هل الفساد يبني دولة؟

08/31/2026 - 00:10 AM

Arab American Target

 

 

بركات شاهين

ربما يبدو السؤال استفزازيًا، لكنه في الحالة السورية يستحق أن يُطرح بجدية: هل يمكن للفساد أن يبني دولة، أم أنه يهدم مؤسساتها ويفكك المجتمع من الداخل؟

بعد حرب تشرين، أتيحت لسورية موارد مالية كبيرة، وكان يمكن أن تشكل فرصة تاريخية لبناء اقتصاد قوي، وتطوير التعليم والصحة والبنية التحتية، وتعزيز مؤسسات الدولة.

لكن بدل أن تتحول هذه الموارد إلى مشروع وطني لبناء الدولة، جرى توظيف معظمها في ترسيخ الولاءات والامتيازات، وفتح المجال أمام بعض المسؤولين وأصحاب النفوذ للاستفادة من مؤسسات الدولة. ومع مرور الوقت، لم يعد الفساد مجرد تجاوزات فردية، بل تحول إلى منظومة متكاملة من المحسوبية واستغلال السلطة والنفوذ.

نشأت طبقة من المسؤولين وأصحاب النفوذ راكمت ثروات ضخمة، بينما تعرضت مؤسسات الدولة للاستنزاف، وتراجعت معايير الكفاءة لصالح الولاء والعلاقات. وامتد أثر ذلك إلى القضاء والتعليم والصحة والإدارة، فلم تعد المشكلة في نهب المال العام وحده، بل في تآكل قيمة العمل والكفاءة والقانون.

فالفساد حين يصبح ثقافة لا يسرق المال فقط؛ بل يسرق الحس الوطني و الوجداني و الثقة ..

يفقد المواطن ثقته بالدولة والقانون والقضاء، ويصبح التملق والنفاق والمحسوبية وسائل للصعود، بينما تتراجع قيم المواطنة والانتماء والمسؤولية. ومع مرور السنوات، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والقاعدة إلى ثقافة، والثقافة إلى إرث تتناقله الأجيال.

وكان من أخطر النتائج تشويه العلاقة بين المواطن والدولة، واتساع الفجوة بين أصحاب النفوذ والثروة من جهة، وبين المواطنين الذين لا يملكون سوى العمل والكفاءة من جهة أخرى، مع تراجع الطبقة الوسطى التي كانت إحدى ركائز الاستقرار الاجتماعي والثقافي.

لذلك، فإن التحدي أمام سورية اليوم لا يقتصر على تغيير الأشخاص، بل على تفكيك منظومة كاملة من الممارسات والقيم التي ترسخت خلال عقود.

 ومع تقديرنا للنوايا، فإن الطريق لا يزال طويلاً، والجهود المبذولة متواضعة والبدايات متعثرة.

سورية تحتاج إلى دولة قانون وعدالة، تكون فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أعلى من النفوذ، والكفاءة معيارًا للمسؤولية، والمال العام ملكًا للمجتمع لا غنيمةً للمتنفذين.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment