إذا لم تكن الدولة هي الأقوى... فمن يحكم لبنان؟

06/11/2026 - 08:58 AM

San diego

 

 

 

علي الجزائري

في جميع دول العالم، تقوم فكرة الدولة على مبدأ بسيط وواضح: لا سلطة تعلو على سلطة القانون، ولا قوة تتقدم على قوة الدولة. فالدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو العقد الذي يمنح المؤسسات شرعيتها ويمنح المواطنين الثقة بأن الجميع متساوون أمام القانون.

أما في لبنان، فقد أصبح هذا المبدأ موضع تساؤل يومي.

فالدستور اللبناني واضح في تحديد موقع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وصلاحياتهما. المادة 49 تجعل رئيس الجمهورية رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن والساهر على احترام الدستور. والمادة 64 تجعل رئيس مجلس الوزراء المسؤول عن تمثيل الحكومة وتنفيذ السياسة العامة للدولة. كما أن المادة 65 تنيط السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء مجتمعاً.

لكن ما قيمة النصوص عندما تصبح القرارات الرسمية عرضة للتعطيل أو التجاهل أو الالتفاف؟ وما قيمة المواقع الدستورية عندما تتحول صلاحياتها إلى مادة للتفاوض السياسي بدلاً من أن تكون واجباً دستورياً ملزماً؟

إن أخطر أزمة تواجه لبنان ليست مالية ولا اقتصادية ولا حتى سياسية، بل أزمة سلطة. فالدولة التي لا تستطيع فرض احترام قراراتها تفقد تدريجياً أحد أهم عناصر وجودها: الهيبة الشرعية.

قانون العقوبات اللبناني لم يترك المسألة دون معالجة. فالمادة 381 تعاقب على انتحال الصفة الرسمية، والمواد 383 وما يليها تتناول جرائم التعدي على السلطة العامة أو انتحال وظائفها، فيما تعاقب مواد أخرى على مقاومة الموظفين العموميين وعرقلة تنفيذ القوانين والقرارات الصادرة عن السلطات الشرعية.

غير أن النصوص وحدها لا تحمي الدولة.

فالدولة تُحمى عندما تمتلك إرادة استعمال القانون. أما عندما يصبح القانون انتقائياً، ويُطبق على الضعيف ويُعطّل أمام القوي، فإن المؤسسات تفقد هيبتها بالتدريج حتى وإن بقيت قائمة شكلياً.

لقد اعتاد اللبنانيون على مشهد خطير: مؤسسات دستورية تملك الشرعية لكنها تفتقر إلى القدرة، وقوى أمر واقع تفتقر إلى الشرعية لكنها تمتلك النفوذ. وبين الاثنين تضيع الدولة ويضيع المواطن.

إن المسؤولية هنا لا تقع فقط على من يتجاوز القانون، بل أيضاً على السلطة التي تتردد في فرضه. فالدستور لم يمنح رئيس الجمهورية موقعاً رمزياً فارغاً، ولم يجعل من الحكومة مجرد هيئة لإصدار البيانات. بل منحها مسؤولية حماية الدولة وصون المؤسسات والدفاع عن الشرعية.

عندما تعجز الدولة عن حماية هيبتها، يصبح التعدي عليها أمراً عادياً. وعندما يصبح الأمر عادياً، تتآكل فكرة الدولة نفسها. وعندما تتآكل فكرة الدولة، يصبح الدستور مجرد نص جميل لا يملك القوة الكافية لحماية نفسه.

إن اللبنانيين لا يحتاجون اليوم إلى المزيد من الشعارات حول بناء الدولة، بل إلى دولة تطبق القانون على الجميع بلا استثناء. دولة لا تخاف من أصحاب النفوذ. دولة لا تتراجع أمام الضغوط. دولة تجعل من الدستور مرجعيتها الوحيدة ومن القانون أداتها الوحيدة.

فلا قيمة لرئاسة الجمهورية إذا كانت عاجزة عن فرض احترام موقعها الدستوري. ولا قيمة للحكومة إذا كانت غير قادرة على تنفيذ قراراتها. ولا قيمة للقوانين إذا بقيت رهينة الحسابات السياسية.

الدولة لا تُقاس بما تكتبه في الجريدة الرسمية، بل بما تستطيع تنفيذه على الأرض.

وهنا يكمن السؤال الذي بات يطرحه اللبنانيون بصوت مرتفع: إذا كانت رئاسة الجمهورية والحكومة تملكان الشرعية الدستورية، بينما يمتلك غيرهما القدرة الفعلية على فرض الوقائع، فأين أصبحت الدولة؟

وأخطر من ذلك كله: إذا لم تكن الدولة هي الأقوى داخل الدولة، فهل تبقى دولة؟ 

 

* كاتب ومحلل سياسي نت لبنان

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment