د. مهى محمّد مراد
إنَّها حياةُ النَّاس حين يفقدُ المواطنُ ثقتَه بأنَّ الدَّولة وحدها هي صاحبةُ القرار، لا تضيعُ السِّياسةُ فقط، بل يضيعُ معه شعورُه بالأمان.
الأمُّ التي تخافُ على مستقبل أبنائها، والشابُّ الذي يُفكِّر في الهجرة، وصاحبُ المتجر الذي يبحثُ عن الاستقرار ليحافظ على رزقه، قد لا يستخدمون كلمة «السِّيادة» في أحاديثهم اليومية، لكنَّهم يعيشون نتائج غيابها كلَّ يوم.
فالسِّيادة ليست مجرَّد مصطلحٍ دستوري يُدرَّس في كليات الحقوق، وليست شعارًا يُرفع في المناسبات الوطنية، بل هي أن يشعر المواطن أنَّ دولتَه هي المرجع الأول والأخير، وأنَّ القانون يُطبَّق على الجميع، وأنَّ القرار الوطني يُصنع انطلاقًا من مصلحة لبنان وحده.
عندما تكون الدَّولة قويةً بمؤسساتها، يصبح المواطن أكثر اطمئنانًا، ويصبح الاستثمار أكثر استقرارًا، ويصبح مستقبلُ الشباب أكثر وضوحًا، أمَّا عندما تتعدَّد مراكز القرار، وتضعف المؤسسات، وتزداد الانقسامات، فإنَّ أوَّل من يدفع الثمن هو المواطن البسيط.
لقد أثبتت التجارب أنَّ الدُّول لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُبنى بثقة الناس بمؤسساتها، وبقدرة هذه المؤسسات على حماية الحقوق، وفرض القانون، وصيانة الاستقلال.
ولهذا فإنَّ السِّيادة تبدأ من الداخل قبل أن تُدافع عنها في الخارج. تبدأ من قضاءٍ عادل، وإدارةٍ نزيهة، ومؤسساتٍ تعمل بكفاءة، ودولةٍ يشعر كلُّ مواطنٍ بأنَّها تمثِّله وتحميه.كما أنَّ لبنان بحاجةٍ إلى أفضل العلاقات مع محيطه العربي، وإلى تعاونٍ متوازن مع المجتمع الدولي، لكنَّ هذه العلاقات تزداد قوةً عندما يكون القرار اللبناني نابعًا من إرادةٍ وطنيةٍ مستقلة، تحترم الجميع، وتضع مصلحة لبنان فوق كلِّ اعتبار.
إنَّ السِّيادة ليست قضية تخصُّ السياسيين وحدهم، بل هي قضية كلِّ مواطنٍ يريد أن يعيش بأمان، وأن يعمل بكرامة، وأن يرى أبناءه يكبرون في دولةٍ تحميهم وتمنحهم الأمل.
فلبنان الذي نحلم به ليس دولةَ الشِّعارات، بل دولةَ المؤسسات، ودولةَ القانون، ودولةً يشعر فيها المواطن أنَّ كرامته مصونة، وأنَّ مستقبلَه يُبنى بقرارٍ وطنيٍّ مستقلٍّ ومسؤول.












06/26/2026 - 10:02 AM





Comments