بقلم: مارون سامي عزّام
يبدو أن إقامة القائمة المشتركة باتت حُلمًا بعيدًا، لم تعد تطاله أيّ وساطة محلّية، فقد كانت نقاشاتها مفتوحة للعلن وصريحة جدًّا. التعبير الغريب المتداول "بشكل تقني"، الذي أطلقه د. منصور عبّاس، يُفهَم على أنه تعجيزي، ويصعب التوافق معه. نجد أن كلّ طرفٍ كان وما زال يشدّ برداء التعاون إلى جهته، حتّى تمزّق. المجهود الكبير الذي بذله كلٌّ من أيمن عودة ود. أحمد طيبي وبقيّة الوسطاء، كان بهدف الوصول إلى صيغة ترضي د. عبّاس الذي ما زال يحاول فرض أجندته الانتخابيّة الخاصة، غير أن التنازلات التي قدّموها لم تعُد تُلزِمه، مع أنها كانت فرصةً ذهبيةً لإعادة تفعيل الإطار العام للقائمة المشتركة، لتسير صوب الجماهير لا فوقها.
غياب استطلاعات الرأي الشهرية التي كان من المفروض أن تجريها معاهد مختصّة، لقياس نبض الشارع العربي وتعزيز اهتمام الأحزاب بآراء جمهورها، ساهم بصورة غير مباشرة في عدم الإسراع بإقامة القائمة المشتركة. عند التوقيع على وثيقة إقامتها في كانون الثاني من هذا العام في سخنين، تبيّن أنها لم تتضمّن للأسف أيَّ بندٍ إلزاميّ.
الصورة الجماعية للأعضاء الذين تشابكوا بالأيدي، كان إطارها التوافقي هشًّا؛ مجرّد واجهةٍ مدنيةٍ نُشرت إعلاميًّا أمام المجتمع العربي المُحبَط والنازف دمًا، وكانت ومضة أملٍ عابرة في فضاء المماحكات الانتخابية التي أدارها د. عبّاس وفق مصلحة برنامجه. إذًا، شهدنا في اجتماع سخنين ثلاث لاءات غير مرئية، الأولى: لا توجد قيادة موحِّدة؛ الثانية: لا مقاعد متّفق عليها؛ الثالثة: لا مبادئ مكتوبة.
الحدث المفاجئ في كانون الثاني 2026، شكَّل النواة لإقامة القائمة المشتركة بأيِّ ثمن، بعد أن بذلت جميع القيادات السياسيّة المحليّة، بالتعاون مع لجنة الوفاق القطريّة، كلَّ ما تملكه من وجاهةٍ وتأثير، على أمل أن يكون لنا تأثيرٌ ما في صنع القرار السياسي للحكومة القادمة، غير أن ما تبلور لاحقًا تحوَّل إلى تَخاذُل، لأن عدم إقامة المشتركة يشجّع على مقاطعة الانتخابات، وستنتكس طموحات الجماهير.
عدم إقامتها سيمنح الحكومة القادمة ترخيصًا رسميًّا لمواصلة سياسة اللامبالاة التي تنتهجها ضد العرب، لذا لم يعد هناك شيءٌ يُقلق اليمين الإسرائيلي بشأن إقامة ائتلافه. كادت تُسمّى "القائمة المشترَطة"، نعم لم أُخطئ لأنها بالفعل كادت تكون كذلك؛ وكان أحدُ شروط د. منصور عبّاس الحفاظَ على استقلاليّته، ممّا جعل تحقيقها شبه مستحيل أمام مدّ تعنّته. وأخيرًا انطفأت نار الرغبة في كومة المطالب العربية المعروفة، وارتفع دخانٌ أسود من اليأس، ما زال يكسو سماء مجتمعنا.
التمنّي الظاهر لبينيت كان عدم إقامة القائمة المشتركة، أمّا التمنّي الخفي بالنسبة له فهو إجراء الانتخابات من دون الأحزاب العربية، لأن كابوسه الحسابي سيُحتّم عليه أن يكون د. منصور عبّاس جزءًا من كتلة التمييز... عفوًا، التغيير في الحكومة القادمة، كما حصل في انتخابات 2021. أستنتجُ أن كل الأحاديث الشيّقة عن إقامة المشتركة ليست إلّا مفرقعات سياسية أضاءت لنا ثريّا الخمسة عشر مقعدًا الوهميّة، لأن ما مرّ عليها من ملاكماتٍ جدليةٍ لم ينتهِ بعد، لتغدو معضلةً مزمنةً.













07/03/2026 - 10:29 AM





Comments