قيس العطية:
- العراق عاد بعد 100 عام إلى "الخاكي"
- نفوذ الميليشيات باقٍ بفضل القبعة السياسية
- حيدر العبادي رفض أن يلعب دور القائد التاريخي
- مصطفى الكاظمي يحب مسك العصا من الوسط
- محمد شياع السوداني هو السياسي الأقل ضرراً على العراق
- اختيار علي الزيدي لرئاسة الحكومة غباء أمريكي
- نُخب العراق السياسية إذا تُرك القرار لها لقسَّمت البلاد عشرة أقسام

بغداد - أجرى الحوار مسار عبد المحسن راضي
يحاول النظام العراقي في 2026 إرسال إشارات ملوَّنة إلى الإقليم والعالم، مثل نزع سلاح الميليشيات الإيرانية ومحاربة الفساد، ليوحي بقُدرته على العودة إلى لحظة ولادته الأمريكية عام 2003.
لعبة الإيحاء، بدأت باستعانته بشخصيات، كانت تدير محاكمة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، لإثبات امتلاكه قدمين قادرتين على السير نحو الخلف.
يجهل هذا النظام، بأنَّه استطاع بعد مرور أكثر من عقدين على انتفاخه بالسلاح الإيراني والمال العام، أن يعيد العراق إلى بدايات القرن السادس عشر، كما قال ستيفن هيمسلي لونغريغ عن العراق في بدايات ذلك القرن وبما مفاده "اندرس ذكره وغاب عن شاشة التاريخ".
الحوار في هذه اللحظة المفصليَّة من حياة البلاد التي تشبهُ قوس قزح، مع شخصيات مثل غسان العطية، يُشبه أكل جُبنة "إيمنتال" السويسرية، المليئة بالثقوب. ثقوب الحوار لا الجُبنة هي بسبب الدروس التاريخيَّة وكومة الاعترافات "الغسَّانية". هذه الثقوب لن توجد إن لم تستطع أسئلتك، أن تكون كالبكتيريا التي تصنع ثقوب "إيمنتال". بالطبع أقصد هنا تلك التي تصنع فقاقيعًا تاريخية. لتستحيل بعدها بقوامٍ طري يُناسب الحاضر وبنكهة الوقائع، لا بنكهة الجوز كما في جُبنة جبال الألب الشهيرة.
يحاول ضيفي إلى آخِر لحظة أن يكشِف فيما إن كانت أسئلتك، عبارة عن معلومات أنيقة قمت بدرزِها بالكلمات، أم أنك تُقدِّمُ شيئاً يستطيع مجاراة العطية. وإن لم تكُن قادراً على اللحاق به فهو سيقلِّل مدَّة الدرس وشدَّة اعترافاته الفكرية، مبادراً بالكلام كمحترفِ سياسة.
هذا بالطبع هو ديدن هكذا شخصيات فريدة. تحديداً، تلك التي توفَّرت لها فُرص نادرة، بأن تكون تارة فاعلة على المسرح السياسي، وتارة أخرى جالسة على مقاعد الصف الأول، قُرب مراكز صُنع القرار السياسي.
كنتُ حريصاً جداً لهذا السبب، على فرش حصى التوضيحات قبل أجوبته، وأحياناً أخرى بعدها، من أجل أن يعرِف القرَّاء، بأنَّ كل ما يخرج من عقول المفكرين، ضروريٌ الاطلاع عليه، سواء اتفق مع التفسيرات السائدة للوقائع التاريخية، أو رؤية مختلفة، تعتَّقت بالتفكير والعمل السياسيين.
المفارقة اللطيفة في هذا الحوار، إنَّهُ أُنجِز في شهر تقريباً، بأريحية العطية المقيم في لندن، لكن كلماته كانت تشبه شُرفة لتقييم ما جرى وما زال يجري بتوقيت بغداد، الوطن العربي، وبقية العالم وفق العقارب البريطانية التاريخيَّة، والتصميم الأمريكي الجديد.
مستقبل العراق: ميليشياوي
بعد مرور 23 عامًا على سنة 2003، صدر ما يشبه البيان رقم واحد، لِسان الانقلابات العسكرية والثورات المُسلَّحة في منطقتنا العربية، لكن من فم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – 27 يناير الماضي - الذي رفض فيه عبر حسابه على "تروث سوشيال" عودة نوري المالكي رئيسًا للحكومة.
أمر ترامب بنزع سلاح الميليشيات الإيرانية في العراق. طبعاً، فيلة العملية السياسية وافقت. لكن خراطيمها الناطقة على الشاشات الفضائية بيَّنت بأن نزع سلاح "ميشا" – نسبة إلى الميليشيات وهكذا سأذكرها طيلة الحوار – كان قرار عراقي خالص.
القضية بالنسبة لي، هي استعراضٌ كبير لتبديل "العُصُب" السياسية في العراق بأخرى، من داخل نظام الطوائف والعرقيات. حتى مسرحية محاربة الفساد لا تعدو سوى لعبة دُخان لتمرير مشهد التوريث.
العطية فكَّك مشهد ميشا كالتالي "المحاولات الجارية حاليًا لفكِّ ارتباطهم بإيران، تعني بشكلٍ واضح، فشل تجربة الحرس الثوري الإيراني في العراق، بعكس استمرار نجاح تجربته في لبنان مع حزب الله، ومع الحوثي في اليمن".
بعدها صنع بنفسه هذا السؤال "من هو الطرف المؤثر في إضعاف الفصائل؟"
يجيب "حالة الاستياء منها في أوساطٍ شعبية. والثانية؛ تواجدهُم في مناطق لا علاقة لهم بها، إذ لم يكن تصرُّفهم فيها سويًا. الثالث؛ التحوُّل إلى قوى اقتصادية، مستغنين عن التمويل الإيراني. خلقوا دولة داخل دولة".
دور الضغط الأمريكي في تطريَّة مواقف ميشا، كان "تغيير مشهد سلوك تلك الجهات، وأوصلتها إلى ما يُعرف بـ "فكِّ الارتباط" الذي لم ينجح أيام السوداني. الأخر، إدراك الفصائل لحقيقة الضغط الأمريكي، واتفاقها مع إيران الذي أشار إلى عدم التدخل بشؤون الدول المجاورة، والاعتداء عليها، انطلاقًا من الأراضي العراقية".
نعومة ميشا مع الجانب الأمريكي كان "ذكاءً" منها بحسب العطية، لأنها نجحت في "تحويل نفسها من قوَّة عسكرية إلى مالية، وإلى سياسية في نهاية المطاف". أمّا المؤسف في نوبة الذكاء هذه و"المرونة السياسية" التي أبدتها ميشا، بالنسبة لتأثيرها على مستقبل البلاد "يجب أن نعترف بصعوبة إنهاء نفوذهم في القادم. الميليشيات الموالية لإيران سيبقى لها دور في العراق، خاصَّةً بعد أن أصبح الآن سياسيًا".
رأى بعدها ما تقوم به جماعة ميشا الجديدة في 2026، بأنَّها "تكرِّرُ تجربة ميليشيا بدر والبيشمركة وغيرها، والتي اصبحت ركنًا مهمًا، متحوِّلة إلى أحزاب".
العيب القاتل في رفرفة أعلام ميشا بجانب العلم العراقي "إنَّ العراق المتعدد الأثنيات والقوميات والطوائف، يحتاج قيمًا مشتركة، لكن هذه الجهات تكرِّس الانقسام، جاعلة الاندماج الوطني، غاية في الصعوبة".
يستمر بعدها بما يُشبه مرافعة مدعٍ عام ضد أوضاع البلاد الحالية "بعد مائة عام.. مع كل الأسف، عُدنا إلى "الخاكي" والترييف السياسي. كما أن دستور العراق الحالي، كرَّس الانقسام الأثني والطائفي، وبات العراقي يُخاطب بالانتماء الذي ولد فيه، والذي لا دخل له فيه. أي شيعي، سني، كردي، إيزيدي، تركماني، شبكي وإلخ".
أخبرتهُ بأنَّه متشائم لأشاكسه قليلاً. علَّق قائلاً "أذكرُ جيدًا بأنَّي التقيت الحشد أو الفصائل المسلحة، أول عودتي للعراق. من فتشني لم يكن الجيش أو الشرطة، وإنما ميليشيا أسمها الشهداء أو شيء من هذا القبيل. تلك الجهات وكما بتنا نعلم بالطبع، أخذت وضعًا مؤسسيًا، بعد ما قاله السيستاني - فتوى عام 2014 - وتحولوا إلى جهد عسكري مستقل، مستعينة بالحرس الثوري الإيراني".
قفزت كلماته بعدها إلى عام 2018 "أذكرُ أيضاً، إنَّي أجريت مقابلة بعد خلاص العراق من تنظيم "داعش" في العراق، قلتُ فيها "يجب أن نشكرهم على جهدهمـ وأن يستبدلوا السلاح بالمعول. لكن في الحقيقة تحوَّلت تلك الفصائل الموالية لإيران إلى ورقة سياسية".
المشرق العربي الجديد
بعد حرب الأربعين يوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أعلنت الصين في أيَّار/ مايو الماضي 2026 عن مقترحٍ من أربعة بنود لحلِّ أزمة الشرق الأوسط. الأبرز فيها كان الاعتراف بوجود "أنظمة أمنية متعددة في الشرق الأوسط الذي يضم المنطقة العربية". لكنها وفي البيان المشترك مع روسيا الاتحادية في التاسع عشر من مايو رفضت "تأسيس ما يشبه الناتو الأوروبي في غرب آسيا".
العراق بالطبع، وبحسب حاضره السياسي، لا يمتلك القُدرة على أن يكون لاعباً في أي نظامٍ أمني جديد - الاصطلاح السائد هو الشرق الأوسط الجديد – وقد لا يعدو دوره مجرَّد كونه ماءً مغليًا لتسهيل هذه الولادة.
غسان العطية بدأ بتشريح جوابه بمشرط التاريخ "العراق كدولة ووفق الحدود الحالية، مصطلح وتركيبة بفعل المصالح البريطانية. أُعطيك مثلاً، أدخلوا منطقة كردستان والمحمَّرة في العراق بسبب البترول. كردستان كذلك كان من المفترض أن تكون جزءً من الموصل، والاثنتان معًا جزءً من سوريا".
عزيزي القارئ الذي ما زلت هنا بعد تلك السطور، ألفِتُ انتباهك إلى أن عراق سايكس – بيكو لم يخلقه البريطانيون، ولم تختلف حدوده كثيراً بعد اتقان سايكس وبيكو لاستخدام الفرجار ورسم الخرائط. ولأني أعرِف أنك تعشق الدليل الأجنبي فهذا ما ذكره باحثون عديدون منهم الأمريكي Reidar Vissar.
"عراق الولايات الثلاث" كذلك، والذي تستخدمه قوى العراق الطائفية والعرقية في تفسيراتها الفريدة، لا يعني بغداد، البصرة، والموصل بحدودها التي نعرفها اليوم، إنما كانت كل ولاية منها تضم محافظات عراقيَّة عدَّة. وكمثال فإنَّ ولاية بغداد كانت تضم مثلاً ديالى وكربلاء وبابل والنجف وواسط وغيرها.
أعود الآن إلى العطية "هذا ما أرادته اسرائيل وغيرها. مع الأسف وبحسب تجربتي الشخصية فيما يخص السياسات العربية، نحن نعمل على تهديم شيء بدون إيجاد البديل المناسب. المفارقة، إننا إذا قمنا بمقارنة بين العام 1914 ووقتنا الحاضر، لوجدنا انتقالًا جديدًا للعرب من الوحدة إلى التجزئة. بريطانيا استخدمت شعورنا القومي من أجل تحقيق ذلك".
لمحَ العطية بعدها، لمعة الموافقة الأمريكية في رأس توم برَّاك "المبعوث الأمريكي الخاص إلى العراق، وصف ذلك بالفشل الذي يجب أن يُعاد النظر فيه. وكما نرى فإنَّ الأمريكي أو الإسرائيلي هما من يُعيدان الآن النظر فيه. الشرق الأوسط الجديد يعني خلق وضع جديد، يخدم اسرائيل أو الوضع الدولي الجديد الذي تطمح إليه قوى أخرى مثل الصين".
اقترح العطية بعدها على العرب ضرورة الانشغال بوعيٍ وحدوي "ليس عندنا اليوم وعي عربي. العرب مطالبون اليوم بصناعة مثل هكذا وعي، لا بالطريقة البعثية أو الناصرية، وإنما الحاجة إلى شيء مثل الاتحاد الأوروبي. مع الأسف الاهتمام بهذه الصناعة في الوقت الحاضر، لا وجود له في المنطقة".
يستمر بعدها في تقديم المزيد من الحُجج عن الزهد العربي، في إيجاد نُسخته الأوروبية "دول الخليج العربي وكمثال، لا تجد مصلحتها في الوحدة. في أحايين تاريخيَّة كثيرة، كانت بعيدة تمامًا عن السَّير في مقاربات، تضعُها في سياقٍ اتحادي.. مع بعضها ومع بقية الدول العربية".
الطريقة الأمثل لعبور سور القومية القديم، كان تذكيره بالتالي "أوروبا توحَّدت بسبب القيم المشتركة، مثل الديمقراطية والرفاه الاقتصادي".
حال المنطقة العربية حاضرًا بحسب تقييمه "خرجت الآن من سيطرة ابنائها، وباتت تتفاعل مع الخارج.. سواء إن كانت واشنطن أو طهران أو تل ابيب. وذلك نتيجة فشل التيار القومي العربي، والدول التي نشأت وفق أمواجه الهادرة بعد الحرب العالمية الأولى. مازلنا إلى الآن ندفع ثمن ذلك الفشل".
عادت كلمات العطية بعدها إلى العراق "الحاصل في البلاد الآن، يكاد أن يكون نُسخة مطابقة لأحواله تحت الاحتلال البريطاني. الملك فيصل الأول كان الوحيد الذي حاول أن يعتمد حقًا فكرة الاندماج. حاول ذلك من خلال لبس السدارة وتأسيس الجيش قبل تشكيل الدولة". مضيفًا "هل تعرف إنَّ إسرائيل والعراق هما الوحيدان اللذين خلقا الجيش قبل الدولة، والهدف من وراء ذلك توحيد الشعب".
نهاية الزمن البريطاني
توحيد السياسة العربية، على الأقل في سياسات الدفاع والخارجية وتوسيع التفاعل الاقتصادي بين دول المنطقة، شغل عقول الكثيرين من مُفكِّري ومحترفي السياسة في المنطقة العربية.
هذه الوصفة التي تشبه الاتحاد الأوروبي، كان المفكِّر الفلسطيني هشام شرابي، أوَّل من تحدَّث عنها وبصريح العبارة. دول الخليج العربي وبالذات قطر، بشَّرت بها على لِسان الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني في مايو الماضي 2026، وبضرورتها لمجابهة التحديات المستقبلية القادمة.
ذلك بالطبع لم يمنع قيس العطية من انتقاد السلوك السياسي للدول العربية. مُركزًا على عدم التقييم الصحيح للصنعة التاريخية البريطانية، في الإنتاج السياسي للكثير من دولنا العربية، ومنها العراق ودول الخليج العربي.
يدلف العطية إلى الموضوع من باب العموميات "يجب أن نفهم بأننا ابناء دول صُمِّمت لمصالح أجنبية. ولهذا وجدنا الدول العظمى تتصرَّف بأريحية، عندما قرَّرت إعطاء أرض لا تمتلكها، لتُقام فوقها دولة إسرائيلية، وليتحوَّل هذا الكيان فيما بعد إلى قوَّة حقيقية".
حصة دول الخليج العربي من رؤيته، كانت "يجب أن تُدرك تاريخيًا وسياسيًا أمرين. الأول بأنها أُسِّست لأغراضٍ بريطانية، وبأنَّ حماية الغرب ليست مضمونة. طبعاً، تفكيرها بالبدائل كان من النتائج الجيَّدة للحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران".
خشية العطية كانت أن تتعطل "الخطوات الاتحادية" إذا جاز التعبير بين دول الخليج العربي، والدول العربية الأخرى ومنها العراق، بسبب الإصرار على "النقاء الطائفي".
إيران بالطبع عزيزي القارئ، حاولت وما تزال استغلال المسألة المذهبية. هذا الهوس الإيراني، هو من أهم الأسباب التي تجعل الخليج العربي يُفكِّر بثوبٍ اتحادي تجريبي، مقصورٌ في البداية، على الدِّوَل فيه. تلك التي تتشارك قيمًا وطُرق عيشٍ مشتركة.
العطية ينصح دول الخليج العربي في هذا السياق "أن يكون تفكيرهم مرتبط بالمناخ الإقليمي، والتعاون مع مصر ودول الجوار، مُدركين أولويات مصالحهم". ولكي يعطي وضوحًا عمليًا لفكرته "حسنًا فعلت الرياض، عندما رفضت التطبيع مع إسرائيل، بدون قيام دولة فلسطينية".
تحدَّث بعدها عن مشكلةٍ تاريخية، تواجه تطبيق السياسات الرشيدة في المنطقة العربية "تُعاني من التيارات الشعبوية العدوة لنفسها ولمصالحها على الأمد الطويل".
الفساد وفيكتوريا والجزائر
الفساد في العراق، هو الهيكل العظمي لجسد نظام الطوائف والعرقيات في البلاد. والفاسدون هم أدوات ضرورية تستخدمها القوى العالمية، لتمرير سياسات مثيرة للجدل في أماكن نفوذها مثل العراق. لذا لا أجد أن هناك مصلحة حقيقية للولايات المتحدة في دعم محاربة الفساد في العراق.
يبدأ العطية تحليله بالقول "إنَّ الدول الأوروبية ديمقراطية داخل حدودها، لكنها وحوش كاسرة خارجها. هتلر قتل 6 ملايين من اليهود فقط من غير الشعوب الأخرى، بينما الملكة البريطانية فيكتوريا قُتِل في عهدها 35 مليون من الهنود. وأمريكا قتلت عشرات الملايين من الهنود الحُمر".
هنا أنبَّهك عزيزي القارئ، بأنَّ العطية فضَّل ترك الحديث عن الفساد المالي الهائل في العراق، وتركيزه على "الفساد التاريخي" إن جاز التعبير في سلوك الدول العظمى في فلسطين والعراق.
بدأ مرافعته التاريخية ضد الفساد السياسي للقوى العظمى بالقول "واشنطن كانت مترددة من دور إسرائيل، لكنها تبنتها في نهاية المطاف. لن أذهب بعيدًا في التاريخ لأذكِّر بهذه الحقيقة؛ بل سأمضي مباشرة إلى ما قاله الرئيس بايدن بخصوص ذلك: لو لم تكُن إسرائيل موجودة فقد كان يجب علينا خلقها".
يضيف "بدون أن نفهم مصالح القوى العظمى، لا يمكن لنا أن نقوم بشيء". وفيما يخص سلوك بريطانيا التاريخي في البلاد "العراق المُعاصر خلقته ثورة العشرين، مؤدية إلى تغيير النهج البريطاني في حكمه".
الأداء البريطاني تغيَّر من الحكم المباشر إلى غير المباشر للأسباب التالية "فكَّروا بأن الحكم المباشر يعني شعبًا منقسمًا، والشعب المنقسم سيكون أداة بيد دول الجوار والدول المتنفذة". أي برشقة تفسيرية سريعة، مزيد من الخصوم الجيواستراتيجيين للمصالح البريطانية.
ذكَّر العطية بعدها بما فعلته الولايات المتحدة بعد غزوها للبلاد عام 2003 "قسَّمت العراق تقسيمًا لا يمكن أن يوحِّده. تعاملت معه بأنَّ إضعافه يصب في مصلحتها. وانسحب ذلك حتّى على الأداء السياسي للمكوِّنات العراقية التي كانت الأكثر حظًا، في النظام السياسي الجديد".
الأكراد والشيعة في عراق ما بعد 2003، مارسوا السياسة كالتالي "كردستان العراق وكمثال، تصرَّفت بأنَّ مصلحتها أهم من مصلحة العراق. أمّا الشيعة ونتيجة شعورهم بالمظلومية فقد جعلهم الغزو الأمريكي للعراق، يشعرون بأن الوضع وفَّر لهم فُرصة ليستأثروا بالحكم".
يحاول العطية بعدها تخفيف تشاؤمه "لا أريد بعد ما ذكرت أن ابدو متشائمًا، لكن التاريخ يقول لنا وبوضوح، بأنَّ أي تغيير سياسي في العراق منذ عشرينيات القرن الماضي ولحدِّ هذه اللحظة، لم يتم إلَّا بتدخلٍ أجنبي".
دور دول الجوار في حاضر العراق السياسي لا يُبشِّر بالخير بحسب العطية "لا أحد من دول الجوار لديه مصلحة بتعافي العراق، واستعادة مكانته. ومن تجربتي الشخصية وعلاقاتي، لم أجد استعدادًا لتبني هذا التيار.. أي المساهمة في تعافي العراق بشكلٍ جدَّي. فقط، المساهمة بجرعة من التعافي تخدم سياساتها وأجنداتها".
غسان العطية أراد أن يعطيني مثالاً بالاسم، عن تأثير سلوك السياسي العراقي بتبني أجندات خارجية، لكني لم أجد فائدة بذكر الاسم، لأن ذلك سلوك عام وليس خاص؛ فالسياسي العراقي عموماً، وبحسب العطية نفسه يتحدث عن "الهوية الوطنية العراقية، لكنه في الممارسة لا يستطيع هجر حاضنته الخارجية".
يؤكد العطية في سياق السلوك السياسي المألوف عراقيًا "بقية الأطراف السياسية العراقية، لا يمكن أن تخرج عن أجنداتها".
الحالة المثالية بحسب تقييم العطية كانت الجزائرية "لا أحد من ساسة العراق قادر على استنساخ تجربة الثورة الجزائرية في علاقاتها الخارجية، والتي منعت أعضائها من مدِّ جذور علاقات شخصية مع دول العالم، خوفاً من اختراقها والتأثير عليها، وهذا سبب فرادتها وقوتها".
سبب تركيزه على ما تقدَّم "أذكرُ ذلك لأثبَّت حقيقة مهمة، أن فكرة الهوية الوطنية لا تُصنع بالتسوُّل. وبالطبع، كل النُخب السياسية في العراق، اعتمدت على المال والدعم الأجنبيين".
هنا تمنى العطية على دول الخليج العربي، أن تقتصر في سياساتها العراقية، على التعاطي مع الحكومة الاتحادية حصرًا " أعلمُ بشكلٍ لا لبس فيه أنها تقف تمامًا، ضد تقسيم العراق جغرافيًا. لكن واقع السلوك السياسي للخليج العربي مع البلاد، يُرينا بأنها تتعامل مع ولايات "شيعستان" و"سنستان" وكردستان. كذلك أن لا يخشوا عودة العراق قويًا، بسبب تجاربهم الماضية مع الأنظمة التي حكمت البلاد".
ترحل كلمات العطية بعدها إلى الولايات المتحدة "قررت في عهد الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، الحصول على ولاء هذه "الستانات" الثلاث لها، وليس لإيران وتركيا. يجب أن نعترف بعد ما ذكرتهُ لك، بأنَّ هناك عبء كبير على حاضر العراق ومستقبله".
عيوب قاتلة في العمل السياسي
بعد 23 عامًا من احتلال العراق وتدمير هويته الوطنية، انقرض تقريبًا وجود نُخب سياسية وفكرية حقيقية، قادرة على أن تلعب دورًا في تأهيل البلاد بدل "العُصُب" التي تُديره.
عقل الدولة عزيزي القارئ في عراق ما بعد 2003 تشظى، بفعل تنشيط الهويات المذهبة والعرقية، لكن وبحسب التجارب التاريخية؛ فإن تلك الشظايا تقوم بهجرة حتمية نحو أفراد - لا استطيع أن أكون متفائلًا وأقول باتجاه جماعات - تستطيع لصق تلك الشظايا، لتُعيد تركيب الهوية الوطنية التي هي مفتاح عقل الدولة.
طلبتُ من العطية ترشيق هذا التصوَّر بخبراته السياسية والفكرية "العراق لا توجد فيه حاليًا قوَّى سياسية مستعدة للتلاحم. الأدهى، إن كثيرًا من الناس الذين يلتفون حولك سياسيًا، يفعلون ذلك للاستفادة منك. لا بسبب قناعاتك في العمل السياسي".
النتيجة التي يصل إليها "إنَّ الدول تفشل عندما لا يُفكِّر ابنائها بالحفاظ عليها، والإنسان عبدُ حاجاته لا أفكاره".
العطية يرى بأنَّ العراق يعيش حاليًا مرحلة "استراحة أو تهدئة لحين الدخول في معركة جديدة" ليحاول بعدها استعادة نفسه. العطية تأسف تاريخياً على "فُرص العراق التي ضاعت. التاريخ يُخبِرنا بأنَّ الساسانيين والصفويين حكموا بغداد ومن ثم العثمانيين، ولم تخرج البلاد من قبضتهم إلَّا بمجيء الإنكليز".
كالعادة يمهِّد بعدها للمزيد من الشرح بطرح الأسئلة بنفسه: هل كان لتوجهات الملك فيصل الأول أن تحوِّل العراق إلى دولةٍ أكثر حداثة؟
يجيب على سؤاله "العواطف الشابة هي مشكلة الحكم في العراق. ونحن لسنا اليابان الذي يُطيع شعبه الإمبراطور. فيصل الأول الذي كان في مطلع الخمسينيات من عمره، كان يعرف بأننا يجب أن نتعاون مع دولة مثل بريطانيا، أو ندخل في لُجَّة الصراع مع إيران وتركيا".
ينتصر العطية بعد ذلك لتصوَّرات السياسة الخارجية للعراق في عهده الملكي، بأسلوب المقارنات الخاطفة "نوري السعيد حوَّل العراق في حلف بغداد، إلى قوَّة محورية. لكن عبد الناصر دمَّر فرص العراق وسوريا. بينما سعد زغلول وحزب الوفد لحد الآن قوَّة موحدة لجميع المصريين".
خطأ السعيد الجوهري وفق هذا التصوَّر "لم يقتدي بما اقتدى به الملك حسين مع المُعارضين لحكمه – والد الملك فيصل الأول - الذي عاش واقع المجتمع قبل أن يُصبح ملكًا. ولم تكُن بالطبع تجربة لطيفة. استطاع نتيجة خلفيَّته تلك كسب المُعارضين واستيعابهم. ولم يعدم أي شخصٍ وقف ضده. هذا الدرس لم يفهمه السعيد، وهو اللاعب الأقوى في عهد العراق الملكي".
العيب الآخر والذي شخَّصه العطية في إدارة مؤسسات الدولة العراقية في العهد الملكي "أصبحت الوزارات في ذلك العهد، حِكرًا على 50 إلى 60 شخصية. ولم يستطع استيعاب شخصيات مثل جعفر أبو التمن".
تطرق كذلك في هذا السياق، إلى مشكلة "الإدمان البريطاني" إن جاز التعبير لدى نوري السعيد "لم يتخلى عن إيمانه ببريطانيا، وهو يرى إطاحة ثورة 14 تموز 1958 بالملك فيصل الثاني. اعتقد بأنَّ بريطانيا ستأتي لإنقاذه وحمايته مثلما فعلت بعد ثورة مايس/ أيَّار عام 1941".
بعد أن أكمل صولته التاريخية، قرع أبواب الحاضر السياسي للبلاد "اعترف على الملأ؛ لو ترك الأمر للنُخب السياسية التي تُدير العراق الآن، لقُسِّم العراق الآن إلى عشرة أقسام وليس ثلاثًا فقط، بسبب العقليات العشائرية والطائفية".
قبل أن أطلب الدليل قال "أُعطيك مثالًا، محمد باقر الحكيم، عندما عاد إلى العراق من إيران، كان يريد تأسيس إقليم شيعي من تسعِ محافظات. وهذا التفكير كانت له مبرراته آنذاك. لكن أسأل: بعد مرور أكثر من عقدين على تجربة النظام السياسي الحالي.. هل باتت نُخبُه السياسية تفكِّر ببدائل غير حكيمية.. وأبسطها العيش المشترك؟".
العطية شكَّ بوجود هذه القُدرة لدى ساسة العراق الحاليين، نتيجة وفاة الاعتدال السياسي في مواقفهم "أشكُّ بأنَّ هناك شخصيات معتدلة. أولئك المعتدِلون تلاشوا. تاريخ العراق المعاصر، يقولها لنا وبصوتٍ عالٍ، إنَّ الرموز العراقية التي لعبت دوراً معتدلًا وتوحيديًا في تاريخ البلاد السياسي، لم تُعطى لهم فرصة".
المثال العملي وبحسب ملاحظاته التاريخية، كان "محمد مهدي كبة الذي رفض تأسيس حزبٍ شيعي. قال حينها أن تأسيس مثل هكذا حزب يعني نفوذاً إيرانيًا".
مشكلة السياسة الأخرى في العراق إنَّه "لا يستوعب المعارضين لنظامه. تاريخيًاً لم تستوعب شخصيات مثل جعفر أبو التمن، حسين جميل، ومحمد سعيد الحبوبي".
قدَّم لي العطية بعدها هذا الاعتراف "أعترف لك بأن محاولة حرق المراحل التاريخية، والوصول إلى المثالية غير ممكنة في السياسة. كانت المثالية مشكلتي أنا وأبناء جيلي من الذين اشتغلوا بالسياسة في ذلك الوقت. مشكلتنا نحن العراقيون، إننا لم نكُن نفهم الأولويات ولا نعترف بالحقائق الثابتة".
متطلبات العمل السياسي في العراق بحسب خبرته "وفق الظروف التي ذكرتها لك، أي عمل سياسي تريد ممارسته في بلادنا فأنت سوف تُسأل: هل عندك أموال ومن يدعمك؟ هذا ما أصبح عليه واقعنا السياسي. وتجاوز هذا الواقع صعب، وتغييره يعتمد على التغيير في تركيا وإيران".
وجد العطية وفيما يخص واقع العراق الحالي حقيقة مؤسفة "لا يوجد في تاريخ العالم دولة مثلنا، لم تُحاسب قتلة أبناء شعبها، مثل الذي حصل مع المشاركين في الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي باتت تُعرف بـ "ثورة تشرين" عام 2019".
محطات استراحة تاريخية
الأكاديمي والمفكر السياسي العراقي نديم الجابري، رأى بأن حكومة العراق الحالية التي يرأسها علي الزيدي هي مجرَّد "محطة استراحة" إقليمية ودولية لحين وصولهما إلى قرار بشأن العراق. ما أزعجني فكرياً في هذا التوصيف بأنَّ ذلك عنى أن العراق "حيَّز سياسي فارغ" يمكن ملؤه ببساطة.
ستيفن هيمسلي لونغريغ الضابط والمفتش الإداري البريطاني الذي عمل في العراق أعواماً عديدة، ذكر في كتابه (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) ما مفاده "لولا دخول العراق في المشهد الجيواستراتيجي للإمبراطورية العثمانية لأصبح العراق صفوياً". هذا دليل على أن تاريخ العراق السياسي مبتلى بما استطيع وصفه بـ "محطات الاستراحة التاريخية".
العطية ذهب مباشرة إلى اقتراح وصفة علاجية "نحتاج وعيًا سياسيًا بأن الطائفية مؤذية، كذلك التعصب القومي والديني، والحاجة إلى تيار معتدل فهو الضمانة".
الأسباب التي تُطيح بالاعتدال، وترفع سهم الطائفية والتعصب في بيئة العراق السياسية "إنَّ النُخب السياسية التي تُدير البلاد، جرَّبت معي ومع العشرات من أمثالي ممن يؤمنون بالاعتدال، أساليبًا أبسطُها تزوير النتائج الانتخابية".
وجَّه العطية هذه النصيحة بعدها للجيل الجديد المهتم بالعمل السياسي "تجاوزوا الأخطاء التي قام بها جيلنا، والتي ساهمت في تهديم العراق. الأهم، أن لا يضع الشباب عينهم على مزبلة السلطة".
العيب الآخر الذي نصح العطية بالابتعاد عنه "النُخب السياسية الحالية إذا ما استبعدنا الطائفية هي مُصابة بالعشائرية. ولن تجد بين هذه الكومة العشائرية في السياسة، أحداً منهم يفكِّر بطريقة مختلفة. لذا اتمنى أن لا يلجأ أحد من الجيل الجديد إلى وقود العلاقات العشائرية، لضمان تسيير مركبته على الطريق السياسي".
العطية رأى بعد ذلك بأن العراق يحتاج حاليًا زعامات لا نُخبًا سياسية "العراق يحتاج زعامات مثل نوري السعيد، عبد الكريم قاسم، وصدام حسين. المؤسف إذا أخذنا صدام كمثال، إنَّه نقض كل مقولات حزب البعث، محولًا إيَّاه إلى أداة تخدمه".
ذكر العطية أيضاً مشكلة، عانى منها الجيل السياسي الذي ينتمي إليه "مشكلة جيلنا إننا لم نفكر بالبديل العملي، وبالتالي كنا نفكر كيف نقفز إلى السلطة".
أمنياته فيما يخص أسلوب العمل السياسي للجيل الجديد "عدم تحويل معاناة البلاد إلى أسلوبٍ للاسترزاق، وإنما إلى أداة للخلاص. بالطبع ذلك سيحصل بثمنٍ كبير، لكن الأجيال القادمة من أولادنا وأحفادنا يستأهلون ذلك. وبداية النهضة ستكون بالوعي الحقيقي لا الزائف".
ذكَّر العطية أيضاً بما أعتبره إحدى أهم مساوئ النظام الحالي "وصل إلى حدِّ حرمان الكفاءات العراقية خارج البلاد من حق التصويت. بينما التجربة اللبنانية.. أقصد هنا تحديداً وزارة الخارجية والمغتربين، أعطت اللبنانيين في الخارج حق التصويت، بينما في العراق تذرعوا بالتكاليف والميزانية".
أخبرت العطية، بأنهم حوَّلوا كُلف انتخابات الخارج إلى ما يُشبه الرشوة للعراقيين الذين يحملون تصنيف "جماعة رفحاء" ليحصلوا على امتيازات ورواتب فلكية. والهدف كان تحويلهم إلى حصَّالة أصوات ممتازة، يُرقِّع بها النظام السياسي الحالي شرعيته، لكن ليس في الداخل العراقي الذي لا يشترونه بـ "بَصَلَة"، وإنما من أجل تجميل صورتهم في الخارج.
ردُّ العطية "هذا صحيح، ولكن في كل الأحوال يجب تشجيع الممارسة الديمقراطية، رغم أن بعض العراقيين نقلوا أمراضهم الطائفية إلى الخارج كما في لندن".
عاد بعدها للتأكيد "يجب استيعاب جميع العراقيين بإعطائهم حق التصويت. وهذه الإشكالية واحدة من المسائل التي يتجاهلها السياسي العراقي". استطرد بعدها "بالمناسبة، المعارضون أيضاً لحكم عائلة بارزاني في المهجر لا يفكِّرون أيضاً بالعودة إلى كردستان العراق، بسبب الأداء القمعي للحياة السياسية هناك".
الخُلاصة الغسَّانية بخصوص "الرفحاويين" وانتخابات الخارج "يجب أن نفهم بأنَّه لا يوجد حل سريع ولا تغيير بدون صحوة حقيقية".
من المالكي إلى السوداني
نشرت قبل يومٍ من استلام حيدر العبادي رئيس الحكومة الأسبق للعراق، من عام 2014 إلى 2018 بأنَّه بمثابة الفُرصة الأخيرة لهذا النظام كي يقوم بتعديل سلوكه. أذكر ذلك لأن نظام العراق عام 2026 بات مومياء سياسية، تعيش فقط بفضل قُدرة التحنيط العالية للتوازنات الإقليمية والدولية ليس إلَّا.
العطية وجد فيما تقدم فُرصة لكي يقدِّم شهادته عن العبادي وآخرين "حيدر العبادي مهندس خريج بريطانيا، ويمتلكُ أفكارًا. لكن يدًا واحدة لا تصفِّق".
المشكلة الثانية في الأداء السياسي لكلٍّ من العبادي ومصطفى الكاظمي الذي ترأس الحكومة لسنة ونصف تقريبًا "مشكلتهُ الثانية إنَّه مسك العصا من الوسط كذلك رئيس الحكومة الأسبق مصطفى الكاظمي. كما أن العبادي زاهدٌ كذلك في أن يكون قائدًا تاريخيًا".
ركنت كلمات العطية القادمة مؤقتًا أي حديث عن العبادي والكاظمي، مُسلِّطًا كشَّافه التحليلي على ما يقوم به اللاعب السياسي الأكبر.. "الإطار التنسيقي في الوقت الحاضر، نستطيع تفسير سلوكه بأنَّه ردَّة فعل على حِدَّة الموقف الأمريكي. مثلاً، قبِلوا بحكومة علي الزيدي، بعد أن أملوا عليه عدم تشكيل حزب. ولنا أن نتخيَّل ما أقصى الحدود التي يستطيع الوصول إليها ما دام مُكبَّلاً بمثلِ هكذا قيود".
استعان بعد ذلك بالسوداني كي يوضِّح الفرق بينه وبين الزيدي "استعين هنا بما حصل مع محمد شياع السوداني رئيس الحكومة السابق كي أوضِّح فكرتي. السوداني استطاع أن يمشي على الجادة الصحيحة، لكنه توقف في منتصف الطريق".
آفة حكومة السوداني بحسبه كانت خارجية وداخلية "الولايات المتحدة بدورها، لم تعرِف كيفية التعامل معه. ولا مئات المستشارين الذين أحاط نفسهُ بهم، قدَّموا له وصفة مفيدة في سياسات الداخل والخارج".
عاد ليركِّز على إخفاق سياسة الولايات المتحدة مع الحكومة السابقة "لم تعرف كيف تستثمر بالسوداني. ولا أخفي عليك بأنَّي اعتبر السوداني الأقل ضرراً من بين كثيرٍ من اللاعبين السياسيين. هذه هي السياسة.. بمعنى أنك لن تحصل على لاعب سياسي مثالي أبدًا".
درجة نجاح أو رسوب حكومة الزيدي في تجاوز التحديات "بعد التشريح البسيط الذي قُمنا به، ليس بإمكانه أن يفعل شيء. أضيف سبباً أخر، هو أن القوى السياسية وراء الفصائل قوية ومتنفذة بالبرلمان".
عاد مرَّة ثالثة إلى الولايات المتحدة "اسمح لي هنا، أن أشير إلى السذاجة الأمريكية، بتوقعها إحداث تغيير داخل العراق، بدون كتلة سياسية قويَّة تدعم ذلك. بصراحة إننا أمام غباء أمريكي".
أمام السقطات الأمريكية وقفت إيران بذكاء على تلة السياسة العراقية "إيران أصبحت عنصر قوَّة داخل العراق، ورقماً صعباً في حسابات الشيعة والسنة والكرد، نتيجة عدم وجود رقم قوي في العراق".
صناعة الرقم الوطني القوي تتم وفق الخطوات التالية "خلطة تحتاج إلى عمل هادئ، عدم تضييع الوقت بالسياسة العمياء، وخلق بؤر فكرية متساوية".
فائدة صناعة رقم وطني صعب بحسب العطية "الطمأنينة داخل المجتمعات العراقية، لأن ذلك يعني الدفاع عن المظلوم مهما كان، ومحاسبة الظالم مهما كانت الفئة الطائفية أو العرقية التي ينتمي إليها".
نوري المالكي
تجربة غسان العطية السياسية، دفعت رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي إلى إبعاده عن العراق. تجربة العطية لاقت صدى إيجابي في الشارع العراقي حينها. راهنته بكل فهمي السياسي، إنَّه حاول رغم ذلك نصح هذه "العُصُب" التي تستولي على الدولة العراقية، بأن تستفاد على الأقل من تجربته.
بدأ بتجربته مع المالكي "كان سلوكه معي آنذاك مؤسفًا. المفارقة إنَّي أيَّدتهُ في "صولة الفرسان" التي قام بها ضد ميليشيا جيش المهدي عام 2008. ربّما تصوَّر بعدها إنَّي يجب أن أقوم بتأييده في كل شيء".
صوَّرت كلماته القادمة لقطة مهمة عن أداء نوري المالكي السياسي "تغيَّر في ولايته الثانية من 2010 إلى 2014. هذا التغيُّر جعل من الصعب التعامل. مثالي هنا، إنَّه وقف موقفًا سلبيًا من تظاهرات محافظة الأنبار عام 2012".
تطرَّق العطية بعدها إلى إجراءات إبعاده من قبل المالكي "كان ردُّه على انتقاداتي شيئًا مؤسفًا. وجِّهت لي تهمة في المطار بواسطة أسلوب "المخبر السري". المخابرات العراقية نصحتني آنذاك بالخروج من العراق، عندما كان مصطفى الكاظمي رئيسًا للجهاز".
مضيفاً "عام 2016 طلبوا مني حضور محاكمة شكلية. القاضي قال لي: لأول مرَّة نأخذ حرية التصرف. وهنا أريد التأكيد على أن اتباع نهج المخبر السري، عملية في منتهى البشاعة".
يختم العطية حكايته تلك "القاضي الذي وقفت أمامه عند عودتي عام 2016 ضحِك آنذاك، عندما اطلع على تفاصيل تهمتي "يدعم صدام حسين".
أشار العطية بعدها إلى طبيعة علاقته برؤساء الحكومات العراقية السابقة "كانت لدي علاقات مباشرة مع حيدر العبادي ومصطفى الكاظمي، إضافة إلى أسلوب الحوار معهم عبر مقالاتي. ثقافتي علمتني أن أشارك ذلك مع الرأي العام. أي إنني كنت أدعم وانتقد الجميع، ولم تكُن لي مشكلة شخصية مع احد".
تصاعد وتيرة قمع صُنَّاع الرأي العام وحريَّة التعبير في البلاد، وصفها العطية بمحاولة "بشعة.. لا تقل بشاعة عن سلوكيات الأنظمة السابقة. كثير من الأقلام العراقية ولست أنا وحدي مورس معها هذا المنهج، لأجل إبعادها واضطهادها".
زاد بعدها من التوضيح بيتًا "الفكر الحر دائمًا ضحية، وهذه التجربة مسيئة لجميع العراقيين. اليوم نخشى الحديث الصريح في الفضائيات، وبتنا نلمس وبوضوح إنَّ هناك حملة منظَّمة لتكميم الأفواه".
إسرائيل ومهرجوها
كثير من مراكز البحوث العالمية، لديها فروع في العراق، وبحَّاثة من أصولٍ عراقية. خيبة الأمل بأنهم دائماً ما أرادوا تشذيب الأداء السياسي للنظام بشكلٍ أكثر فعاليَّة وفق "المنيو" الغربي. أو (الدولة المستوردة) بحسب عنوان هذا الكتاب لبرتراند بديع.
رأي العطية بدأ بالحديث عن دور المنظمات غير الحكومية في العراق "كان لها دور جيد". ويضيف بخصوص هذه النقطة "الولايات المتحدة حاولت استنساخ تجربة المنظمات التي عملت في دول شرق أوروبا، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، داخل العراق".
تجربة العطية العملية مع المنظمات الأمريكية "بيَّنت لي إنَّ لها قيودًا مرتبطة بالحزب". أمّا عن تقييمه العام "المنظمات الأجنبية كان لها دور طفيف في حياة العراق السياسية، ومحاولتهم في شرق أوروبا لم تتكرر في العراق. كثيرٌ من تلك المنظمات غادر العراق واكتفى بأربيل، لكن هناك بعض المنظمات ما زالت موجودة".
تطرق بعدها إلى الخطوط العريضة لتأثير المراكز البحثية الأجنبية "المراكز البحثية في أوروبا وأمريكا وكندا، لا يمكن التعميم عليها. البعض منهم يريد أن يفهم ما يجري في العراق بدون إصدار أحكام، وهذه المراكز دورها محدود. لكن بعضها لعب دوراً رائعًا في البلاد".
كيف استأهلت بعض تلك المراكز وصف رائعة "هذه المراكز كانت ناقدة للأحزاب الشوفينية الطائفية، لكن بالطبع الأصوات المدعومة أمريكيًا كانت لها فرصة أكبر".
تقييمه النهائي لدور هذه المراكز البحثية "هناك عراقيون يستلمون رواتب من هذه الجهات، وهم مقيَّدون بسياسات تلك المراكز. لكن إذا قمنا بمقارنة حسنات هذه المراكز مع سيئاتها فسنجد إنَّ حسناتها أكبر".
نصح العطية بعدها المثقف العربي بشكلٍ عام والعراقي بشكلٍ خاص، بأهمية التعاطي الفكري مع مراكز البحوث الفكرية العائدة لـ "اليسار الإسرائيلي، لأنها تُمثِّل المواقف الإنسانية الإسرائيلية. أريد أن أُبيَّن هنا بأنَّ التعامل مع الفكر يجب أن يتم عبر قنوات فكرية وهذا ما لم نشهده".
هذا الطريق بحسب العطية أفضل من "السماح لمهرجين، من قيادة الرأي العام العربي والعراقي فيما يخصُّ التعاطي السياسي مع إسرائيل".
مُفرِّخات هؤلاء المُهرِّجين بحسب العطية "أغلبهم خريجو مدارس إسرائيلية تقوم بتدريس الدين الإسلامي على الطريقة الإسرائيلية. وهذا ما هو حاصل الآن في العراق، بفضل الغطاء السياسي الممنوح لتلك الشخصيات، من بعض البيوتات السياسية".
مشهد ختامي
أطلب منكم أن تقدِّموا لي رؤية استشرافية عن المستقبل الذي تتوقعونه للعراق. خاصة إن كان قادراً على النجاة كمجتمع وبلاد من الأداء السياسي لـ "الحُكَّام الصِغار". وهؤلاء بالطبع بلاء أخر.. دائماً ما أُصيب به تاريخ العراق السياسي.
بعد أن غمزني العطية بأنَّه قال الكثير عن ذلك، أضاف "الواقع الجيوسياسي للعراق ضعيف مع الأسف. وبهذا المعنى لا أرى أن السنوات المقبلة ستشهد التحوُّل المطلوب".
نصيحته للقائمين على النظام الحالي في العراق "يجب أن يفهموا بأن انخفاض الحماس الشعبي لممارسة العمل السياسي، كان واضحاً في انتخابات نوفمبر 2025 وذلك يجعل التغيير صعباً". أمّا عن دور الشعب وعيب المهتمين بالعمل السياسي "الشعب يستطيع أن ينتقد، لكن ليست له القدرة على الإصلاح. ومشكلة المهتمين بالعمل السياسي في العراق، أنهم لا يُفضِّلون العمل جماعياً وإنما بشكلٍ فردي".
توقعاته عن المستقبل القريب والمتوسط "لا اعتقد أن العراق سيشهد نظامًا يلبي تطلعاته ويدافع عنه. والوقت يلعب دورًا أساسيًا في معادلة العراق السياسية".
جملته الختامية، كانت موجهة إلى الجيل السياسي الجديد "المستقبل العراقي صعب لكن غير مستحيل، ويبقى الأمل بأن يحدث شيء جديد يُمهِّد انتقال العراق لمرحلةٍ أفضل".
نبذة عن قيس العطية: مفكَّر سياسي عراقي، أكاديمي، دبلوماسي سابق، ألَّف عدة كتب تناولت التاريخ السياسي للعراق والمنطقة العربية، وناقد شديد للأداء السياسي لنظام العراق الحالي، والسياسات الدولية والإقليمية ذات الصلة بالشرق الأوسط عموماً والعراق بشكلٍ خاص.












06/30/2026 - 09:34 AM





Comments