القداسة في لبنان … سيرة تختصر نضال وانتماء شعب

07/25/2026 - 06:51 AM

Your Ad Here

 

 

بقلم المحامي فؤاد الأسمر

قديسو لبنان، على مرّ التاريخ، لم يكونوا مجرد أشخاص عاشوا حياة التقوى والصلاة والتشبث بالفضائل المسيحية فحسب، بل جسدوا مسيرة شعبٍ ناضل من أجل إيمانه وحريته، ودفع من دماء أبنائه ثمن وجوده ورسالته. لقد اختصروا تاريخ مجتمعهم، بما فيه من معاناة وصمود، ومن عزلةٍ ونضال، ومن ثباتٍ بمواجهة سلسلة لا متناهية من الاحتلالات والاضطهادات.

من وادي قاديشا، حيث تماهت الأديرة مع الصخور، نشأت مدرسة روحية فريدة صنعت رجالًا ونساءً حملوا صليبهم في زمنٍ شكّل البقاء فيه معجزة. لم تكن حياة النسك هروبًا من العالم، بل كانت مقاومةً روحية وثقافية حافظت على الهوية والإيمان واللغة والتراث، فيما كانت شعوبٌ كثيرة تذوب تحت وطأة القوة أو الإغراء.

لم يأتوا من مجتمعٍ مرفّه أو مستقر، بل خرجوا من بيئةٍ عرفت الفقر والحرمان، وكابدت أعتى الاعتداءات الهمجية، مما زادها صلابة برسالتها. فتمنطق أبناؤها بالإيمان مصدر قوتهم، وارتقى قديسوها علامة حيّة لانتصارها. وانتشرت الأديرة مدارس للعلم، والكنائس حصونًا للهوية، والرهبان حراسًا للذاكرة الوطنية، حتى غدت القداسة تعبيراً عن صمود جماعي وجزءًا من التاريخ السياسي والاجتماعي والفكري لهذه البيئة.

القداسة في لبنان ليست مجرد حالة فردية أو عابرة بل هي من صلب الهوية والانتماء، وخصوصية يكتسبها أبناء أرض تعانق السماء، فتحوًل الألم إلى رجاء، والاضطهاد إلى محبة، والمكان إلى مساحة للإيمان.

واليوم، فيما يمر لبنان بواحدة من أصعب محطاته التاريخية، يرتفع البطريرك الياس الحويك طوباوياً على مذبح الكنيسة الجامعة، مترافقاً مع فضائل وبطولات سائر القديسين اللبنانيين، أكثر من مجرد ذكرى، إنها دعوة إلى استعادة القيّم التي صنعت هذا الوطن الذي حفظه الآباء والأجداد بالصلاة والعمل والصمود.

القداسة في لبنان لم تكن يومًا انفصالًا عن الوطن، بل كانت أسمى أشكال الانتماء إليه، فهل يستلهم اللبنانيون من قديسيهم القوة لبناء دولةٍ تليق بتاريخهم ورسالتهم؟

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment