بقلم: فرنسوا الجردي
أولاً: منطق "الوصاية الأميركية" لا يصمد أمام سؤال بسيط: أين كانت الدولة عندما اتُّخذ قرار الحرب؟
يقول نعيم قاسم إن السلطة اللبنانية خضعت للإملاءات الأميركية والإسرائيلية. لكن قبل اتهام الدولة بالوصاية، يجب طرح السؤال الأكثر جوهرية: هل كان قرار الحرب والسلم في لبنان يوماً قراراً لبنانياً جامعاً عندما كان "حزب الله" يملك القدرة على فتح الجبهة منفرداً؟
السيادة ليست أن تمتلك جهة حزبية قرار إطلاق الصواريخ، ثم تطلب من الدولة لاحقاً أن تتحمل نتائج القرار.
السيادة ليست أن يقرر طرف واحد متى تبدأ الحرب، ثم يطلب من الجيش والدولة والمواطنين إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
السيادة ليست أن تكون هناك دولتان في بلد واحد: دولة تملك المؤسسات والسفارات والجيش، وجهة أخرى تملك السلاح والقرار العسكري والقدرة على جرّ البلد إلى مواجهة إقليمية.
السيادة الحقيقية هي أن يكون قرار الحرب والسلم لبنانياً، أي قرار الدولة وحدها. وهنا تحديداً تكمن المشكلة التي يحاول خطاب "المقاومة" إخفاءها.
ثانياً: المفارقة الكبرى: نعيم قاسم يتمسك باتفاق 27 تشرين الثاني 2024... ثم يرفض أهم مندرجاته، هذه هي النقطة التي تكشف التناقض السياسي بوضوح.
نعيم قاسم يقول إن الحل هو العودة إلى اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 والتمسك به.
حسناً.
فلنعد إليه بالكامل، لا انتقائياً. الاتفاق الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024 نص على وقف الأعمال العدائية من الجانبين، وعلى وقف عمليات "حزب الله" والجماعات المسلحة الأخرى ضد إسرائيل، في مقابل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية الهجومية ضد لبنان. كما ارتبط الاتفاق بتعزيز انتشار الجيش اللبناني وتطبيق سلطة الدولة في الجنوب. كما تناول الاتفاق مسألة عدم وجود أسلحة أو قوات غير تابعة للدولة في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، مع تكليف المؤسسات اللبنانية المعنية بتطبيق ذلك.
إذن السؤال المشروع لنعيم قاسم هو:
هل يريد "حزب الله" اتفاق 27 تشرين الثاني كاملاً، أم يريد فقط البنود التي تناسبه؟
لأن الاتفاق لا يقول إن "المقاومة" هي صاحبة القرار العسكري في لبنان.
بل يقول، في جوهره، إن الدولة اللبنانية هي المرجعية الأمنية والعسكرية على أرضها.
وهنا يصبح الخلاف واضحاً: الدولة تريد تطبيق الاتفاق، بينما الحزب يريد الاحتفاظ بحق امتلاك السلاح وقرار استخدامه.
وهذا ليس دفاعاً عن السيادة. هذا هو جوهر مشكلة السيادة.
ثالثاً: "سبع جولات بلا إنجاز"؟ الحقيقة أكثر تعقيداً من الدعاية السياسية
صحيح أن الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما انتهت من دون تقدم واضح في توسيع مناطق الاختبار، في وقت استمرت فيه التوترات والضربات الإسرائيلية في الجنوب. لكن اختزال المسار كله بالقول إن "سبع جولات لم تحقق أي إنجاز" ليس قراءة موضوعية.
ففي حزيران 2026، وبعد الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة، تم التوصل إلى إطار تضمن بحث انسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، ومسألة سلاح "حزب الله" ضمن ترتيبات أوسع.
إذن نعم، هناك تعقيدات، وهناك خروقات، وهناك احتلال إسرائيلي لمواقع، وهناك قصف، وهناك مطالب متعارضة.
لكن السؤال ليس: هل حققت المفاوضات كل أهداف لبنان؟
بل: ما البديل؟
هل البديل هو العودة إلى الحرب؟
هل البديل هو إطلاق الصواريخ؟
هل البديل هو أن يقرر الحزب وحده توقيت المواجهة؟ وهل أثبتت التجربة أن الحرب كانت قادرة على تأمين انسحاب إسرائيلي كامل وحماية لبنان؟
الوقائع لا تقول ذلك.
رابعاً: إذا كانت "المقاومة" ورقة قوة، فلماذا يدفع لبنان وحده ثمن استخدامها؟
هذه ربما أهم نقطة في النقاش كله.
يقول نعيم قاسم إن السلطة اللبنانية تتخلى عن أوراق القوة.
لكن ماذا فعلت هذه "الأوراق" بلبنان؟
هل منعت الدمار؟
هل منعت النزوح؟
هل منعت انهيار الاقتصاد؟
هل منعت إسرائيل من استهداف مناطق لبنانية؟
هل أعادت كل الأهالي إلى قراهم؟
هل أمنت للبنان اعترافاً دولياً بسيادته؟
أم أن النتيجة كانت مزيداً من الحرب والدمار والتهجير والانقسام؟
إن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك القوة.
القوة الحقيقية هي أن تحقق الدولة أهدافها بأقل كلفة ممكنة على شعبها. أما أن تمتلك سلاحاً تستطيع من خلاله فتح الحرب، ثم تعجز عن منع نتائجها الكارثية، فهذه ليست بالضرورة قوة. قد تكون قدرة على التصعيد، لكنها ليست بالضرورة قدرة على حماية لبنان. والفرق بين الاثنين هائل.
خامساً: "المقاومة" التي لا تخضع للدولة ليست بديلاً عن الدولة
لا يمكن بناء دولة حديثة على معادلة: الجيش للدولة، والسلاح لجهة أخرى، وقرار الحرب لجهة ثالثة.
هذه ليست دولة.
هذه ازدواجية في السيادة. والمشكلة أن "حزب الله" يريد من اللبنانيين أن يتعاملوا مع هذه الازدواجية باعتبارها أمراً طبيعياً.
لكنها ليست طبيعية. في كل دولة في العالم، هناك سؤال واحد: من يقرر الحرب؟ ومن يقرر استخدام القوة العسكرية؟ ومن يتحمل المسؤولية أمام الشعب؟ ومن يحاسب عندما تقع الكارثة؟
إذا كانت الإجابة: الحكومة والبرلمان والمؤسسات الدستورية والجيش، فنحن أمام دولة.
أما إذا كانت الإجابة: "المقاومة تقرر عندما ترى أن الظروف مناسبة"، فنحن أمام سلطة موازية للدولة.
سادساً: نعيم قاسم يتحدث عن السيادة... بينما جوهر الخلاف هو سلاح خارج الدولة
من حق نعيم قاسم أن يرفض الولايات المتحدة.
ومن حقه أن ينتقد إسرائيل.
ومن حقه أن يرفض أي اتفاق يراه مجحفاً.
لكن لا يحق لأحد أن يحتكر تعريف السيادة.
السيادة ليست فقط رفض الوصاية الأميركية.
السيادة أيضاً رفض الوصاية الإيرانية.
والسيادة ليست فقط رفض التدخل الإسرائيلي. السيادة أيضاً رفض تحويل لبنان إلى ساحة مرتبطة بحسابات إقليمية. والسيادة ليست فقط مواجهة الاحتلال. السيادة كذلك أن تكون الدولة اللبنانية وحدها صاحبة القرار على أرضها. وهذا ما أكده رئيس الحكومة نواف سلام عندما شدد على أن السيادة اللبنانية لا تتحقق إلا بقرار مستقل للدولة وبجيش واحد يمتد نفوذه على كامل الأراضي اللبنانية.
سابعاً: السؤال الذي يجب أن يجيب عنه "حزب الله": لمن كانت الحرب؟
إذا كانت الحرب لبنانية، فلماذا لم يُتخذ قرارها عبر مؤسسات الدولة؟ وإذا كانت حرباً إقليمية، فلماذا يُطلب من اللبنانيين وحدهم دفع ثمنها؟ وإذا كانت دفاعاً عن لبنان، فلماذا أصبح لبنان ساحة صراع مرتبطة بملفات إيران وغزة واليمن والمنطقة؟
هنا تحديداً يجب أن نتوقف أمام الخطاب السياسي. لأن لبنان ليس محافظة في محور إقليمي. وليس قاعدة متقدمة في حرب الآخرين. وليس ورقة تفاوضية لأي دولة خارجية.
لبنان وطن له شعبه ومؤسساته وحدوده ومصالحه الوطنية. ومن حق اللبناني أن يسأل: كم حرباً يجب أن نخوض حتى نكتشف أن لبنان ليس أقوى بالسلاح الموازي للدولة، بل أقوى بالدولة نفسها؟
ثامناً: منطق "إما المقاومة أو الاستسلام" كذبة سياسية
يحاول خطاب الحزب باستمرار فرض معادلة ثنائية: إما أن تقبلوا بسلاح "المقاومة"، وإما أنكم تستسلمون لإسرائيل وأميركا.
لكن هذه المعادلة كاذبة.
هناك خيار ثالث، وهو: الدولة اللبنانية.
جيش لبناني قوي.
دبلوماسية لبنانية قوية.
قرار سياسي موحد.
مؤسسات دستورية قوية. وعلاقات عربية ودولية متوازنة. وتطبيق القرارات الدولية. وتحرير الأراضي المحتلة بالوسائل التي تقررها الدولة. وحماية الحدود بواسطة الجيش اللبناني. هذه ليست استسلاماً. هذه هي السيادة الوطنية.
تاسعاً: إذا كان التفاوض مذلاً، فلماذا تفاوض الحزب نفسه في كل المراحل؟
التفاوض ليس عيباً. التفاوض ليس استسلاماً. التفاوض هو أداة من أدوات السياسة عندما تكون الدولة أمام نزاع مع دولة أخرى. والتاريخ مليء باتفاقات وقعتها دول مع خصومها من دون أن يعني ذلك أنها تخلت عن سيادتها.
المشكلة ليست في التفاوض.
المشكلة في أن يكون هناك طرف لبناني واحد يريد أن يحتكر قرار التفاوض وقرار الحرب معاً.
الدولة يجب أن تفاوض باسم لبنان.
وإذا أخفقت المفاوضات، تحاسب الحكومة.
وإذا نجحت، يكون الإنجاز للبنان.
أما أن يفاوض طرف خارج الدولة، ويقاتل طرف خارج الدولة، ثم يحمّل الدولة مسؤولية النتائج، فهذه معادلة لا يمكن أن تستمر.
عاشراً: من حق الجنوبي أن يعيش... وليس أن يكون دائماً وقوداً للحرب
هذه ربما أكثر الحجج إنسانية وأخلاقية.
الجنوب اللبناني ليس مجرد "جبهة".
الجنوبي ليس رقماً في معادلة الردع.
القرى ليست مواقع عسكرية.
والبيوت ليست أوراقاً تفاوضية.
والأطفال ليسوا جنوداً في حروب المحاور.
من حق أهل الجنوب أن يعودوا إلى أرضهم، وأن يعيشوا فيها من دون خوف من الحرب، وأن يكون الجيش اللبناني هو الحامي الفعلي لهم.
ومن حق بقية اللبنانيين أيضاً ألا يُطلب منهم دفع ثمن قرار لم يشاركوا في اتخاذه.
الخلاصة: كفى قلباً للحقائق
نعيم قاسم يقول إن الدولة تفرّط بالسيادة.
لكن السيادة تبدأ من سؤال واحد:
من يملك قرار الحرب والسلم؟
إذا كانت الإجابة "الدولة"، فنحن نسير نحو الدولة.
أما إذا كانت الإجابة "المقاومة"، فنحن أمام دولة منقوصة السيادة.
نعيم قاسم يقول إن السلطة تتنازل عن أوراق القوة.
لكن أي قوة هذه التي جعلت لبنان يدفع أثماناً باهظة من دون أن يحصل على حماية دائمة أو استقرار دائم؟
يقول إن التفاوض إذعان.
لكن المفاوضات، مهما كانت صعبة، تبقى أقل كلفة من الحرب المفتوحة عندما تكون الدولة قادرة على استخدامها لحماية مصالحها.
يقول إن الأميركيين يتدخلون في لبنان.
والجواب يجب أن يكون واضحاً:
نعم، نرفض أي وصاية أميركية.
لكن في الوقت نفسه: نرفض أي وصاية إيرانية. نرفض إسرائيل عندما تعتدي على لبنان. ونرفض أيضاً أن يتحول لبنان إلى منصة حرب لمصلحة أي محور إقليمي. نريد لبنان الذي لا يكون تابعاً لأحد.
السؤال الأخير لنعيم قاسم
إذا كان "حزب الله" واثقاً من قوة مشروعه، فلماذا يخشى دولة لبنانية واحدة؟
لماذا يخشى جيشاً لبنانياً واحداً؟
لماذا يخشى قراراً لبنانياً واحداً؟
لماذا يصبح تسليم السلاح للدولة "استسلاماً"، بينما يفترض أن يكون تسليم السلاح للدولة هو أبسط تعريف للسيادة؟ الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح هي أن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات عن "الانتصار".
لبنان يحتاج إلى النجاة. لا يحتاج إلى جبهة جديدة. يحتاج إلى دولة. لا يحتاج إلى سلاحين. يحتاج إلى جيش واحد. لا يحتاج إلى قرارين. يحتاج إلى قرار لبناني واحد. ولا يحتاج إلى "مقاومة" تملك حق إدخاله في الحرب متى شاءت. يحتاج إلى دولة تملك وحدها حق تقرير الحرب والسلام.
فمن جرّ لبنان إلى الحرب لا يحق له اليوم أن يزايد على الدولة في السيادة. والذي يريد فعلاً حماية لبنان، فليضع سلاحه تحت سلطة الدولة، وليترك للجيش اللبناني والدبلوماسية اللبنانية والمؤسسات الدستورية مهمة حماية الوطن.
عندها فقط يصبح شعار "السيادة" حقيقة، لا مجرد كلمة تُرفع فوق أنقاض بلد أنهكته الحروب.
لبنان لا يُحمى بدولة داخل الدولة. لبنان يُحمى بالدولة. ولبنان لا يستعيد سيادته بتبديل وصاية بوصاية، بل بإسقاط كل الوصايات. والطريق إلى ذلك يبدأ من قرار واحد: لا حرب ولا سلام ولا سلاح خارج الدولة اللبنانية.










08/14/2026 - 21:37 PM





Comments