سام يونو: واشنطن فتحت الباب أمام العراق... لكن الاختبار الحقيقي يبدأ في بغداد؛ السيادة ومكافحة الفساد وحقوق المسيحيين

07/21/2026 - 13:08 PM

Atlantic home care

 

 

 

 

الإعلامي كريم حداد

في لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، تكتسب زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزايدي إلى واشنطن أهمية استثنائية، ليس فقط من حيث الشكل الدبلوماسي، بل من حيث ما تحمله من رهانات على مستقبل العراق وسيادته. وبين الوعود بمكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، والتحديات المتجذّرة في بنية النظام السياسي، يبقى السؤال الأساسي: هل تتحول هذه الزيارة إلى نقطة تحوّل فعلية، أم تبقى ضمن إطار التصريحات التقليدية؟

في هذا السياق، قدّم الناشط السياسي الكلداني-الأميركي سام يونو، المقيم في ولاية ميشيغان الاميركية، قراءة واقعية وصريحة لأبعاد الزيارة، كاشفاً عن مكامن القلق داخل الجاليات العراقية، ومحدداً الأولويات التي يجب أن تترجم إلى خطوات عملية بعيداً عن الشعارات، في حوار يلامس جوهر الأزمة العراقية وتوازناتها المعقّدة.

تقييم زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن

جاء رئيس الوزراء الزيدي إلى واشنطن وقطع وعودًا كثيرة: بوقف الفساد المالي كله، وبإنهاء الميليشيات، وبحصر السلاح بيد الدولة وحدها. هذه هي الكلمات الصحيحة، وأنا أرحّب بها. أما هل تتحوّل إلى أفعال، فهذا ما سنراه.

حذري ليس شخصيًا، بل عملي. فكثير من أصدقائه الشخصيين متورطون في الفساد، وعدد ممن أوصلوه إلى المنصب بأصواتهم هم أنفسهم حيتان الفساد الكبار، رجال تُحسب أموالهم بمئات الملايين إن لم تكن بالمليارات. ولا ننسى أن له أصدقاء في الخارج، ومنهم في الولايات المتحدة، كانوا متورطين في الفساد ذاته، ومع ذلك يُبقيهم قريبين منه ويستند إليهم في حملته الاقتصادية لاستقطاب المستثمرين. ولا يستطيع رجل أن يفكّك الفساد وهو محاط بمن بنوه ويستفيدون منه.

نعم، كانت الزيارة خطوة. لكن كونها خطوة إلى الأمام أو مجرد خطوة في المكان، يتوقف كليًا على ما سيأتي بعدها في بغداد، لا على ما قيل في واشنطن.

 

رفض الضغوط الإيرانية... خطوة استقلال أم موقف عابر؟

لقد شهدنا هذا النوع من المواقف سابقًا من قادة عراقيين سابقين. كل واحد منهم جاء إلى واشنطن وتحدث بحزم واستُقبل بحفاوة، ثم عاد إلى البلد ليواجه الضغوط نفسها والتنازلات نفسها.

إن الوقوف بوجه طهران مرة واحدة ولأجل زيارة واحدة ليس سياسة خارجية بعد. فالاستقلال لا يُقاس بركوب الطائرة، بل يُقاس بالقرارات التي تُتخذ لاحقًا في بغداد، وفي الوزارات، وعند المنافذ الحدودية، وفي الملفات الأمنية التي يعرفها الجميع ولا يقترب منها أحد. أنا لا أقلّل من قيمة الموقف، لكني أرفض الاحتفال به قبل أوانه. سننتظر لنرى إن كان يعني ما يقول.

 

الملفات التي كان يجب أن تتصدّر جدول الأعمال

عمليًا، ركّز الزيدي على الاقتصاد والاستثمار. فقد انشغل هو وفريقه بتوقيع رسائل نوايا مع شركات أمريكية، وكانوا أحيانًا يسمّونها عقودًا. وبصراحة، لست مقتنعًا بأن عقودًا كهذه يمكن التفاوض عليها والاتفاق عليها وإنجازها في مدة قصيرة كهذه. رسالة النوايا رغبة، أما العقد فالتزام، ولا يجوز تقديمهما للشعب العراقي وكأنهما شيء واحد. وقد تطرّق إلى الميليشيات وسيادة الدولة حين التقى بالجالية العراقية، لكني لم أسمعه يعلن أمام الرأي العام ما الذي أسفرت عنه تلك المباحثات مع الإدارة الأمريكية فعليًا.

هذه هي الملفات التي كان ينبغي أن تتصدّر جدول الأعمال لا أن تأتي في ذيله: السلاح الخارج عن سيطرة الدولة، المنافذ الحدودية وما يمرّ عبرها من أموال ونفوذ، سيادة القرار العراقي، حماية الأقليات والنازحين. فالاستثمار لا يأتي إلى بلد يكون فيه السلاح أقوى من القانون، ولا يضع مستثمر جادّ أمواله في دولة لا تسيطر على أرضها.

 

لقاءات واشنطن... اقتصاد بلا سيادة

أعتقد أن التركيز مع أعضاء الوفد كان منصبًّا بالكامل على الاستثمار والاقتصاد. هذه كانت لغة الاجتماعات من الجانبين. وعلى حد علمي، فإن ملفات السيادة، والجماعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة، والنازحين، والمكوّن المسيحي وسائر الأقليات، لم تنل شيئًا يقارب الاهتمام نفسه. وهذا الاختلال بالذات هو ما يقلقني. فمشكلة العراق اليوم ليست قلة المستثمرين، بل غياب الظروف التي تتيح للاستثمار، ولأي مواطن شريف، أن يبقى ويستمر.

 

أجواء لقاء الزيدي - ترامب

كانت الأجواء ودّية وحميمة إلى حدّ أن الرئيس ترامب طلب من الزيدي وفريقه البقاء لتناول غداء غير مُدرج في البرنامج داخل البيت الأبيض. وفي واشنطن، هذه ليست بادرة صغيرة، وينبغي أن تُقرأ بوصفها انفتاحًا حقيقيًا من الجانب الأمريكي.

لكن دفء القاعة ليس مقياسًا للشراكة، فالمقياس هو الصدق داخل تلك القاعة. ولن يكون لذلك الغداء أي معنى إلا إذا كان الزيدي صادقًا في أجوبته للرئيس ترامب. وإن لم يكن كذلك، فإن حسن النية الذي مُنح له في ذلك اليوم سيُستهلك، ولن يُمنح مرة أخرى بسهولة، لا له ولا لمن يأتي بعده.

 

النتائج المتوقعة... بين الحذر والتجربة

الأمر يبقى رهن الانتظار، وأنا شديد الحذر. فقد رأيت قادة عراقيين آخرين يقطعون الوعود نفسها، في المدينة نفسها، أمام الكاميرات نفسها، ثم يُترك الشعب العراقي بعدها لخيبة الأمل. وأفضّل أن يُحكم على الزيارة بنتائج قابلة للقياس لا بالبيانات الختامية:

- أروني الأسماء التي أُحيلت إلى القضاء بتهم الفساد والأموال التي استُردّت.

- أروني السلاح الذي جُمع والجماعات التي حُلّت فعلًا.

- أروني رسائل النوايا التي تحوّلت إلى عقود موقّعة ومموّلة ومنفَّذة.

فإن تحققت هذه الثلاثة، سأكون أول من يقول إنني أخطأت في شكّي، وسأقولها علنًا وبكل سرور.

 

موقف الجالية الكلدانية والمسيحية في الولايات المتحدة

حذرة. حذرة جدًا. خصوصًا أننا سمعنا كل أنواع الوعود من قبل. سمعنا وعودًا شفهية، ولا شيء مفصّلًا، لا خطة ولا لجنة رسمية تضع بصدق آلية للعودة.

ما يحتاجه أبناء شعبنا أمر ملموس: حقوق المواطنة كاملة، التعويض عن خسائرهم، عن أفراد العائلة الذين قُتلوا، عن البيوت والقرى والأعمال والوظائف التي دُمّرت، والأهم حرية التعبير والدين والثقافة والتعليم والعمل. وبدون هذا البند الأخير يبقى كل ما عداه مجرد ديكور.

ولا بد أن أكون صريحًا بشأن أمر أقرب إلينا. فبعض من يُسمَّون قادة ويتحدثون باسمنا لا معرفة لهم بالدبلوماسية الدولية ولا بطبيعة السياسة الفاسدة. يطالبون بأشياء، وفي اليوم التالي يصبح طلبهم في خبر كان. لا متابعة، ولا تواصل مع لجان الأمم المتحدة، ولا انخراط مع الحكومات الكبرى لطلب الدعم والتأييد.

وأقلّ ما يمكن لحكومة العراق أن تفعله هو استحداث وزارة للوطنيين، جهة مختصة تتولى هذه الملفات وتختبر صدق نوايا من يدّعون تمثيل شعبنا وتضمنه.

 

ملف النازحين المسيحيين وسهل نينوى

شخصيًا لم أبحثه. فلم تُتَح لي فرصة لقائه وجهًا لوجه كما وُعدت من قبل. أقولها بوضوح ودون مرارة، لأن الوعد قُطع ولم يُنفَّذ، وهذا بحد ذاته جزء من النمط الذي أتحدث عنه.

وآمل أن يكون آخرون قد أثاروا الملف. فلننتظر النتائج، وأرجو أن تظهر خلال مئة يوم أو أقل. وهي مدة عادلة: طويلة بما يكفي لتشكيل لجنة وتسمية أعضائها ونشر خطة، وقصيرة بما يكفي كي لا يختبئ أحد خلف ذريعة الحاجة إلى مزيد من الوقت.

 

التوازن بين واشنطن وطهران... معادلة صعبة

الفرص وافرة. فإذا كانت أفعال رئيس الوزراء صادقة، فإن ما يمكن أن يقدّمه الجانب الأمريكي يكاد يكون بلا حدود: رأس مال، تكنولوجيا، شراكة في الطاقة، تدريب، والغطاء السياسي الذي احتاجه العراق طوال عشرين عامًا. أما التحديات فأكبر. فالتعامل مع طهران ومع الميليشيات التي تدعمها داخل العراق ليس تفاوضًا بين حكومتين، بل صراع على من تكون له الكلمة الأخيرة داخل الدولة العراقية. ولا يوجد توازن يُبنى على إرضاء العاصمتين معًا؛ فالتوازن لن يأتي إلا من مكان واحد، وهو دولة عراقية قوية تخضع للعراقيين.

الكرة الآن في ملعب الزيدي. فإن أوفى، سيبدو الرئيس ترامب في موقع البطل بعد كل هذا الثناء الذي أغدقه عليه. وإن لم يفِ بوعوده، فسيبدو الرئيس على غير ما يشتهي، وسيدفع العراق الثمن الأكبر.

 

هل تفتح الزيارة الباب لتعاون أوسع؟

سيزدهر العراق إلى أقصى حد، في كل مجال ومجال. ولا يساورني أدنى شك في إمكاناته. فالموارد البشرية العراقية من الأفضل في العالم، وكل المطلوب هو أن تُترك لتفعل ما تُحسنه. حرّروها من المحاصصة الحزبية، ومن الميليشيا، ومن الرشوة، ومن القريب الذي يتسلّم منصبًا لم يستحقّه، وسيبني العراقيون بلدهم بأنفسهم. أما الموارد الطبيعية فهي موجودة بلا حدود.

الباب مفتوح، وما من أحد في واشنطن يُغلقه. أما هل يعبر العراق منه، فقرار يُتخذ في بغداد، وسيُتخذ بالأفعال لا بالخطب.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment