رشيد ج. مينا
أعود إلى تلك الطاولة في المقهى المطلّة على الممشى، حيث قليل من المشي يجعلني أشعر بالحركة في غربة تكاد تعرّيني من أشياء كثيرة؛ من الذاكرة، من الحنين، ومن تلك المسيرة التي حفلت بالأحداث والتجارب، بالأخطاء والإيجابيات، بالنجاحات والإخفاقات.
ما إن أجلس على الكرسي وأبدأ ارتشاف قهوتي المفضلة، حتى أحاول ألّا أشخص بعينيّ نحو تلك المراحل البعيدة من العمر. لكن الذاكرة لا تحتاج إلى عيون كي ترى، ولا إلى طريق كي تعود. يكفي أحيانًا فنجان قهوة، أو لحظة صمت، حتى تستعيد سنوات ظننت أنها ابتعدت، فإذا بها تجلس قبالتك على الطاولة نفسها.
الطفولة، ثم المراهقة، ثم الشباب...
مراحل كان يفترض أن تكون الأجمل في حياة الإنسان، لكننا، وكثيرون من أبناء جيلنا، لم ننعم بجمالها كما ينبغي. حملنا مبكرًا، وربما من دون وعي كافٍ، أعباء ومسؤوليات لم نصنع نحن فصولها، بل دُفعنا إليها دفعًا، وصُوّر لنا أنها الطريق إلى العزة والكرامة، وإلى مستقبل تسوده الحرية والعدالة والمساواة والرفاه.
آمنا بوطن لا فقر فيه ولا جهل ولا حرمان، لا يموت فيه إنسان على باب مستشفى، ولا يعمل فيه طفل بدل أن يكون على مقعد الدراسة، ولا يمد إنسان يده طلبًا للقمة، ولا يخرج طفل من مدرسته لأن الفقر كان أقوى من حقه في التعليم.
لم تكن الأحلام سيئة، ولم تكن كل التجربة خطأ. ففي المسيرة أخطاء كما فيها إيجابيات، وإخفاقات كما فيها نجاحات، ومواقف نفتخر بها وأخرى نملك اليوم من التجربة والشجاعة ما يكفي لمراجعتها.
لكن الثمن كان كبيرًا.
قُتل الآلاف، وشُرّد الآلاف، ودُمرت البيوت، وأُحرقت المصانع، وضاعت أعمار وفرص، ثم كبرنا لنكتشف أننا، في كثير من الأحيان، كنا نقاتل طواحين الهواء، فيما الفقر الذي أردنا القضاء عليه اتسعت مساحته، والجهل الذي أردنا محاربته لم ينحسر كما حلمنا، والحرمان الذي حملنا راية مواجهته بقي حاضرًا بأشكال جديدة. وفي المقابل، ازداد عدد الوصوليين والانتهازيين، وتغيرت السلوكيات، وطغت المصالح، واهتز الإيمان بالوطن، وتراجعت الثقة بالدولة.
أشخص إلى البعيد بفكري، لا بعينيّ، وأرتشف قهوتي. كم أجدها لذيذة رغم عدم احتوائها على السكر، وكأنها أكثر حلاوة من مرارة الأيام. ويأتي السؤال الذي يرافق كل مغترب، مهما طال به الزمن: هل أعود من الغربة إلى الوطن؟
سؤال ربما طرحه كل من أجبرته الظروف أو شظف العيش، أو مجرد الحلم بمستقبل أفضل، على الرحيل. وإن لم يكن يبحث عن مستقبل أفضل لنفسه، فقد رحل ليصنعه لأسرته وأبنائه. ففي بلادنا، كثيرًا ما يُبنى مستقبل فرد على تضحيات فرد آخر.
جسد يفنى ليحيا جسد.
أب يستهلك سنوات عمره بعيدًا عن أسرته ليعلّم أبناءه. شاب يغادر وطنه ليعيل أهله. أم أو أب يتحملان الغربة حتى لا يعيش الأبناء الحرمان نفسه. وكأن بناء المستقبل أصبح مسؤولية الفرد وحده، لا مسؤولية وطن ودولة ومجتمع. وهكذا تستنزف أوطاننا أبناءها بدل أن تستثمر فيهم، ثم تتساءل لماذا يهاجرون، ولماذا يبتعدون، ولماذا تضعف علاقتهم بالمكان الذي ولدوا فيه.
ومن الغربة إلى الوطن، ومن الوطن إلى أمة أرادها الله سبحانه خير أمة أُخرجت للناس؛ أمة بدأ خطابها بـ «اقرأ»، فإذا بها، في مراحل طويلة من تاريخها الحديث، تهجر القراءة والمعرفة، ويتسلل الجهل إلى مساحات واسعة من حياتها. ولا أقصد بالقراءة مجرد كتاب، بل قراءة الذات والتاريخ والعالم، وامتلاك المعرفة التي تجعل الإنسان قادرًا على السؤال والنقد والاختيار.
فليس كل تطور تقدمًا، ولا كل حداثة تحضرًا
قد ترتفع الأبراج، وتتسع الطرق، وتنتشر التقنيات، وتزدحم الأسواق بكل ما أنتجه العالم، فيما يتراجع الإنسان في داخله، وتتآكل القيم، ويصبح التحضر شكلًا خارجيًا لا يواكبه بالضرورة تطور في الفكر والسلوك ومكارم الأخلاق.
أحاول العودة من هذه السباحة في الأفق من دون ماء، لكن الواقع يشدني من الذاكرة إلى الحاضر. فهل ما يحدث اليوم في الوطن، وما يحدث باسمه في الداخل والخارج، يشي فعلًا بقرب الحلول؟
هل نحن أمام طريق يؤدي إلى استعادة الذات الوطنية والسيادة، والخلاص من الهيمنة والفوضى والتدخلات وفساد القوى التي هيمنت طويلًا على القرار ومقدرات الوطن؟
لا يبدو المشهد، حتى الآن، باعثًا على كثير من الاطمئنان.
فالحراك السياسي والمفاوضات والمبادرات، مهما كانت ضرورية، تجري في ظل اختلال كبير في موازين القوى، وفي ظل صراع إقليمي لم تنتهِ فصوله، واستمرار الاحتلال والعدوان الإسرائيلي، وتحولات دولية واسعة باتت فيها القوة تتقدم كثيرًا على الحق، فيما تتسع الحروب وتضطرب التجارة العالمية وتتغير التحالفات والمصالح. وفي مثل هذا الواقع، أخشى أن يكون أقصى ما يمكن الوصول إليه، إذا لم تتغير المعادلات الداخلية، إدارة جديدة للأزمة، لا حلًا لها.
قد تتغير التسويات، وقد تتبدل المواقع والوجوه، وقد تهدأ جبهة وتشتعل أخرى، لكن الوطن لا يخرج من أزمته إذا بقي عاجزًا عن امتلاك قراره، وبقي شعبه ينتظر ما يقرره الآخرون بشأن مستقبله. وهنا يعيدني التفكير إلى السؤال الذي أراه يتكرر خلف معظم ما كتبته وفكرت فيه خلال السنوات:
أين شعبنا؟ وأين إرادته؟
أين حقه في الدفاع عن وجوده ومصيره؟
أليس الواقع، بكل ظلمه ومرارته وتحدياته، حافزًا للنهوض بدل الاستسلام؟
ألا يستحق الوطن أن نتوحد من أجله؟
ليس حول حزب أو زعيم أو طائفة أو مذهب، ولا خلف محور داخلي أو خارجي، بل حول حقنا المشترك في الوجود والمصير والحاضر والمستقبل.
فالشعوب لا تستطيع دائمًا اختيار الظروف التي تواجهها، ولا موازين القوى التي تحيط بها، لكنها تستطيع أن تقرر كيف تواجهها، وأن تستعيد وعيها بذاتها، وأن ترفض أن تبقى مجرد أرقام في حسابات الآخرين. ولا يمكن لأي وطن أن ينهض إذا فقد شعبه الثقة بقدرته على التغيير.
قد تكون الطريق طويلة، وقد تكون موازين القوى قاسية، وقد تبدو الإمكانات محدودة، لكن بداية كل تحول حقيقي ليست في الخارج، بل في اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان ثقته بنفسه، ويستعيد الشعب وعيه بوحدته، ويعرف أن الوطن ليس ملكًا للسلطة، ولا للطوائف، ولا للأحزاب، ولا للمحاور، بل حق لأبنائه ومسؤوليتهم في آن واحد.
أنظر إلى الفنجان.
لقد انتهت القهوة.
تلك القهوة التي كانت، رغم غياب السكر عنها، أكثر حلاوة من كثير من الأيام التي عبرت.
أنهض عن الكرسي، وأترك الطاولة، لكن السؤال يمشي معي:
هل تنتهي مرارة الأيام؟
ربما لا يملك أحد وعدًا بذلك، ولا وصفة سحرية تختصر الطريق. لكنني أعرف أن المرارة لا يمكن أن تكون قدرًا أبديًا، وأن الشعوب التي تستعيد ثقتها بنفسها وإرادتها وقدرتها على المواجهة والتحرر والتغيير تستطيع، مهما طال الزمن، أن تفتح طريقًا مختلفًا.
انتهت القهوة... أما مرارة الواقع، فلا بد أن تنتهي يوم يستعيد الشعب ثقته بنفسه، ويقرر أن يكون شريكًا في صناعة مصيره، لا مجرد شاهد عليه.











08/29/2026 - 04:51 AM





Comments