المارونية السياسية بين أسطورة الهيمنة وحقيقة الرافعة اللبنانية
بِقلم الكاتب: فرنسوا الجردي
من «بيت أبي ضربت» إلى سؤال أكبر: ماذا خسر لبنان عندما سقط توازنه؟
«من بيت أبي ضُربت»...
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى اختصاراً مناسباً لرواية سياسية تقول إن الموارنة دفعوا ثمن أخطائهم، وإن القوى التي اصطدمت بهم كانت تنتقم من منظومة احتكرت القرار اللبناني طويلاً. لكن التاريخ أكثر تعقيداً من هذه الخلاصة.
فالمسألة ليست في الدفاع عن أخطاء «المارونية السياسية»، ولا في تبرئة كل القوى المسيحية من مسؤولياتها في الحرب اللبنانية، ولا في تحويل التاريخ إلى محاكمة طائفية متأخرة. المسألة الأعمق هي سؤال آخر:
ماذا حدث للبنان عندما انتقل من دولة كان فيها الموارنة يشكلون إحدى أهم روافعها السياسية والثقافية والاقتصادية، إلى دولة أصبحت فيها موازين القوة تُرسم تدريجياً خارج مؤسساتها؟ هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
أولاً: ما كانت «المارونية السياسية»؟
مصطلح «المارونية السياسية» يُستخدم عادةً لوصف مرحلة من تاريخ الجمهورية اللبنانية كان فيها الموقع الماروني، ولا سيما رئاسة الجمهورية، يتمتع بنفوذ سياسي واسع، في إطار نظام طائفي تأسس على توازنات دقيقة بين الطوائف.
بعد الاستقلال عام 1943، قام «الميثاق الوطني» عملياً على تفاهم بين رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح، على صيغة لبنانية تقوم على استقلال لبنان وعدم إلحاقه لا بالغرب ولا بالمحيط العربي، مع توزيع للسلطة بين الطوائف.
وهذا النظام لم يكن ديمقراطية مثالية، ولم يكن خالياً من المحسوبيات والامتيازات، لكنه أنتج، في ظروف إقليمية شديدة الاضطراب، نموذجاً مختلفاً عن معظم محيطه.
فلبنان لم يكن دولة دينية. ولم يكن دولة عسكرية. ولم يكن دولة الحزب الواحد.
كان دولة صغيرة مفتوحة على البحر والعالم، تقوم على التعدد، وعلى اقتصاد الخدمات والتجارة والتعليم والمصارف والسياحة.
وتشير دراسة قانونية تاريخية لمكتبة الكونغرس إلى أن الميثاق الوطني أنهى الانتداب الفرنسي، لكنه لم يحل مشكلة الانقسام الطائفي بصورة نهائية، وهو ما ظهر لاحقاً في أزمات 1958 ثم الحرب الأهلية عام 1975. وهنا يجب أن نكون منصفين:
المارونية السياسية لم تكن وحدها لبنان.
كان هناك مسلمون لبنانيون شاركوا في بناء الدولة، ورجال أعمال من مختلف الطوائف، ومثقفون وصحافيون وأطباء ومهندسون ومصرفيون من جميع المكونات. لكن الدور الماروني كان، بحكم موقع رئاسة الجمهورية وبحكم نشوء لبنان الكبير والامتداد الثقافي والمؤسساتي للمسيحيين، أحد أعمدة النموذج اللبناني. وهذا هو الفارق الذي ينبغي ألا يضيع في السجال الطائفي.
ثانياً: لبنان الذي لم يكن يشبه محيطه
في العقود التي تلت الاستقلال، تحوّل لبنان إلى مساحة اقتصادية وثقافية مختلفة عن معظم العالم العربي.
بيروت أصبحت مركزاً للمصارف والتجارة والنشر والإعلام. الجامعات والمدارس والمستشفيات اللبنانية اكتسبت حضوراً إقليمياً. السياحة تحولت إلى مورد أساسي. المصارف اللبنانية أصبحت جزءاً من شبكة مالية إقليمية واسعة. والقطاع الخاص لعب دوراً أكبر بكثير من الدولة في الاقتصاد. وكانت بيروت تستقبل العرب والأجانب، وتجمع في فضائها الثقافي العربي والغربي في آن واحد. ولهذا لم يكن وصف لبنان بـ«سويسرا الشرق» مجرد قصيدة رومانسية بالكامل.
كان وراءه واقع اقتصادي وثقافي حقيقي، وإن كان هذا الواقع غير متساوٍ بين المناطق والطوائف والطبقات. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن نغفل أن الدولة اللبنانية كانت تعاني منذ البداية من هشاشة بنيوية، وأن النمو الاقتصادي لم يصل بالعدالة نفسها إلى كل المناطق.
لكن المقارنة التاريخية تظل صارخة:
كان لبنان يمتلك نموذجاً اقتصادياً مفتوحاً ومجتمعاً متعدد الثقافات في منطقة تتجه بصورة متزايدة نحو الانقلابات والعسكرة والأيديولوجيات المغلقة.
ثالثاً: عندما بدأت الدولة تفقد احتكارها للسلاح
هنا تبدأ نقطة التحول. لم تكن الحرب اللبنانية نتيجة عامل واحد. لا يمكن اختزالها في «الموارنة»، ولا في الفلسطينيين وحدهم، ولا في اليسار، ولا في سوريا، ولا في إسرائيل، ولا في العوامل الطائفية.
الحرب كانت نتيجة تراكم طويل:
أزمة النظام الطائفي.
اختلالات اجتماعية واقتصادية.
صعود القومية العربية.
الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
تنامي السلاح الفلسطيني داخل لبنان.
تدخلات سورية وإسرائيلية وإقليمية.
وتحوّل لبنان تدريجياً إلى ساحة للصراع بدلاً من أن يكون دولة تضبط الصراع على أرضها.
لكن إحدى أخطر اللحظات كانت اتفاق القاهرة عام 1969.
فالترتيبات التي نشأت في ذلك الوقت سمحت بوجود مسلح فلسطيني داخل لبنان وبترتيبات أمنية خاصة في المخيمات، قبل أن يُعلن مجلس النواب اللبناني إلغاء الاتفاق عام 1987. وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن الاتفاق أصبح لاحقاً جزءاً من الإشكالية المرتبطة بوجود الفصائل المسلحة داخل المخيمات وبضعف حضور الدولة فيها.
وهنا يجب قول شيء واضح:
عندما يصبح على أرض الدولة سلاح لا يخضع بالكامل للدولة، تبدأ الدولة بالتراجع حتى لو بقي علمها ومؤسساتها.
وهذه قاعدة سياسية تتجاوز الطوائف.
رابعاً: الفلسطينيون لم يكونوا سبب الحرب الوحيد... لكن السلاح الفلسطيني كان عاملاً مفصلياً
من الظلم التاريخي تحميل الفلسطينيين كجماعة مسؤولية الحرب اللبنانية.
الفلسطينيون كانوا لاجئين يحملون قضية وطنية عادلة، وكثير منهم عاشوا في لبنان في ظروف قاسية.
لكن التفريق ضروري بين الشعب الفلسطيني وبين تحول لبنان إلى منصة عسكرية للفصائل الفلسطينية.
فبعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن، أصبح لبنان إحدى ساحات وجودها الرئيسية.
وتصاعدت العمليات المسلحة من الأراضي اللبنانية، كما تصاعدت الردود الإسرائيلية، فأصبح الجنوب اللبناني جزءاً من الحرب العربية ـ الإسرائيلية.
وقد وثّقت الأمم المتحدة مراراً خلال تلك المرحلة الصراع المسلح في الجنوب، كما وثقت لاحقاً الحاجة إلى استعادة الحكومة اللبنانية سيطرتها الكاملة على الأراضي اللبنانية.
وهكذا بدأ لبنان يدفع ثمن حرب ليست حربه وحده.
تحول البلد من دولة لها حدود إلى ساحة لها حدود مفتوحة على صراعات الآخرين.
وهذه ربما كانت أخطر نقطة في التاريخ اللبناني الحديث.
خامساً: عندما التقى اليسار العابر للحدود مع السلاح العابر للحدود
كان اليسار اللبناني جزءاً من الحياة السياسية والثقافية اللبنانية، ولا يصح اختزاله كله في العمالة أو في مشروع تدميري.
لكن جزءاً من اليسار الراديكالي في السبعينيات، إلى جانب حركات قومية عربية وفلسطينية، تبنى رؤية ترى أن لبنان يجب أن يكون جزءاً من مشروع إقليمي أكبر، لا دولة ذات خصوصية وسيادة مستقلة.
وفي المقابل، رأت قوى مسيحية عديدة أن ما يجري هو محاولة لإعادة تعريف لبنان خارج الصيغة التي تأسس عليها.
وهكذا تحول الخلاف من خلاف على الإصلاح السياسي إلى صراع على هوية الدولة نفسها.
وكانت النتيجة كارثية.
كلما تراجعت الدولة، تقدمت الميليشيا.
وكلما تراجعت المؤسسات، تقدم الشارع المسلح.
وكلما ضعف القرار اللبناني، ارتفع القرار الخارجي.
سادساً: الحرب لم تسقط المارونية السياسية فقط... بل أسقطت لبنان الذي كان قائماً معها
وهنا أصل الفكرة.
لقد سقطت المارونية السياسية، بكل ما لها وما عليها.
لكن هل جاء البديل بدولة أكثر عدالة؟
هل أصبحت الدولة أكثر علمانية؟
هل انتهى النفوذ الطائفي؟
هل انتهى تدخل الخارج؟
هل اختفى السلاح خارج الدولة؟
هل أصبح المواطن أكثر أمناً؟
هل أصبح لبنان أكثر ازدهاراً؟
الجواب التاريخي الصريح هو: لا.
اتفاق الطائف أعاد توزيع الصلاحيات داخل النظام، وقلّص كثيراً من صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني، وأعاد صياغة التوازنات الدستورية بين الطوائف. لكنه لم يُنهِ النظام الطائفي ولم يحوّل لبنان إلى دولة مدنية مكتملة.
بل إن لبنان دخل بعد الحرب في مرحلة جديدة من الوصاية السورية والمحاصصة السياسية والاقتصادية.
وهكذا استُبدلت «هيمنة» بمراكز نفوذ متعددة.
ولم تتحول الدولة إلى دولة مؤسسات.
سابعاً: من الوصاية السورية إلى صعود حزب الله
ثم جاء التحول الأكثر خطورة.
حزب الله لم ينشأ في فراغ.
نشأ في سياق الاحتلال الإسرائيلي، والحرب الأهلية، وصعود الثورة الإيرانية، وتحول البيئة الشيعية اللبنانية إلى قوة سياسية وعسكرية منظمة.
ومن حق اللبنانيين أن يتذكروا أن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي حظيت بتأييد واسع، وأن الانسحاب الإسرائيلي من معظم الجنوب عام 2000 كان حدثاً مفصلياً.
لكن السؤال الذي بقي بلا جواب هو:
ماذا بعد انتهاء الاحتلال؟
إذا كان مبرر السلاح هو الاحتلال، فماذا يحدث عندما ينسحب الاحتلال؟
هنا ظهرت المشكلة البنيوية.
فبدلاً من أن يتحول السلاح تدريجياً إلى الدولة، بقيت قوة عسكرية مستقلة عن الدولة.
وبذلك لم تعد المشكلة مجرد مقاومة.
أصبحت القضية قضية ازدواجية سيادة.
دولة لها جيش.
وحزب له جيش.
دولة لها سياسة خارجية.
وحزب يمتلك علاقات إقليمية واستراتيجية عسكرية مستقلة.
دولة يفترض أن تقرر الحرب والسلم.
وقوة سياسية ـ عسكرية تستطيع أن تجر لبنان إلى مواجهة واسعة.
وهنا انتقل لبنان من مأساة الميليشيات المتعددة إلى مأساة أكثر تعقيداً:
ميليشيا واحدة شديدة التنظيم والقوة تمتلك مشروعاً إقليمياً.
ثامناً: من لبنان العربي إلى لبنان في مدار ولاية الفقيه
لا يمكن فهم حزب الله بعيداً عن إيران.
الحزب نفسه أعلن في وثيقته الأولى ارتباطه الفكري والسياسي بالثورة الإسلامية الإيرانية وولاية الفقيه.
وهذا لا يعني أن كل شيعي لبناني تابع لإيران، وهذه نقطة يجب التشديد عليها.
الشيعة اللبنانيون جزء أصيل من النسيج اللبناني، ولهم تاريخ طويل في الدفاع عن لبنان وفي الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية.
المشكلة ليست في الطائفة.
المشكلة في تحويل لبنان إلى جزء من مشروع إقليمي عابر للحدود.
وهنا يصبح السؤال:
هل لبنان وطن؟
أم ساحة؟
هل القرار لبناني؟
أم مرتبط بمحور إقليمي؟
هل الحرب قرار الدولة؟
أم قرار قوة سياسية مسلحة؟
هذه الأسئلة لا علاقة لها بالمذهب.
إنها أسئلة سيادة.
تاسعاً: الحروب التي لم يعد لبنان يملك قرارها
دخل حزب الله في حروب وصراعات خارج الحدود اللبنانية، وكان أبرزها الحرب السورية.
وهنا بدأ مفهوم «القتال دفاعاً عن لبنان» يتوسع إلى المشاركة في صراعات إقليمية معقدة.
ثم جاءت حرب 2023 وما تلاها من جبهة الجنوب، وصولاً إلى حرب 2024 وما خلفته من أضرار بشرية واقتصادية ونزوح ودمار.
ولا يمكن تجاهل أن إسرائيل تتحمل مسؤولية أعمال عسكرية ودماراً واسعاً داخل لبنان، وأن الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان ليست ظاهرة جديدة.
لكن المسؤولية الوطنية تقتضي أيضاً السؤال:
هل كان لبنان يملك قرار الحرب والسلم؟
إذا كانت الدولة لا تملك هذا القرار، فهي ليست دولة كاملة السيادة.
والنتيجة الاقتصادية كانت فادحة.
فالبنك الدولي قدّر في آذار 2025 أن الناتج المحلي الحقيقي للبنان انكمش بنحو 7.1% عام 2024، وأن الانخفاض التراكمي منذ 2019 اقترب من 40%.
كما قدّر البنك الدولي في تقييم آخر أن أضرار وخسائر حرب 2024 بلغت نحو 8.5 مليارات دولار، مع أضرار مادية بنحو 3.4 مليارات وخسائر اقتصادية بنحو 5.1 مليارات.
هذه ليست أرقاماً سياسية.
إنها أرقام بلد يدفع ثمن الحروب.
عاشراً: من سويسرا الشرق إلى بلد يواجه الفقر والانهيار
ربما تكون المفارقة الأكثر إيلاماً أن لبنان الذي عرف ازدهاراً مصرفياً وسياحياً وتعليمياً وثقافياً، أصبح اليوم يواجه واحدة من أعقد أزماته الاقتصادية والاجتماعية.
البنك الدولي أعلن أن نسبة الفقر في لبنان ارتفعت إلى نحو 44%، أي أكثر من ثلاثة أضعاف مستواها قبل عقد.
لكن من الخطأ تحميل كل ذلك للسلاح وحده.
فالانهيار المالي بعد 2019 ارتبط أيضاً بسنوات من سوء الإدارة والفساد والمحاصصة والعجز المالي والسياسات الاقتصادية غير المستدامة وانهيار القطاع المصرفي.
والبنك الدولي نفسه أشار إلى أن الأزمة ليست وليدة عامل واحد، بل هي حصيلة تراكمات بنيوية، بينها ضعف الحوكمة والصراع والعنف والنظام السياسي ـ الاقتصادي الذي سمح للنخب بالاستفادة من الموارد العامة والخاصة.
وهذا يقودنا إلى خلاصة أكثر إنصافاً:
لبنان لم يسقط لأن الموارنة خرجوا من السلطة فقط، ولم يسقط لأن المسلمين دخلوا إليها.
لبنان سقط لأن الدولة لم تستطع أن تنتقل من نظام المحاصصة إلى نظام المواطنة، ومن تعدد مراكز القوة إلى احتكار الدولة للسلاح والقرار.
الحادي عشر: المارونية السياسية كانت جزءاً من المشكلة... لكنها كانت أيضاً جزءاً من المعادلة التي صنعت لبنان المنفتح
ينبغي للمسيحي اللبناني أن يكون قادراً على نقد المارونية السياسية دون أن يخجل من تاريخ الموارنة.
كما ينبغي للمسلم اللبناني أن يستطيع نقد مرحلة ما بعد المارونية السياسية دون أن يشعر أن النقد موجه إلى طائفته.
فالمسألة ليست:
«الموارنة ضد المسلمين».
المسألة:
دولة ضد اللادولة.
وهنا يمكن إعادة قراءة التجربة المارونية بعيداً عن الشعارات.
كان للموارنة، عبر أحزابهم ومؤسساتهم ومدارسهم وجامعاتهم ومصارفهم ومستشفياتهم وصحافتهم وشبكاتهم الاغترابية، دور أساسي في بناء نموذج لبناني منفتح على أوروبا والغرب والعالم العربي.
وكان لهذا الانفتاح أثر اقتصادي وسياحي وثقافي كبير.
لكن المارونية السياسية نفسها أخطأت عندما لم تدرك في الوقت المناسب أن لبنان يتغير.
كان يجب إصلاح النظام قبل انفجاره.
وكان يجب توسيع المشاركة السياسية.
وكان يجب معالجة الفوارق الاجتماعية والمناطقية.
وكان يجب بناء دولة يشعر فيها المسلم والمسيحي والدّرزي والشيعي والعلوي أن الدولة وطنه، لا أن الطائفة هي ملاذه الوحيد.
وهذا هو الدرس الذي لم يتعلمه لبنان حتى اليوم.
الثاني عشر: المشكلة ليست في أن يكون للموارنة دور... بل في أن لا يكون لأحد دور فوق الدولة
ربما آن الأوان للتوقف عن استخدام «المارونية السياسية» كشتيمة تاريخية.
فإذا كانت المارونية السياسية تعني نظاماً أعطى الموارنة موقعاً أكبر من حجمهم الديموغرافي في مرحلة معينة، فهذا قابل للنقد والمراجعة.
أما إذا كانت تعني لبنان المنفتح، والجامعات، والمستشفيات، والمصارف، والسياحة، والصحافة الحرة، والاغتراب، والاقتصاد الحر، والتعدد الثقافي، والعلاقات العربية والدولية، فلا يجوز اختزال هذه الإنجازات في طائفة واحدة.
فهي أصبحت ملكاً للبنان كله.
المشكلة ليست أن يكون الماروني قوياً.
ولا أن يكون السني قوياً.
ولا أن يكون الشيعي قوياً.
ولا أن يكون الدرزي قوياً.
المشكلة أن تكون الدولة ضعيفة.
الثالث عشر: لبنان لا يحتاج إلى استعادة المارونية السياسية... بل إلى استعادة الدولة
هذه هي الخلاصة التي يجب أن يصل إليها المثقف والسياسي والمواطن العادي.
ليس المطلوب العودة إلى عام 1943.
وليس المطلوب إلغاء دور المسلمين.
وليس المطلوب إخراج الشيعة من الحياة الوطنية.
وليس المطلوب بناء نظام مسيحي جديد.
وليس المطلوب الانتقام من أحد.
المطلوب شيء أكثر صعوبة:
استعادة لبنان الدولة.
دولة لا توجد فيها ميليشيا فوق الجيش.
دولة لا توجد فيها طائفة فوق الدستور.
دولة لا يملك فيها حزب قرار الحرب والسلم.
دولة لا تصبح أرضها منصة لصراعات الآخرين.
دولة لا يكون فيها الولاء الخارجي أقوى من الولاء الوطني.
دولة يكون فيها السلاح حصراً في يد المؤسسات الشرعية.
دولة تحمي الجنوب بدل أن تستخدمه ساحة رسائل إقليمية.
دولة تستعيد ثقة اللبناني والمغترب والمستثمر والسائح والطالب والطبيب والمهندس.
الخاتمة: لم تكن المشكلة أن الموارنة حكموا لبنان... بل أن لبنان فقد التوازن
هناك فرق بين الحنين إلى «زمن المارونية السياسية» وبين دراسة ذلك الزمن.
الحنين وحده لا يصنع دولة.
والجلد الذاتي لا يصنع دولة أيضاً.
التاريخ الأكثر إنصافاً يقول إن لبنان عاش مرحلة كان فيها للموارنة دور قيادي كبير، لكنهم لم يكونوا وحدهم صانعي النجاح.
ويقول أيضاً إن هذا النموذج أخفق في التكيف مع التحولات الاجتماعية والسياسية.
ثم جاءت قوى لبنانية وإقليمية وفلسطينية ويسارية وقومية وإسلامية، وتداخلت مع تدخلات عربية ودولية وإسرائيلية وسورية وإيرانية، فأصبح لبنان مسرحاً لصراعات أكبر منه.
وكان الثمن انهيار الدولة.
ثم جاءت التسويات، فاستُبدلت موازين بموازين، ومحاصصة بمحاصصة، ووصاية بنفوذ، حتى وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها السؤال الأساسي:
من يملك قرار لبنان؟
وهذا السؤال هو جوهر القضية كلها.
ليس السؤال من كان يحكم لبنان بالأمس.
بل:
من سيحكم لبنان غداً؟
هل يحكمه الدستور؟
أم السلاح؟
هل تحكمه الدولة؟
أم المحاور؟
هل يكون لبنان وطناً؟
أم ساحة؟ وهنا، ربما، نستطيع أن نفهم العبارة:
«من بيت أبي ضُربت».
فإذا كان اللبنانيون قد أخطأوا عندما حارب بعضهم بعضاً وأسقطوا صيغة كانت تحتاج إلى إصلاح، فإن الخطأ الأكبر كان الاعتقاد أن سقوط طرف لبناني سيؤدي تلقائياً إلى انتصار لبنان.
لقد أثبت التاريخ العكس. عندما سقط التوازن، لم ينتصر فريق. سقط لبنان.
وإذا كان ثمة درس واحد يجب أن يبقى للأجيال، فهو أن لبنان لا يحتاج إلى مارونية سياسية جديدة، ولا إلى شيعية سياسية مسلحة، ولا إلى سنية سياسية، ولا إلى درزية سياسية.
لبنان يحتاج إلى جمهورية واحدة، وقرار واحد، وجيش واحد، ودولة واحدة، وولاء وطني واحد. وعندها فقط يمكن للبنان أن يستعيد ما كان يميزه:
لا «سويسرا الشرق» كعبارة نوستالجية، بل لبنان الحر، المنفتح، المتعدد، القادر على أن يكون وطناً لأبنائه لا ساحة لحروب الآخرين.










08/08/2026 - 05:28 AM





Comments