حرب المعادلات بين المحور وإسرائيل: قراءة في الجولة الأخيرة

06/11/2026 - 08:18 AM

San diego

 

 

 

د. إسماعيل مسلماني *

تشكل "حرب المعادلات" أحد أبرز المفاهيم التي تحكم الصراع بين إسرائيل من جهة، ومحور المقاومة الذي تقوده إيران ويضم حزب الله من جهة أخرى. فالصراع لم يعد يقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل أصبح قائماً على فرض قواعد اشتباك ومعادلات ردع متبادلة تهدف إلى التأثير في سلوك الطرف المقابل ومنعه من تجاوز خطوط حمراء معينة. وفي الجولة الأخيرة من التصعيد، برزت هذه الحرب بصورة أكثر وضوحاً، حيث سعى كل طرف إلى تثبيت معادلاته السياسية والعسكرية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

منذ سنوات، عمل حزب الله على بناء معادلة تقوم على أن أي استهداف واسع للبنان أو للضاحية الجنوبية لبيروت سيقابله رد مؤلم على العمق الإسرائيلي. وفي المقابل، سعت إسرائيل إلى ترسيخ معادلة مختلفة مفادها أن أي تهديد لأمن مستوطنات الشمال أو استهداف لقواتها سيواجه برد عسكري واسع يستهدف البنية العسكرية للحزب ومناطق نفوذه. وبين هاتين المعادلتين، تحاول الولايات المتحدة إدارة التوتر ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

الجولة الأخيرة أظهرت أن الصراع انتقل من مرحلة الردع التقليدي إلى مرحلة اختبار الإرادات. فقد لوّحت إسرائيل بإمكانية توسيع عملياتها العسكرية ضد الضاحية الجنوبية، في محاولة لفرض معادلة جديدة تربط أمن الجبهة الشمالية بحرية العمل العسكري داخل لبنان. في المقابل، جاءت التهديدات الإيرانية ورسائل حزب الله لتؤكد أن أي تغيير جذري في قواعد الاشتباك سيؤدي إلى ردود قد تتجاوز الساحة اللبنانية لتشمل أبعاداً إقليمية أوسع.

أما الولايات المتحدة، فقد وجدت نفسها أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تواصل دعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً، ومن جهة أخرى تدرك أن أي مواجهة واسعة مع حزب الله قد تستدرج إيران بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة ويؤثر على الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة العالمية. لذلك بدت واشنطن حريصة على ممارسة ضغوط دبلوماسية لاحتواء التصعيد ومنع تجاوز حدود معينة.

في هذا السياق، يمكن فهم التحركات السياسية والعسكرية الأخيرة باعتبارها جزءاً من صراع على تثبيت المعادلات وليس فقط تحقيق مكاسب ميدانية. فإسرائيل تسعى إلى تعزيز صورة الردع وإقناع خصومها بأنها قادرة على فرض شروط أمنية جديدة، بينما يسعى حزب الله وإيران إلى إثبات أن قدرة الرد ما زالت قائمة وأن أي محاولة لتغيير قواعد اللعبة ستواجه بكلفة مرتفعة.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن جميع الأطراف تدرك مخاطر الحرب الشاملة، لكنها في الوقت ذاته تواصل استخدام أدوات الضغط العسكري والسياسي لتحسين مواقعها التفاوضية. لذلك تبدو حرب المعادلات اليوم أكثر أهمية من المواجهة العسكرية المباشرة نفسها، لأنها تحدد حدود الحركة لكل طرف وترسم ملامح المرحلة المقبلة.

خلاصة القول، إن الجولة الأخيرة لم تحسم الصراع بين إسرائيل ومحور المقاومة، بل أكدت استمرار التنافس على فرض معادلات الردع. وبينما تسعى إسرائيل إلى توسيع هامش حركتها الأمنية، يعمل حزب الله وإيران على منع أي تغيير جوهري في قواعد الاشتباك، في حين تواصل الولايات المتحدة لعب دور الموازن الذي يحاول منع انفجار إقليمي واسع قد تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط.

يمكنني أيضاً إعداد نسخة أكثر عمقاً وأقرب إلى أسلوب الدراسات السياسية والأمنية المنشورة في مراكز الأبحاث والجامعات.

 

* مختص بالشان الاسرائيلي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment