رشيد ج. مينا
يُعرَّف الفشل بأنه عدم القدرة على الوصول إلى الهدف المطلوب أو إنجاز أمر ما بالطريقة الصحيحة، كما يُعرَّف في اللغة بالإخفاق أو التراجع أو الضعف عند الشدة.
لكن، وإن كان هذا هو التعريف المتداول، فأنا أعتقد أنه لا يصلح لأن يكون قاعدة عامة تنطبق على كل الحالات. فلو كان الفشل نهاية حتمية، لما كان الحديث عن التعلم منه، ولما تحولت محاولات أخفقت في بداياتها إلى نجاحات علمية واختراعات نقلت البشرية من واقع إلى واقع أكثر تقدمًا. لذلك أرى أن الفشل ليس حكمًا نهائيًا على الإنسان أو الفكرة أو المشروع، بل وصفٌ لنتيجة لم تتحقق في زمان ومكان وظروف محددة.
ومن خلال تأمل واقع الأفراد والمجتمعات، نجد أن أسباب الفشل لا تعود دائمًا إلى سبب واحد، ولا يمكن اختزالها بعامل واحد. فقد يكون الطمع سببًا رئيسيًا في تعثر التاجر أو صاحب المشروع الصناعي أو الزراعي أو الإنتاجي عندما يطغى السعي وراء الربح السريع على التخطيط والإدارة السليمة. وقد يكون البخل سببًا في فشل الحياة الأسرية قبل أن يكون سببًا في نفور الآخرين خارجها. كما أن الكسل من أبرز أسباب ضعف الإنتاج، وعدم تحقيق الحد الأدنى من الاكتفاء، والتراجع في المسار العلمي والمهني.
وفي المقابل، هناك أسباب لا ترتبط بالإنسان وحده، وإنما بالظروف المحيطة به. فقد تكون الأدوات غير مناسبة، أو الإمكانات محدودة، أو التوقيت غير موفق، أو البيئة غير مهيأة لتحقيق النجاح. لذلك فإن النتائج ليست وليدة الأسلوب وحده، بل هي حصيلة تفاعل الإنسان مع ظروفه، وإمكاناته، والزمان، والمكان، وما يحيط به من عوامل، بعضها في متناول يده، وبعضها خارج إرادته.
ولهذا لا أوافق على تحويل أي تجربة أو مقولة إلى قاعدة مطلقة. فقد يكرر المزارع زراعة البذور نفسها وبالطريقة نفسها، ثم تختلف النتائج من موسم إلى آخر لاختلاف المطر أو المناخ أو خصوبة الأرض. وقد يربي الأب والأم أبناءهم بالأسلوب نفسه، ثم تختلف شخصيات الأبناء ومساراتهم في الحياة. فالنتائج لا تُبنى على عامل واحد، بل على مجموعة عوامل متداخلة ومتغيرة.
ومن هنا فإن الفشل في أمر ما لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف، بل محطة للمراجعة والتعلم وسبر أغوار الأسباب. فالعقل الواعي لا يكتفي بوصف النتيجة، بل يبحث عن أسبابها، ويميز بين ما يجب الإبقاء عليه وما يحتاج إلى تغيير، سواء كان ذلك في الفكر، أو في الأدوات، أو في أسلوب العمل، أو في اختيار التوقيت، أو في تهيئة الظروف.
وكثيرًا ما نجد أن الإنسان، عندما يتعرض للإخفاق، يظن أنه وصل إلى النهاية، فيستسلم. فالطالب قد يترك تعليمه، ورب الأسرة قد يرضخ للأعباء، وصاحب المؤسسة قد يغلق مشروعه، والتاجر قد يعلن إفلاسه، والقائد قد يكتفي بإلقاء اللوم على الآخرين بدل مراجعة أخطائه. وفي المقابل، نجد آخرين حولوا إخفاقاتهم إلى نقطة انطلاق، لأنهم لم يتعاملوا مع الفشل بوصفه قدرًا، بل بوصفه تجربة تستحق الدراسة والتصحيح.
لذلك، لا أرى أن ما يُعرف بالفشل هو قدر محتوم أو نهاية لكل أمل. ولو كان كذلك، لما قامت حضارة بعد سقوط، ولا نهضت أمة بعد أزمة، ولا خرجت أعظم الاكتشافات والاختراعات من رحم محاولات لم تنجح في بداياتها.
إن الفشل الحقيقي ليس في الإخفاق، وإنما في التوقف عن التعلم، أو الإصرار على تجاهل الأسباب، أو الاستسلام لليأس. أما النجاح، فلا يتحقق بالاجتهاد وحده، ولا بالحظ وحده، بل هو ثمرة تفاعل الاجتهاد مع المعرفة، والمراجعة، والتصحيح، وحسن التقدير، واختيار التوقيت، وتوافر الظروف المناسبة.
فالفشل ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بدايته. وليس حكمًا على المستقبل، بل قراءة لنتيجة قابلة للتغيير. وما دام الإنسان قادرًا على أن يتعلم، ويصحح، ويعيد المحاولة، فإن باب النجاح يبقى مفتوحًا، ويبقى الأمل أقوى من كل إخفاق.












07/25/2026 - 08:10 AM





Comments