواء والماء والتربة. ولا يدفع ثمنها المستهلك وحده؛ بل تتحمل المجتمعات القريبة من مواقع المعالجة الجزء الأكبر من المخاطر الصحية عندما تكون الرقابة ضعيفة أو الشحنة ملوثة أو البنية التحتية غير كافية.

القضية ليست اتهام كل تجارة للنفايات بأنها تهريب، ولا إنكار أن بعض المواد يمكن إعادة تدويرها بأمان. القضية هي رفض المعادلة التي تخفض النفايات في بلد غني عبر نقل المخاطر إلى بلد أفقر. فالعدالة البيئية تبدأ عندما يكون المنتج مسؤولاً عن رحلته كاملة، وعندما تصبح كلمة «إعادة التدوير» وعداً قابلاً للتحقق لا غطاءً لنقل الضرر.

ملاحظة منهجية

تختلف سنوات البيانات وتعريفاتها. بيانات البلاستيك لعام 2024 هي حصة من الصادرات العالمية المسجلة وفق رمز جمركي محدد، وقد لا تشمل كل أشكال النفايات المتداولة. أما بيانات النفايات الإلكترونية فتقيس التوليد العالمي والجمع الرسمي، ولا تعادل تلقائياً حجم الصادرات. وتبقى تقديرات مساهمة تجارة الدول الغنية في البلاستيك البحري نطاقات تحليلية لا قياسات يقينية لكل شحنة.

 

المراجع

[1]: https://ourworldindata.org/plastic-pollution — Our World in Data، Plastic Pollution، مع بيانات UN Comtrade ومصادر دولية حول إنتاج النفايات البلاستيكية والتلوث.

 

[2]: https://ourworldindata.org/plastic-waste-trade — Our World in Data، Ocean plastics: How much do rich countries contribute by shipping their waste overseas?، تحليل تجارة النفايات البلاستيكية ومساراتها وتقدير أثرها على المحيطات.

 

[3]: https://www.itu.int/en/ITU-D/Environment/Pages/Publications/The-Global-E-waste-Monitor-2024.aspx — الاتحاد الدولي للاتصالات وUNITAR، The Global E-waste Monitor 2024.

 

[4]: https://www.who.int/news-room/questions-and-answers/item/children-and-digital-dumpsites-e-waste-and-health — منظمة الصحة العالمية، Electronic waste: Digital dumpsites and children’s health، 2 أكتوبر 2024.

 

[5]: https://www.basel.int/Implementation/Plasticwaste/PlasticWasteAmendments/Overview/tabid/8096/Default.aspx — أمانة اتفاقية بازل، Plastic Waste Partnership and Plastic Waste Amendments.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment