الواقعية التي نحتاجها.....

09/11/2026 - 02:57 AM

Atlantic home care

 

 

كتب ادريس احميد

قرأت مقال الأستاذة عالية منصور «بداية نهاية الجمهورية الإسلامية التي نعرفها»، وأتفاعل معه من زاوية مختلفة؛ لا دفاعاً عن إيران، ولا إنكاراً لحجم الضربات التي تلقتها، وإنما محاولة لقراءة المشهد بعيداً عن الأمنيات والاستنتاجات المتعجلة.

لا شك أن الولايات المتحدة قوة عظمى، وأن إيران، مقارنة بها، دولة أقل إمكانات عسكرية واقتصادية، ومن الطبيعي أن تكون خسائرها في مواجهة مباشرة أكبر. لكن التاريخ يعلمنا أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق كل الأهداف السياسية والاستراتيجية. فالتجربة الأميركية في فيتنام وأفغانستان تؤكد أن امتلاك القوة الهائلة لا يعني بالضرورة القدرة على فرض النهاية التي يريدها صاحب القوة.

وهنا يبرز السؤال: هل كنا نبالغ في تقدير هشاشة إيران؟

إيران محاصرة بالعقوبات منذ أكثر من أربعة عقود، وتعاني أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية حقيقية. ومع ذلك استطاعت خلال هذه العقود أن تبني صناعات عسكرية محلية، وتطور قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، وتحافظ على مؤسسات دولتها وبرنامجها النووي. والأهم أن الحرب الأخيرة أظهرت أنها، رغم الضربات القاسية التي تعرضت لها، لم تنهَر ولم تتفكك الدولة.

وهنا تبرز أيضاً مسألة التقديرات التي سبقت الحرب. فقد أثيرت تساؤلات حول دقة بعض المعلومات الاستخباراتية، وحول وجود اختلافات بين بعض التقديرات الأميركية والإسرائيلية، وما إذا كانت واشنطن قد دخلت الحرب وهي تملك تصوراً دقيقاً عن حجم القدرات الإيرانية وقدرتها على الصمود. وهذا لا يعني بالضرورة أن إسرائيل «ورّطت» الولايات المتحدة، لكنه سؤال مشروع في ضوء ما حدث.

ولا يعني ذلك أن إيران انتصرت، ولا أن الولايات المتحدة وإسرائيل انهزمتا. إيران تلقت ضربات شديدة، واقتصادها يعاني، وقدراتها تعرضت للاستنزاف. لكن في المقابل، فإن عدم انهيارها، وقدرتها على الرد، وتحول الحرب إلى مواجهة ذات كلفة وتعقيدات، كلها أمور تستحق أن تدخل في أي تقييم موضوعي لنتائج الحرب.

أما عن الدور الإيراني في المنطقة، فعلينا أيضاً أن نكون أكثر واقعية وأقل انتقائية.

نعم، لإيران مشروع إقليمي، ولها نفوذ في عدد من الدول العربية، ولدينا خلافات عميقة مع سياساتها، خصوصاً عندما يتحول النفوذ إلى تدخل في شؤون الدول أو إلى مساس بسيادتها. لكن لا يمكن أن نقرأ التاريخ وكأن إيران وحدها قررت كل شيء.

في لبنان مثلاً، عندما احتلت إسرائيل أجزاء من الأراضي اللبنانية، نشأت المقاومة، ودعمتها إيران، وأصبح حزب الله لاحقاً قوة عسكرية لعبت دوراً رئيسياً في مقاومة الاحتلال حتى الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. ويمكن أن نختلف مع حزب الله في سياساته وسلاحه ودوره اللاحق، لكن لا يمكن حذف هذه الحقيقة من التاريخ.

وفي سوريا، تدخلت إيران إلى جانب نظام بشار الأسد، ونحن قد نختلف جذرياً مع ذلك التدخل ومع ما ارتكبه النظام من قمع وانتهاكات. لكن الحكم على تلك المرحلة يحتاج أيضاً إلى النظر في مآلات سوريا: هل ستصل إلى دولة مستقرة، أم إلى فوضى وانقسام وتدخلات خارجية؟ عندها فقط يمكن أن نقارن بهدوء بين ما كان وما أصبح. كما أن الساحة السورية لم تكن إيرانية وحدها، بل دخلت فيها قوى إقليمية ودولية متعددة.

والأمر نفسه ينطبق على القضية الفلسطينية. يمكن أن نختلف مع إيران في دعمها لحماس وفصائل فلسطينية أخرى، وأن نناقش أهدافها من هذا الدعم، لكن لا يمكن إنكار أن إيران دعمت قوى فلسطينية مسلحة، وأن هذا أصبح جزءاً من واقع الصراع.

أما الحديث عن «تصدير الثورة»، فيحتاج بدوره إلى قدر من الواقعية. هناك نفوذ إيراني حقيقي ومحاولات لاستثماره سياسياً ومذهبياً، لكن الطوائف الشيعية الموجودة في عدد من الدول العربية ليست اختراعاً إيرانياً يمكن إلغاؤه. هؤلاء مواطنون عرب، وسيبقون جزءاً من مجتمعاتهم. المشكلة ليست في وجودهم، وإنما في تحويل الانتماء الطائفي إلى أداة صراع أو إلى ولاء سياسي يتجاوز الدولة الوطنية.

وهنا أتوقف عند مقولة طالما سمعناها: إن إيران حليفة لإسرائيل، وإن ما يجري بينهما مجرد لعبة متفق عليها.

نعم، كانت إيران في عهد الشاه حليفاً وثيقاً لإسرائيل والولايات المتحدة، وكانت بين طهران وتل أبيب علاقات أمنية واقتصادية وعسكرية. لكن ذلك النظام سقط في ثورة 1979، وجاء نظام جديد قطع العلاقات مع إسرائيل، وتحولت إيران إلى خصم معلن لها وللولايات المتحدة.

لذلك، فإن القول إن الجمهورية الإسلامية نفسها حليفة لإسرائيل سراً، وإن ما يجري بينهما مجرد لعبة، يحتاج إلى أدلة لا إلى مجرد الشكوك. فكيف يمكن تفسير عقود من العداء والمواجهة، ودعم إيران لقوى تقاتل إسرائيل، ثم وصول الأمر إلى مواجهة عسكرية مباشرة بهذا الحجم، بكل ما حملته من قصف ودمار وخسائر وضغوط سياسية؟

قد نختلف مع إيران في سياساتها، وقد ننتقد أهدافها الإقليمية وطريقة إدارتها لصراعاتها، لكن ذلك لا يعني أن نتمسك بتفسير لا تؤيده الوقائع. فالواقعية تقتضي أن نميز بين إيران الشاه التي كانت حليفاً لإسرائيل، وإيران ما بعد الثورة التي أصبحت في صراع مفتوح معها. والاعتراف بقدرة إيران ليس تأييداً لها، كما أن رفض سياساتها لا ينبغي أن يقودنا إلى إنكار الحقائق. لا نريد إيران أن تنتصر لأننا نحبها، ولا نريد لها أن تنهزم لأننا نختلف معها. نريد فقط أن نعرف الحقيقة.

لكن السؤال الذي أراه أكثر إلحاحاً هو: ماذا عنا نحن؟

نحن العرب، بتعداد يتجاوز مئتي مليون نسمة، وبما نملكه من دول وجيوش وثروات وموارد وإمكانات، لماذا عجزنا طوال عقود عن تحقيق ما نريده في مواجهة إسرائيل؟

إذا كانت إيران، وهي دولة محاصرة منذ أكثر من أربعين عاماً، استطاعت أن تطور قدراتها وأن تصمد أمام مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فماذا يقول ذلك عن حالنا نحن؟

السؤال ليس للتقليل من شأن جيوشنا أو شعوبنا، وإنما لمراجعة واقعنا بصدق. فربما آن الأوان أن نتوقف عن الانشغال بسؤال: هل ستسقط إيران أم ستبقى؟ وأن نبدأ بالسؤال الأصعب: ماذا نريد نحن؟ وأين هي قوتنا؟ وأين قرارنا المستقل؟ وكما يقول المثل الشعبي: «يا شاقي بهم الغير، همّك مين شاقي بيه؟»

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم: لا ينبغي أن ننشغل كثيراً بمصير إيران، بينما لا نملك نحن مشروعاً واضحاً لقوتنا ومصالحنا ومستقبلنا.

فالواقعية ليست انحيازاً، والاعتراف بقوة الخصم ليس إعجاباً به. والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً بعد هذه الحرب ليس فقط: ماذا ستكون نهاية الجمهورية الإسلامية؟ بل ماذا ستكون نهاية هذا العجز العربي الطويل عن امتلاك القوة والقرار والمشروع الذي يحمي مصالحنا؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment