بقلم: فرنسوا الجردي
ليس أخطر ما يواجه المسيحيين في لبنان اليوم تراجع أعدادهم أو تقلص نفوذهم في مؤسسات الدولة، بل أخطر ما يواجهونه هو الفراغ القيادي والسياسي الذي جعلهم يتلقون الأحداث بدلاً من صناعتها.
ففي كل محطة مفصلية تهدد الكيان اللبناني، يرتفع منسوب الخطب، وتكثر البيانات، وتشتد السجالات الحزبية، لكن تغيب المبادرات التاريخية التي تحتاجها المرحلة. وكأن القيادات المسيحية اكتفت بإدارة الأزمة، بعدما فقدت القدرة على إنتاج الحلول.
لقد اعتاد اللبنانيون أن تكون القيادات المسيحية رأس حربة في الدفاع عن الدستور والسيادة وبناء الدولة. أما اليوم، فإن المشهد يبدو مختلفاً؛ تشتت سياسي، وانقسامات مزمنة، وحسابات حزبية ضيقة، وعجز واضح عن صياغة مشروع وطني جامع يعيد التوازن إلى الحياة السياسية.
إن الشارع المسيحي لا ينتظر المزيد من الشعارات، بل ينتظر رؤية واضحة: ماذا يريد المسيحيون من لبنان الغد؟ وكيف يمكن حماية الدولة ومؤسساتها؟ وما هو المشروع الدستوري والسياسي الذي يواكب المتغيرات الكبرى التي تعصف بالمنطقة؟
للأسف، لا يجد الرأي العام إجابات واضحة. فلا مبادرة وطنية جامعة، ولا ورقة سياسية موحدة، ولا مؤتمر يجمع مختلف المرجعيات لصوغ استراتيجية مشتركة، ولا خطة متكاملة تواكب أخطر مرحلة يمر بها لبنان منذ عقود.
إن الأزمة لم تعد أزمة خصوم سياسيين، بل أصبحت أزمة قيادة. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بطول البقاء في المواقع، ولا بحجم الكتل الحزبية، بل بقدرتها على استشراف المستقبل، وكسر الجمود، وصناعة المبادرات قبل أن تفرض الوقائع نفسها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاكتفاء بردود الفعل لا يصنع توازناً وطنياً، وأن انتظار المتغيرات الخارجية ليس مشروعاً سياسياً، وأن إدارة الخلافات الداخلية على حساب القضايا المصيرية أضعفت الحضور المسيحي وأفقدته الكثير من تأثيره الوطني.
إن المسؤولية التاريخية تفرض مراجعة شاملة وصادقة. فليس مقبولاً أن يبقى المجتمع المسيحي أسير الانقسامات، فيما تتبدل معادلات المنطقة بسرعة، وتتغير موازين القوى، ويُعاد رسم مستقبل لبنان.
المطلوب اليوم ليس زعيماً جديداً فحسب، بل عقل سياسي جديد. قيادة تمتلك الجرأة على مراجعة التجربة، والقدرة على توحيد الصفوف، والإرادة لإطلاق مشروع وطني يعيد الاعتبار للدولة، ويكرس سيادتها الكاملة، ويؤمن شراكة حقيقية بين جميع اللبنانيين تحت سقف الدستور.
إن التاريخ لا يحاسب القيادات على نواياها، بل على نتائجها. وإذا استمر العجز عن إنتاج حلول بحجم التحديات، فإن الأجيال المقبلة ستسأل لماذا غابت المبادرة عندما كانت البلاد في أمسّ الحاجة إليها.
فالأوطان لا تسقط فقط عندما يقوى خصومها، بل تسقط أيضاً عندما تعجز نخبها عن الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية.
وإذا كانت المرحلة استثنائية، فإنها تحتاج إلى قيادات استثنائية؛ قيادات تصنع المستقبل ولا تكتفي بالتكيف مع الأزمات، وتجمع ولا تفرق، وتبادر ولا تنتظر، لأن الوقت الذي يضيع في الحسابات الضيقة قد يكون أثمن من أن يعوضه التاريخ لاحقاً.











07/04/2026 - 09:51 AM





Comments