مقال صحفي تحليلي
إعداد: ضياء الدين مرزقي
لم يعد مرض السكري شأنًا فرديًا يخص كبار السن، بل أصبح تحديًا صحيًا عالميًا يمس الأسر والاقتصادات وأنظمة الرعاية الصحية. وتشير بيانات أطلس الاتحاد الدولي للسكري إلى أن نحو 589 مليون بالغ بين 20 و79 عامًا كانوا يعيشون مع السكري في عام 2024، أي ما يعادل 11.1% من هذه الفئة العمرية، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 853 مليونًا بحلول عام 2050. والأخطر أن نحو 252 مليون بالغ قد لا يعلمون بإصابتهم.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن الوقاية أو السيطرة مستحيلتان. فالنوع الثاني من السكري يمكن في حالات كثيرة الوقاية منه أو تأخير ظهوره، وقد يصل بعض المصابين إلى هدأة طويلة الأمد بعد تدخلات فعالة. غير أن الهدأة ليست شفاءً نهائيًا، ولا تبرر إيقاف الدواء أو الفحوص من دون إشراف طبي. أما النوع الأول، فيتطلب الإنسولين للبقاء على قيد الحياة، ولا توجد حتى الآن وسيلة مثبتة للوقاية منه.
ما هو السكري؟
السكري مرض مزمن يرتفع فيه مستوى الغلوكوز، أو سكر الدم، لأن البنكرياس لا ينتج الإنسولين بكمية كافية، أو لأن الجسم لا يستخدم الإنسولين بصورة فعالة. والإنسولين هرمون يساعد الخلايا على إدخال الغلوكوز واستخدامه مصدرًا للطاقة. وعندما يظل السكر مرتفعًا فترة طويلة، يتضرر تدريجيًا القلب والأوعية الدموية والأعصاب والعينان والكليتان.
ينقسم السكري أساسًا إلى النوع الأول والنوع الثاني وسكري الحمل. في النوع الأول يهاجم الجهاز المناعي الخلايا المنتجة للإنسولين، ولذلك يحتاج المصاب إلى الإنسولين يوميًا. وقد يظهر في الطفولة أو الشباب، لكنه يمكن أن يبدأ في أي عمر. أما النوع الثاني، وهو الأكثر شيوعًا، فيرتبط غالبًا بمقاومة الإنسولين ثم تراجع قدرة البنكرياس على إنتاجه، وتتداخل في حدوثه الوراثة وزيادة الوزن وقلة النشاط والعوامل البيئية والاجتماعية.
أما سكري الحمل فيظهر أثناء الحمل، وقد يرفع أخطار المضاعفات للأم والطفل، كما يزيد احتمال إصابة الأم والطفل بالنوع الثاني مستقبلًا. وهناك كذلك مرحلة وسيطة تسمى ما قبل السكري، يكون فيها سكر الدم أعلى من الطبيعي، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى تشخيص السكري. وهذه المرحلة ليست حكمًا نهائيًا، لكنها إنذار يستوجب التحرك.
لماذا يتسع انتشار المرض؟
الزيادة العالمية لا تفسَّر بعامل واحد. فالنمو السكاني والتحضر وتبدل أنماط الغذاء وقلة الحركة وارتفاع معدلات زيادة الوزن تتفاعل مع الاستعداد الوراثي. كما أن الفقر، وصعوبة الوصول إلى الغذاء الصحي أو الفحص أو الدواء، تجعل العبء أكبر في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. ووفق أطلس الاتحاد الدولي للسكري، يُتوقع أن يحدث 95% من الزيادة العالمية في عدد المصابين حتى عام 2050 في هذه البلدان.
ويعني ذلك أن اختزال المشكلة في «ضعف إرادة المريض» قراءة غير علمية وغير عادلة. فالوقاية تحتاج إلى بيئة تساعد على الحركة، وتوافر غذاء صحي بأسعار معقولة، ورعاية أولية قادرة على اكتشاف المرض مبكرًا. كما تحتاج إلى مكافحة التدخين وتحسين التوعية، بدل الاكتفاء بنصح الفرد بعد الإصابة.
أعراض قد تُهمَل لسنوات
قد يظهر السكري بالعطش الشديد، وكثرة التبول، والتعب، وتشوش الرؤية، وفقدان الوزن غير المقصود. لكن غياب الأعراض لا يعني غياب الخطر؛ فقد يمر النوع الثاني أو ما قبل السكري سنوات من دون علامات واضحة، ويُكتشف أحيانًا بعد بدء المضاعفات.
لذلك تصبح الفحوص الدورية مهمة خصوصًا لمن لديهم تاريخ عائلي للسكري، أو زيادة في الوزن، أو قلة نشاط بدني، أو إصابة سابقة بسكري الحمل، أو تكيس المبايض، أو ارتفاع ضغط الدم واضطراب الدهون. ولا تكفي الأعراض وحدها للتشخيص؛ فالقرار يعتمد على اختبارات الدم التي يحددها مقدم الرعاية الصحية، مثل السكر التراكمي HbA1c أو سكر الصيام أو اختبارات أخرى بحسب الحالة.
النتائج: من ارتفاع السكر إلى فقدان البصر والفشل الكلوي
السكري غير المضبوط ليس مجرد ارتفاع عابر في رقم التحليل. فهو يزيد خطر أمراض القلب والسكتة الدماغية، وقد يؤدي إلى اعتلال الأعصاب ومشكلات القدمين والقرح والبتر، كما قد يسبب اعتلال الشبكية وفقدان البصر ومرض الكلى المزمن والفشل الكلوي. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن السكري ومرض الكلى الناجم عنه تسببا معًا في أكثر من مليوني وفاة عام 2021، وأن ارتفاع الغلوكوز أسهم في نحو 11% من الوفيات الناتجة عن أمراض القلب والأوعية الدموية.
وتتضاعف الخسارة عندما يبدأ المرض مبكرًا. فقد أظهرت مراجعات علمية أن السكري من النوع الثاني الذي يبدأ في الطفولة أو المراهقة يتقدم بوتيرة أسرع من النوع الذي يبدأ في سن البلوغ، وترتبط به مضاعفات دقيقة وكبيرة الأوعية في سن أبكر. وهذا لا يعني أن كل شاب مصاب سيواجه النتيجة نفسها، لكنه يعني أن التشخيص المبكر والمتابعة المنتظمة لا يحتملان التأجيل.
ولا تقتصر النتائج على الجسد. فالمرض يفرض كلفة مستمرة على المريض والأسرة من خلال ثمن الأدوية والفحوص، والغياب عن العمل أو الدراسة، والضغط النفسي، واحتمال فقدان القدرة على الكسب عند حدوث مضاعفات متقدمة. ومن هنا فإن الاستثمار في الوقاية والفحص ليس إنفاقًا إضافيًا، بل وسيلة لتقليل كلفة إنسانية واقتصادية أكبر.
هل يمكن التخلص من السكري؟ الإجابة الدقيقة: يعتمد على النوع والحالة
تحتاج عبارة «التخلص من السكري» إلى تصحيح. النوع الأول لا يوجد له حتى الآن علاج شافٍ روتيني، ويحتاج المصاب إلى الإنسولين يوميًا. ويمكن للمصاب أن يعيش حياة طويلة ونشطة عندما يحصل على الإنسولين والتثقيف والمتابعة المناسبة، لكن إيقاف الإنسولين من تلقاء نفسه قد يعرّضه لحماض كيتوني خطير.
أما النوع الثاني، فقد تنخفض مستويات السكر إلى غير نطاق السكري لدى بعض الأشخاص بعد إنقاص الوزن وتحسين الغذاء وزيادة النشاط، وأحيانًا بعد أدوية أو جراحة استقلابية مناسبة. ويعرّف توافق دولي نشرته جمعية السكري الأمريكية «الهدأة» بأنها وصول HbA1c إلى أقل من 6.5% واستمراره ثلاثة أشهر على الأقل بعد إيقاف أدوية خفض السكر، وفق إشراف طبي.
لكن الخبراء يتجنبون كلمة «الشفاء» لأن الاستعداد الفسيولوجي للمرض قد يبقى، ولأن ارتفاع السكر قد يعود مع استعادة الوزن أو تراجع وظيفة خلايا البنكرياس. كما أن الهدأة لا تلغي الحاجة إلى مراقبة العين والكلى والقلب والأعصاب. وقد أوصى تقرير الإجماع بمتابعة HbA1c دوريًا، بما لا يقل عن مرة سنويًا عند استمرار الهدأة.
ما الذي يمكن فعله عمليًا؟
تبدأ الوقاية من النوع الثاني بتغييرات قابلة للاستمرار، لا بحميات قاسية قصيرة الأجل. توصي منظمة الصحة العالمية بما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا من النشاط البدني المعتدل، مع الوصول إلى وزن صحي والحفاظ عليه، والحد من السكريات والدهون المشبعة، والامتناع عن التدخين. وتذكر مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أن إنقاص 5% إلى 7% من وزن الجسم عند وجود زيادة في الوزن، مع نشاط بدني لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا، يمكن أن يخفض خطر التحول من ما قبل السكري إلى النوع الثاني بنسبة 58% في برامج الوقاية المنظمة.
وتتطلب التغذية الصحية بناء الوجبة حول الخضروات والبقول والحبوب الكاملة ومصادر البروتين المناسبة، مع تقليل المشروبات المحلاة والأطعمة فائقة التصنيع، وضبط الكميات، وعدم التعامل مع طعام واحد بوصفه علاجًا سحريًا. وينبغي أن تُكيَّف الخطة مع الثقافة والقدرة المادية والحالة الصحية، لأن الخطة التي لا يمكن تطبيقها طويلًا تفشل مهما بدت مثالية على الورق.
بعد التشخيص، لا يكفي التركيز على السكر التراكمي وحده. فالرعاية الجيدة تشمل ضبط ضغط الدم والدهون، وتقييم وظائف الكلى والعينين والقدمين، ومراجعة الأدوية، ودعم الإقلاع عن التدخين، ومعالجة التوتر ومشكلات النوم والصحة النفسية. وتوصي المعايير المهنية الحديثة للأطفال والمراهقين برعاية ملائمة للعمر ومرحلة النمو، وبإشراك الأسرة والفريق الصحي في بناء مهارات العناية الذاتية.
مسؤولية مشتركة لا وصفة فردية
تكشف أزمة السكري حدود الرسائل الصحية التي تلقي العبء كله على المريض. فالفرد مسؤول عن الفحص والالتزام بالخطة، لكن المدارس وأماكن العمل والبلديات ومصنعي الأغذية وصناع القرار مسؤولون أيضًا عن جعل الخيار الصحي ممكنًا. ويشمل ذلك توفير مساحات آمنة للمشي، وإتاحة الغذاء الصحي، وتعزيز الرعاية الأولية، وضمان توفر الإنسولين والأدوية الأساسية والفحوص بأسعار عادلة.
الخلاصة أن السكري مرض خطير لكنه قابل للإدارة، وأن النوع الثاني قابل للوقاية أو التأخير في حالات كثيرة، وقد يدخل بعض المصابين به في هدأة. غير أن الطريق ليس عبر وصفة شعبية أو ترك الدواء، بل عبر تشخيص موثوق، وتغيير مستمر لنمط الحياة، وعلاج يصفه الطبيب، وفحوص تمنع المضاعفات أو تكتشفها مبكرًا. أما أفضل وقت للتحرك فليس بعد ظهور الفشل الكلوي أو ضعف البصر، بل عند أول عامل خطر أو نتيجة تشير إلى ما قبل السكري.
* تنبيه : هذا المقال مادة تثقيفية صحفية ولا يغني عن التشخيص أو العلاج الطبي. لا توقف الإنسولين أو أي دواء، ولا تبدأ حمية شديدة أو مكملًا غذائيًا، قبل استشارة طبيب أو اختصاصي رعاية سكري.











09/08/2026 - 00:46 AM





Comments