بقلم: مارون سامي عزّام
إسرائيل منذ عام 2022 دخلت رسميًّا على خط تهويد مؤسساتها، إثر تعرُّض العرب لاستبعاد توظيفيّ شبه جارف في شركة الطيران "إل عال"، شركة الكهرباء، ومعظم المصانع الأمنيَّة، بسبب انتهاج سياسة الفصل العنصري ضدهم، وهذا يدفعني لأقول إنّه مع نهاية العام الحالي، ستحلّ ذكرى مرور ستين عامًا على الانتهاء من آفة الحكم العسكري على البلدات والمدن العربيّة "تنذِكِر وما تنعاد"، وإزالة القيود العسكرية الجائرة، لكنها تعاد اليوم بطابع رسميّ مُسجَّل في كتاب القوانين! هكذا تجازي الدّولة مواطنيها العرب المخلصين، وتُعاملهم بصورة مشبوهة، حفاظًا على طهارة العِرق اليهوديّ، على أنّها جواز عابر للمنطق السّليم!!
هذه الحكومة تحاول "بإيديها واجريها" طمس هوية الأطبّاء العرب، الذين كانوا خلال جائحة كورونا المنقذين الفعليين للمرضى، لدرجة أنهم نالوا "استحسان" نتنياهو، لشدّة إخلاصهم لعملهم الإنساني الذي حتَّم عليهم معالجتهم بمهنيَّة عاليَة، دون تمييز، ولكن على ما يبدو كان حينها في حالة هذيان سياسي، بينما الوزراء الذين يترأسّهم اليوم يريدون بسط التفوق اليهودي حتّى على المستشفيات الحكومية، وذلك لأنهم مكبس سياسي ضاغط على نتنياهو، ولا يستطيع التلاعب معهم لأنهم عامود صموده السياسي.
ما حصل مؤخّرًا في مستشفى رامبام، بعد ادّعاء عائلة الجندي المصاب بأن الطاقم الطبي العربي "كان عدائيًا" في معالجته له، أثار ضجّة واسعة، ولا سيّما تمدُّد الانتداب العنصري إلى الإعلام الإسرائيلي بشكل مقزز، وعلى رأسه القناة 14 الداعمة لليمين المتطرّف، وتُعتَبر المنبر الإعلامي المحبّب لنتنياهو، ويجب على العربي أن يكون مواطنًا خانعًا، معزولًا عن الدولة، رغم أن "الشيخ أبو يئير" في انتخابات 2021، أعجبته هذه التسميَة، واستغلّ من خلالها عقول بعض المواطنين العرب البسيطة، ليصوتوا له، لكن نجاحه كان محدودًا.
ألم يعالجوا الأطباء العرب أهل نتنياهو وأهل عقيلته؟! لكنه لم يؤمن حينها بتعويذة التخويف، إنّما وضعها اليوم رسميًّا، لكي يردع تراجع قوّته بسبب "عين العرب الحاسدة"... لذا سمح لأنصاره خلال حملته الانتخابيّة بإطلاق تصريحاتهم العنصريّة، لضمان استمراريّته في منصب رئاسة الحكومة، هكذا يجرف بجرّافة التهويد جذور العرب، مع أن المشكلة ليست فيهم، بل في الإسرائيليين الرافضين حتّى العمل، على اعتبار أنهم "أسياد مجال الهاي تك"، بينما العرب يحملون صفة "العبيد الأنجاس الجُدُد!!".
المؤسف حقًا أن القنوات الإسرائيلية التي تُعتبَر "معتدلة" تعاملت مع قضية مستشفى رامبام بصورة عابرة للغاية، وما حصل هو نتيجة طبيعية "لتغيّر سلوك الأطباء العرب" بفعل توتّرهم النفسي الناجم عن تفشّي الجريمة في مجتمعهم!!، وهذه "الحصيلة كانت متوقّعة" منهم، وتؤكِّد مدى سيطرة الحكومة على حرية تعبير المحلِّلين ومقدّمي نشرات الأخبار، في أعقاب سنّ قوانين إعلامية متسرِّعة، تليق في دول العالم الثالث، ولا تنسجم إطلاقًا مع دولة العُقّال "الفهمانين" التي تدّعي أنها متنورة ولكن... مزاجيًّا!!
"الناخبون العرب يهرعون إلى صناديق الاقتراع بالآلاف"، صرخة الاستجداء التي أطلقها نتنياهو في انتخابات 2015، تُبيّن أنه بدأ يزرع الخوف الانتخابي في عقل شعبه منذ ذلك الوقت، بما أنهم يعتبرونه ملك إسرائيل، بينما يصفه الكثيرون بملك التحريض الأوحد، الذي توّج عقليّته بتاجٍ مرصّع بالافتراءات، تُرافقه أثناء "تفقُّده لأحوال شعبه" حاشية ائتلافه الأكثر تطرُّفًا، التي يهاب المساس بها، لذلك يلتزم الصمت إزاءها، معتبرًا تصرفاتها الشّائنة روتينًا عنصريًّا "مجازيًّا"، مع أنها تدعو للمساس بنسيج العيش المشترك بين العرب واليهود.
يستمد نتنياهو شرعيَّته من "بَرَكَة اليمين التوراتيّة" الذي نصّبه "المسيح المنتظر"، الآتي على عربة سذاجة ناخبيه، لذلك روّجوا لشطب الصوت العربي من سِجِل النّاخبين حتّى، لدرجة أنهم يؤمنون فعلًا بوضع عبوات التفرقة أمام إمكانية التدرُّج المهني للمواطنين العرب، مع أنهم حصلوا على وظائفهم بفضل تميُّزهم العلمي ومجهودهم الذي حقّق لهم هذا التألّق المعرفي في معظم المناصب المتاحة... بينما اليهود نالوا المناصب بفضل خدمتهم العسكريَّة، لذلك مُنحوا الأفضليَّة، يعني "مش بشطارتهن".
التصريح العنصري الجديد الذي أطلقه آيزنكوت، المرشَّح الأقوى للفوز في الانتخابات القادمة، "قَوَّى بَزْعو أكتر"، بإنه يريد تركيب حكومته القادمة على أساس المقعد الصِّهيوني الخام، بدون مفاوضة الأحزاب العربيَّة على دخول الائتلاف... أليس هذا جزءًا من حُكم التهويد الحكومي القادم، الذي يعني إمعانًا بعدم المساواة، وتشريعًا للمس بحقوق العرب، بهدف تحضيرهم للطرد الرّسمي والفعلي من بلادهم وأراضيهم، بصورة منافية للأعراف الدّوليَّة؟!!
لن يمضي وقتًا طويلًا حتّى يُقدَّم اقتراح قانون في كنيسيت إسرائيل المسيحانيّة الجديدة، ليحدِّد نسبة العرب في الجامعات ككل، فإن هذا سيكون جزءًا أساسيًّا من خطّة الحسم السياسي المدّعي أن العرب "داعمي إرهاب"، ولا يحق لهم الاشتراك في صنع القرار، بل عليهم البقاء في خيمة الإقصاء، أوتادها الحقد اليهودي الذي ضَمِنَ تركيبة المشهد العام الإسرائيلي، والذي ينادي بأن شواغر الوظائف مُخصَّصة فقط "لخرّيجي الجيش وجنود الاحتياط"، هذا يُؤكِّد مبدأ سموتريتش المترسِّخ منذ عام 2016 في الذِّهنيّة اليهوديَّة الدينيّة المتطرِّفة... الرفض لتواجد زوجته في غرفة واحدة مع امرأة عربيَّة في قسم الولادة. إن هذا المنطق هو السائد في غالبية وظائف الدّولة، لأن العرب ما زالوا يجلسون على قارعة درب المساواة الطّويل والشّاق، ولن تتحقَّق إلّا بعد انتهاء حُكم التهويد القسريّ على طموحاتهم أيضًا!!












08/21/2026 - 09:08 AM





Comments