منذ أكثر من أربعة عقود... وطهران تخوض حربًا على سيادة لبنان باسم "المقاومة"
بقلم: فرنسوا الجردي
لم تدخل إيران إلى لبنان يومًا بصفة دولة صديقة تحترم سيادته، بل دخلت إليه باعتباره ساحة نفوذ متقدمة، ومنصة لمشروعها الإقليمي، وقاعدة عسكرية وسياسية تستخدمها متى شاءت في مواجهة خصومها. فبالنسبة إلى النظام الإيراني، لم يكن لبنان وطنًا مستقلاً، بل ورقة تفاوض، وخط دفاع أول، وصندوق بريد لتبادل الرسائل العسكرية والسياسية مع الولايات المتحدة وإسرائيل والعالم العربي.
منذ عام 1979، تبنّى النظام الإيراني مشروع "تصدير الثورة"، ولم يخفِ يومًا أن نفوذه خارج حدوده جزء من عقيدته السياسية. وفي لبنان، وجد البيئة التي مكّنته من إنشاء أقوى أذرعه الخارجية، حزب الله، الذي أصبح مع مرور الزمن القوة العسكرية الأكثر ارتباطًا بطهران عقائديًا وسياسيًا وماليًا.
لقد تحولت العلاقة بين إيران وحزب الله إلى علاقة تتجاوز الدعم السياسي التقليدي بين الدول والأحزاب، لتصبح ارتباطًا استراتيجيًا معلنًا، أكده مسؤولون إيرانيون مرارًا في تصريحاتهم، عندما وصفوا الحزب بأنه جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده طهران. لكن السؤال الذي يطرحه كل لبناني حر هو: من أعطى إيران حق تقرير مصير لبنان؟
من فوّضها أن تتحدث باسمه في المحافل الدولية؟
من منحها حق تحويل الجنوب اللبناني إلى خط مواجهة دائم يخدم حساباتها الإقليمية؟
ومن سمح لها بأن تجعل الاقتصاد اللبناني، والسلم الأهلي، وعلاقات لبنان العربية والدولية، رهائن لمشروع لا يمت بصلة إلى المصلحة الوطنية اللبنانية؟
لقد دفعت إيران أموالًا طائلة، وأرسلت السلاح والخبرات، ليس لإنقاذ الاقتصاد اللبناني، ولا لبناء المدارس والمستشفيات، ولا لإصلاح الكهرباء، ولا لإعادة الودائع إلى أصحابها، بل لترسيخ ميزان قوة يخدم استراتيجيتها الإقليمية. وعندما انهارت الدولة اللبنانية، وانهارت العملة الوطنية، وهاجر مئات الآلاف من الشباب، لم تقدم إيران للبنانيين مشروع دولة، بل تمسكت ببقاء السلاح خارج سلطة الدولة، وكأن قيام الدولة القوية يتعارض مع مشروعها.
لقد أصبح واضحًا أن قوة لبنان ليست ضمن أولويات طهران، بل إن بقاء الدولة ضعيفة يوفر بيئة أكثر ملاءمة لاستمرار نفوذها. والأخطر أن التدخل الإيراني لم يعد يقتصر على الجانب العسكري، بل تمدد إلى القرار السياسي، وإلى الخطاب الإعلامي، وإلى التعبئة العقائدية، وإلى التأثير في خيارات لبنان الخارجية، في مخالفة صريحة لمبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
أي سيادة تبقى عندما يكون قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية؟
وأي استقلال يبقى عندما ترتبط قرارات مصيرية بحسابات عاصمة أجنبية؟
لقد دفع اللبنانيون ثمن هذا الواقع من أمنهم، واقتصادهم، واستقرارهم، وعلاقاتهم العربية والدولية. وتحولت الدولة إلى رهينة معادلة غير طبيعية: دولة تمتلك الشرعية، وسلاح يمتلك القدرة على فرض الوقائع.
إن أخطر ما في المشروع الإيراني أنه حاول إقناع اللبنانيين بأن التخلي عن الدولة هو الطريق إلى حماية الدولة، وأن السلاح خارج الشرعية هو الضامن للاستقرار، بينما أثبتت الوقائع أن استمرار هذا الواقع أدخل لبنان في أزمات متلاحقة، وأبقى قراره الوطني محل نزاع دائم.
لقد سقطت مشاريع إمبراطوريات كبرى عبر التاريخ عندما اصطدمت بإرادة الشعوب. وسقطت الوصاية العثمانية، وانتهى الانتداب الفرنسي، وانسحب الاحتلال الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية، وانتهت الوصاية السورية، ولن يكون المشروع الإيراني استثناءً من هذه القاعدة التاريخية.
لبنان ليس محافظة إيرانية، ولا قاعدة متقدمة للحرس الثوري، ولا ورقة مساومة على طاولة المفاوضات النووية.
لبنان وطن مستقل، ودولته وحدها صاحبة القرار، وجيشه وحده صاحب السلاح الشرعي، ودستوره وحده المرجعية التي يجب أن يخضع لها الجميع.
إن معركة اللبنانيين اليوم ليست ضد الشعب الإيراني، الذي يستحق بدوره الحرية والازدهار، بل ضد سياسة توسعية تتعامل مع الدول العربية كساحات نفوذ، ومع شعوبها كأدوات في مشروع إقليمي. وسيبقى لبنان، مهما اشتدت الضغوط، أكبر من أن يُبتلع، وأقوى من أن يتحول إلى ولاية تتلقى أوامرها من خارج حدودها.
لقد آن الأوان لاستعادة القرار اللبناني الكامل، وإقفال زمن الوصايات، أيًا كان مصدرها، وبناء جمهورية لا مكان فيها إلا لسلطة الدولة، وسيادة الدستور، وحرية المواطن.












07/08/2026 - 07:48 AM





Comments