رشيد ج. مينا
لماذا يذهب الناس إلى المطاعم؟ هل هي الضرورة أم الترفيه أم الحاجة؟ هل هو بُعد المسافة بين العمل والمنزل، أم ضيق الوقت؟ هل هي مساحة للتلاقي مع الأهل والأصدقاء، أم جزء من تيسير الأعمال وإنجازها؟ هل هو البحث عن الجديد، أم الرغبة في تناول ما تشتهيه النفس مما لذّ وطاب؟ أسئلة كثيرة قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تقود إلى مشهد اقتصادي واجتماعي أوسع، وإلى سؤال آخر:
هل تتسع كل هذه الحاجات لهذا الانتشار السريع والتوسع الكبير في قطاع المطاعم والمقاهي، وهذا التفنن في التسويق لها، في الوقت الذي تتسع فيه على المقلب الآخر مساحات الفقر والتضخم والأزمات وتتراجع القدرة الشرائية، ونشهد إقفال الكثير من المطاعم والمقاهي بعد فترة قصيرة أو طويلة من افتتاحها؟
من دون شك، لم تعد المطاعم مجرد أماكن لتناول الطعام عند الضرورة، كما لم يعد المقهى فقط تلك المساحة التي كانت تلتقي فيها النخب والأدباء والشعراء وأصحاب الرأي والفنانون والمناضلون والناشطون. فكما يتغير كل شيء، والتغيير سمة الحياة، تغيرت وظيفة المطعم والمقهى وتوسعت لتصبح جزءًا من نمط حياة مختلف فرضته تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة.
المطعم اليوم لم يعد ترفًا بالمعنى التقليدي، بل أصبح في كثير من الأحيان استجابة لمتطلبات عصر السرعة والاستهلاك واستثمار الوقت إلى أبعد الحدود. يعمل الإنسان بعيدًا عن منزله، وتزداد ساعات انشغاله، وتتغير أنماط الأسرة والعمل والحياة، فيصبح تناول الطعام خارج المنزل حاجة أحيانًا وخيارًا عمليًا أحيانًا أخرى. ومن هنا نفهم الانتشار الواسع لمطاعم الوجبات السريعة التي تتوافق مع متطلبات شرائح واسعة، ولا سيما الشباب والعاملين، كما نفهم تطور المطاعم الكبرى التي أصبحت متنفسًا للعائلات وأولادهم، وتتنافس على توفير وسائل الراحة والترفيه والمساحات الخاصة بالأطفال إلى جانب الطعام.
والمقاهي بدورها تغيرت وظائفها. فما زالت هناك مقاهٍ تشكل فضاءات للقاء والحوار والعمل، لكن مساحة واسعة منها أصبحت مرتبطة بأنماط اجتماعية أخرى؛ من الجلوس الطويل إلى الشيشة ومشاهدة الشاشات ومتابعة المباريات والألعاب والمسابقات، وتحولت بذلك من فضاء له وظيفة اجتماعية وثقافية محددة إلى مساحة متعددة الوظائف تعكس جانبًا من التحولات التي طرأت على المجتمع نفسه.
لكن التغيير الأكبر لم يطل الزبون وحده، بل طال المستثمر أيضًا.
لم يعد الاستثمار في المطاعم والمقاهي حكرًا على أصحاب الشغف بهذا المجال أو المبدعين في فنون الطهي والضيافة. فقد دخلت إليه الشركات الكبرى وكبار المستثمرين، وأصبحنا أمام علامات تمتلك عشرات بل مئات الفروع، وتدير عمليات إنتاج وتسويق وتوزيع واسعة. وفي المقابل، أصبح كل من يمتلك بعض المال تقريبًا قادرًا على التفكير في افتتاح مطعم أو مقهى، حتى وإن لم تكن لديه معرفة كافية بطبيعة هذا القطاع وتعقيداته.
وهنا تبدأ المفارقة.
فالصورة الخارجية للمطعم الناجح قد توحي بأن الأمر بسيط:
موقع جيد، ديكور جذاب، قائمة طعام، حملة على وسائل التواصل، ثم تبدأ الأرباح. لكن خلف الواجهة عالم آخر من الإدارة والتشغيل والتكلفة والجودة والتوريد والمخزون والهدر والتدريب والنظافة والخدمة والتسعير والرقابة والاستمرارية. ومن يدخل هذا العالم مدفوعًا بالصورة التسويقية وحدها سرعان ما يكتشف أن كثرة الزبائن في أيام الافتتاح لا تعني نجاح المشروع، وأن المبيعات ليست أرباحًا، وأن المطعم من أكثر المشاريع التي يمكن أن تستهلك رأس المال إذا لم تُحسن إدارته.
لذلك لا ينبغي أن تخدعنا كثرة الافتتاحات. فانتشار المطاعم والمقاهي لا يعني بالضرورة أن القطاع يعيش ازدهارًا صحيًا. ففي مقابل كل مشروع جديد نرى مشاريع تتعثر وأخرى تغلق، وأسماء تظهر سريعًا ثم تختفي. إنها حركة دخول وخروج متواصلة تكشف، إلى جانب حيوية السوق، حجم الاستثمار غير المدروس فيه.
ويزداد السؤال إلحاحًا عندما ننظر إلى مجتمعات تعاني أصلًا من أوضاع اقتصادية صعبة وتضخم وتراجع في القدرة الشرائية، وفي بعض البلدان من عدم الاستقرار والفلتان وضعف سلطة القانون والرقابة:
كيف يمكن لهذا الواقع أن يتزامن مع هذا الكم من الاستثمار في المطاعم والمقاهي؟
هل لأن الطلب عليها أصبح أكبر فعلًا؟ أم لأن رأس المال يبحث عن القطاعات الأسرع دورانًا والأوضح أمام المستثمر؟ أم لأن الاستثمار الإنتاجي والصناعي أصبح أكثر تعقيدًا ومخاطرة ويحتاج إلى بنية تحتية وتشريعات واستقرار وتمويل طويل الأجل، بينما يبدو المطعم أو المقهى مشروعًا أسهل وأسرع؟ أم أننا أمام مزيج من كل ذلك؟
هذه الأسئلة تستحق البحث، لأن المسألة لا تتعلق بالمطاعم وحدها، بل باتجاهات الاستثمار في المجتمع وبنوع الاقتصاد الذي نبنيه.
فحين يزداد اندفاع رأس المال نحو القطاعات الخدمية والاستهلاكية على حساب القطاعات الإنتاجية والصناعية، لا يعود الأمر مجرد اختيار فردي للمستثمر. الصناعة والإنتاج والزراعة والخدمات المرتبطة بها هي التي توسع القاعدة الاقتصادية وتخلق سلاسل قيمة وفرص عمل متنوعة وترفع القدرة على إنتاج الثروة، بينما لا يستطيع اقتصاد قائم بصورة متزايدة على الاستهلاك والخدمات وحدها أن يعالج مشكلات البطالة والدخل والتنمية.
وفي الوقت نفسه، لا يصح وضع المطاعم والمقاهي في مواجهة القطاعات الإنتاجية أو التعامل معها وكأنها نشاط اقتصادي هامشي. فهي قطاع اقتصادي حقيقي يوفر فرص عمل ويحرك قطاعات واسعة من الزراعة والصناعة الغذائية والنقل والتغليف والتجهيز والصيانة والخدمات، ويمكن أن يشكل مساحة مهمة للابتكار وريادة الأعمال. المشكلة ليست في وجود هذا القطاع ولا في نموه، بل في كيفية نموه ونوعية الاستثمار فيه.
ومن مظاهر الخلل أيضًا الفوضى في التوظيف، حين يحل العامل الأقل أجرًا محل صاحب المعرفة والخبرة والكفاءة، لا بسبب ارتفاع إنتاجيته وإنما لأن معيار الاختيار أصبح تخفيض التكلفة الآنية. وقد يبدو ذلك توفيرًا في البداية، لكنه كثيرًا ما يُدفع لاحقًا من الجودة والخدمة والهدر وسمعة المنشأة وقدرتها على الاستمرار.
فالطعام ليس سلعة عادية، والجودة فيه لا تبدأ عند تقديم الطبق إلى الزبون، بل من اختيار المواد وحفظها وتحضيرها وتصنيعها ونظافة المكان والعاملين وسلامة التشغيل، وصولًا إلى الخدمة والتغليف والتوصيل. ولذلك فإن ضعف التدريب والرقابة والمعايير المهنية لا يضر بالمطعم وحده، وإنما يمس المستهلك والقطاع بأكمله.
نعم، لقد أصبحت المطاعم والمقاهي حاجة اقتصادية واجتماعية تفرضها تحولات العصر ونمط الحياة الذي يسابق فيه الإنسان الزمن ويلهث للحاق بالوقت في عالم يزداد استهلاكًا وسرعة. وليس المطلوب الوقوف في وجه هذه التحولات أو محاربة الاستثمار في هذا القطاع، بل فهمها وتنظيمها وتوجيهها.
نحتاج إلى تنظيم أفضل للقطاع، وإلى رقابة تحمي الجودة والمستهلك والمستثمر الجاد، وإلى تطوير المعاهد المهنية المتخصصة في الطهي والضيافة والإدارة والتشغيل، وإلى رفع مستوى العاملين فيه مهنيًا وماديًا، وإلى ثقافة استثمارية تساعد من يريد الدخول إلى هذا المجال على معرفة حقيقته قبل أن يضع فيه أمواله.
كما نحتاج إلى توجيه المستثمر نحو الخيار الصائب القائم على دراسة السوق والحاجة والتكلفة والجدوى والقدرة على الاستمرار، لا على الانبهار بالدعايات والحملات التسويقية التي لا تعكس في كثير من الأحيان الحقيقة بقدر ما تصنع صورة تخدم أصحابها وتدفع الآخرين إلى تقليد تجربة لا يعرفون ظروفها ولا أرقامها الحقيقية.
ويبقى السؤال الأكبر أبعد من المطعم والمقهى: إلى أين نوجه أموالنا واستثماراتنا؟
المجتمع يحتاج إلى مطاعمه ومقاهيه ومساحات لقائه وترفيهه، لكنه يحتاج بالقدر نفسه، وربما أكثر، إلى المصنع والمزرعة وورشة الإنتاج والمعهد المهني والمؤسسة القادرة على خلق المعرفة والعمل والقيمة المضافة.
ولعل التناقض الذي نشاهده ليس في أن يذهب الناس إلى المطاعم وهم يعيشون أزمات اقتصادية، ولا في أن يستثمر البعض فيها، وإنما في أن يتحول الاستثمار فيها إلى موجة يسير خلفها كثيرون من دون معرفة ودراسة، بينما تبقى القطاعات القادرة على بناء اقتصاد منتج أقل جذبًا واهتمامًا.
فالمشكلة في النهاية ليست في أن نستهلك، فالإنسان يحتاج ويستهلك، وليست في أن نستثمر في المطاعم، فهي أصبحت جزءًا أصيلًا من اقتصاد العصر وحياة الناس؛ إنما المشكلة أن يسبق الاستهلاك قدرتنا على الإنتاج، وأن يسبق التقليد المعرفة، وأن يسبق الإعلان الحقيقة، وأن يتحول الاستثمار من قرار اقتصادي مدروس إلى اندفاع وراء موجة.
وعندها يصبح السؤال ليس: لماذا يذهب الناس إلى المطاعم؟ بل: لماذا نستثمر، وأين نستثمر، وأي اقتصاد ومجتمع نريد أن نبني؟











08/21/2026 - 03:32 AM





Comments