د. سنية الحسيني
لعل اتفاق مكة، الذي وقّع في السابع من آب الجاري، ليس أول الخطوات في سلسلة بدأت تتخذها دول مركزية في المنطقة تعكس تحولات إستراتيجية مهمة. ورغم أن التحديات التي تواجه دول المنطقة ليست جديدة، لكنها تصاعدت بشكل طردي ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. شكلت الحرب الإسرائيلية على غزة دون أدنى شك، وتمددها للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران خلال حقبة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، الحافز الأبرز لدول المنطقة لإعادة النظر في حساباتها الإستراتيجية الخارجية وأدوارها ومكانتها في المنطقة.
وتشمل طبيعة الاتفاق الردعي الأمني الجماعي لهذه الدول تحديداً معنى خاصاً وتطوراً مهماً في معادلات الأمن وإستراتيجيات الردع في منطقة لطالما عملت الولايات المتحدة فيها على ترسيخ أخرى مختلفة. يمكن اعتبار هذا الاتفاق رسالة خاصة للولايات المتحدة، خصوصاً أنه يدعو دولاً وازنة أخرى للانضمام إليه، على رأسها مصر وقطر. تتشارك هذه الدول في عدد من الملامح تعكس مكانتها ونظامها العسكري والأمني والأخطار المحدقة بها والتحالفات الإقليمية ضدها، كي يفسر أهمية تحالفها، ومبتغاها وأسباب قلقها وتحركها لحماية نفسها. ويبقى التحدي كامناً في تطبيق الاتفاق، الذي يعتمد على تنظيم آلية تفعيل بند الأمن الجماعي، أي اعتبار الاعتداء على دولة من هذا التحالف اعتداءً على باقي الدول. فهل ينجح الاتفاق في المهمة المعقدة والمصيرية في فرض معطيات جديدة تؤخذ في الحسبان في معادلات القوة في المنطقة التي لطالما حددت الولايات المتحدة وحدها أوزانها؟.
قد يكون الثقل والمكانة التي تمتلكها الدول الثلاث في اتفاق مكة السبب الأهم في الالتفات إليه. فقد جمع الاتفاق المملكة السعودية وتركيا وباكستان. تمتلك السعودية مكانة اقتصادية وسياسية وازنة في الإقليم، وتعد تركيا صاحبة الحضور الجيوسياسي والخبرة العسكرية التصنيعية الواعدة بصعود ملحوظ، فهي ثاني أقوى جيش في دول الناتو، بعد الولايات المتحدة. في حين تعتبر باكستان القوة النووية الوحيدة بين دول المنطقة من بين الدول العربية والإسلامية، وصاحبة تجربة قتالية طويلة، في صراع ممتد لعقود.
وتتشابه السعودية وتركيا بالانتماء العسكري للمدرسة الغربية، فالأولى تعتمد منذ عقود على المؤسسة الأميركية الدفاعية، بينما تعتبر الثانية أحد أركان حلف الناتو، والمدرسة الغربية العسكرية. تعد الدول الثلاث حلفاء للولايات المتحدة، وإن كان ذلك بدرجات متفاوته. وتتشارك الدول الثلاث في نظرتها التطويرية لإستراتيجية الدفاع المحلية، وإن تباين توقيت ذلك التطور لدى كل منها. فقد لجأت باكستان للتنويع بين مصادر الاعتماد العسكري على الخارج. وبعد أن كانت تعتمد على الولايات المتحدة بالكامل خلال الحرب الباردة، باتت اليوم شريكاً أساسياً للصين، التي تفوقت في ذلك على الولايات المتحدة. على جانب آخر تقف تركيا،
فرغم شراكتها بحلف شمال الأطلسي، إلا أنها تعمل أيضاً وفق منظومة دفاعية روسية، وقد تبنت ذلك منذ عقد تقريباً، وتمتلك اليوم بصمة عسكرية مستقلة طورتها على مدار العقود الأخيرة، إلى جانب ارتباطاتها بالناتو. تعمل المملكة السعودية منذ سنوات على تطوير إستراتيجية تقوم على الاعتماد الذاتي في التصنيع، بما فيها الجانب العسكري. كما بدأت في تنويع مصادر ترسانتها العسكرية، بعد أن كانت تعتمد بالكامل على الولايات المتحدة في ذلك. اليوم تتطلع الدول الثلاث لمزيد من الاستقلالية في القرار الأمني والتسليحي وحتى التحالفات، ما يشكل تغيراً حقيقياً، ومعضلة للولايات المتحدة.
يمكن رصد إرهاصات بناء هذا النوع من اتفاقيات الدفاع الجماعي في المنطقة العام الماضي، بعد هجوم إسرائيل على قطر. في أيلول من العام الماضي وقّعت السعودية وباكستان اتفاقية دفاعية مشتركة، جاءت في إطار جلسة طارئة لدول المنطقة اجتمعت لمناقشة التصعيد الإسرائيلي ضد دولها. وفي نيسان الماضي، أي بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربها على إيران، دخل الاتفاق حيز النفاذ. وقبل أربعة أيام فقط من توقيع اتفاق مكة وافقت ١٤ دولة على الانضمام لاتفاق دفاعي بحري يضم بالإضافة للدول الثلاث مصر وقطر والبحرين والأردن والكويت واليمن، ودولاً أخرى.
وعودة لاتفاق مكة، أكد أطرافه أنه غير موجه ضد أي طرف، كما أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تصدر موقفاً رسمياً حوله رغم حساسيّته. تطورت العلاقات التركية الإيرانية عبر عقود عديدة، ورغم وجود منافسة بين قطبين إقليميَّين رئيسَين، إلا أن العلاقة بين البلدين تميزت بالتناغم، ولم تشارك تركيا في حصار إيران الذي تشنه الولايات المتحدة عليها منذ عقود. كما تعد العلاقة بين باكستان وإيران علاقة جيرة وتعاون، ولطالما تعاون البلدان في محاربة الإرهاب على الحدود بينهما. وأطلعت باكستان إيران على تفاصيل الاتفاق في بادرة تعكس علاقة البلدين. ورحبت السعودية بالتصالح مع إيران في العام ٢٠٢٣، ورفضت التعاون مع الولايات المتحدة في الحرب عليها، بل سعت مراراً لإقناع واشنطن بعدم مهاجمتها.
على الجانب الآخر، ترفض باكستان والسعودية التطبيع مع إسرائيل، وتتصاعد الخلافات والتناقضات التركية الإسرائيلية بشكل مطّرد سريع خلال السنوات الأخيرة. تدعم باكستان الفلسطينيين، وانتقدت بشدة حرب الإبادة عليهم في غزة. وتعتبر أن العلاقات الأميركية والإسرائيلية المتصاعدة مع الهند، الندّ التاريخي لها، تشكل تهديداً مباشراً عليها. وتدعم الولايات المتحدة الهند في مواجهة الصين في آسيا، وتقود العديد من التحالفات ضدها في الإقليم.
على الجانب الآخر تواجه السعودية دعماً أميركياً إسرائيلياً للإمارات في المنطقة، والتي باتت تتحدى السعودية علانية في اليمن والسودان. كما تواجه السعودية خطر التمدد الإسرائيلي في البحر الأحمر، بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال وتواجدها في ميناء بربرة، وتحالفها مع أثيوبيا، وهو ما يشكل خطراً إستراتيجياً في عقر دارها. على جانب ثالث، تتواجه إسرائيل مع تركيا على الأراضي السورية، ففي حين تدعم تركيا النظام السوري، تهاجمه إسرائيل وتتمدد في الأراضي السورية على حساب سيادة سورية، وتعمل على إضعاف النظام. وتتشارك السعودية وتركيا في الدعم السياسي للنظام الحالي في سورية. كما تواجه تركيا التحالف الإسرائيلي اليوناني القبرصي ضدها لمحاصرتها في البحر الأبيض المتوسط.
لا يعد توقيع اتفاق دفاعي أمني في المنطقة لثلاث دول حليفة للولايات المتحدة تطوراً عابراً، فقد يعكس تحولات إستراتيجية مهمة في إقليم الشرق الأوسط. قد يرتبط ذلك بالدور الأميركي في المنطقة، بعد أن وضعت إستراتيجية للالتفاف عنها، وترتيب معادلاتها، لترتبط دولها بإسرائيل ضد إيران، فجاءت النتائج على عكس طموحاتها. ويمكن أن ينظر إلى أن تلك التحولات الإقليمية بمنظور أوسع يتعلق بالتحوّل في توازن القوى الدولي، وما بعد القطبية الأحادية.











08/13/2026 - 09:58 AM





Comments