الدولة تُفرَّغ من شراكتها... الإنذار الإداري الصامت الذي يهدّد توازن لبنان

08/06/2026 - 12:33 PM

San Diego

 

الحضور المسيحي داخل الوظائف العامة

بين الشغور والتكليف وتأخير التعيينات... هل تفقد الإدارة اللبنانية روحها التوافقية؟

 

تحقيق خاص - إعداد جورج ديب

في تاريخ الدول، لا تسقط المؤسسات دائماً بصوت المدافع أو بقرارات الانقلاب، فأحياناً يبدأ الانهيار من الداخل، بصمت، عبر فراغات صغيرة تتراكم مع الوقت، حتى تتحول إلى واقع جديد يصعب تغييره. وفي لبنان، حيث قامت الدولة على معادلة دقيقة بين مكوّناتها، يعود ملف الإدارة العامة ليطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل الشراكة الوطنية، وحول قدرة المؤسسات على الحفاظ على التوازن الذي شكّل أحد أعمدة النظام اللبناني منذ قيامه.

اليوم، لا يدور النقاش فقط حول تعيين موظف هنا أو شغور مركز هناك، بل حول سؤال أعمق: هل ما زالت الإدارة اللبنانية تعكس صورة الدولة التي تقوم على المشاركة والتوازن، أم أن تراكم الأزمات السياسية والفراغات الإدارية بدأ يغيّر تدريجياً طبيعة حضور المكونات اللبنانية داخل مؤسساتها؟

الحضور المسيحي داخل الوظائف العامة

هذا السؤال عاد بقوة بعد التقارير التي أعدتها جمعية لابورا وأرسلتها إلى عدد من المرجعيات الروحية والسياسية والوزارية والنيابية والحزبية، والتي حذّرت فيها من استمرار ما وصفته بـ "النزيف الخطير" في الحضور المسيحي داخل الوظائف العامة.

وبحسب ما نشرته صحيفة نداء الوطن بتاريخ 6 آب 2026، فإن تقارير لابورا تضمنت رصداً لسلسلة من الحالات في عدد من الوزارات والإدارات العامة، اعتبرت الجمعية أنها تعكس تراجعاً في المشاركة المسيحية في بعض المواقع الإدارية، إضافة إلى اعتراضها على آليات تعيين أو تكليف ترى أنها لا تراعي مبدأ التوازن والشراكة.

هذه التقارير، بغض النظر عن اختلاف المواقف حول تفسيرها، أعادت فتح ملف حساس لطالما شكّل جزءاً من النقاش اللبناني: كيف يمكن الحفاظ على التوازن الوطني داخل مؤسسات الدولة، من دون تحويل الإدارة إلى نظام حصص طائفية، وكيف يمكن تطبيق مبدأ الكفاءة مع احترام خصوصية الصيغة اللبنانية؟

منذ نشأة لبنان... الإدارة كانت جزءاً من معادلة الشراكة

لم يكن حضور المسيحيين في الإدارة اللبنانية وليد مرحلة حديثة، بل ارتبط تاريخياً بتطور الدولة اللبنانية الحديثة منذ عهد المتصرفية ثم مرحلة الانتداب الفرنسي وقيام دولة لبنان الكبير عام 1920.

في تلك المراحل، نشأت مؤسسات الدولة الحديثة على أساس وجود نخب متعلمة لعبت دوراً أساسياً في بناء الإدارات والقضاء والتعليم والقطاعات العامة. وكان للمسيحيين، وخصوصاً الموارنة، حضور بارز في الإدارة والتعليم والقضاء، نتيجة عوامل تاريخية واجتماعية مرتبطة بانتشار المؤسسات التعليمية والبعثات الأجنبية.

لكن لبنان لم يكن يوماً دولة قائمة على هيمنة مكوّن واحد فقط، بل كان نظامه السياسي مبنياً على التوازنات بين الجماعات اللبنانية المختلفة. ومع تطور الدولة بعد الاستقلال، أصبحت الوظيفة العامة إحدى المساحات التي تعكس التوازن الوطني، خصوصاً في المواقع العليا التي ترتبط مباشرة بعمل الدولة وصناعة القرار.

غير أن الحرب اللبنانية وما تبعها من تحولات سياسية وأمنية واقتصادية غيّرت الكثير من قواعد اللعبة. فبعد الحرب، جاء اتفاق الطائف عام 1989 ليعيد تنظيم العلاقة بين اللبنانيين، ويضع أسساً جديدة تقوم على إنهاء الامتيازات الطائفية التقليدية، مقابل تثبيت مبدأ المناصفة في المواقع القيادية. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة عنوانها: الانتقال من نظام الغلبة إلى نظام الشراكة.

الدستور والطائف... بين مبدأ المواطنة وواقع التوازن

يشكل الدستور اللبناني الإطار القانوني الذي ينظم علاقة المواطنين بالدولة. فالمادة السابعة من الدستور تؤكد أن اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون فرق بينهم.

لكن النظام اللبناني، بحكم تركيبته التاريخية، لم يكتفِ بمبدأ المساواة المجردة، بل أضاف بعداً توافقياً يتعلق بتمثيل الطوائف في مؤسسات الدولة. وجاء اتفاق الطائف ليؤكد في المرحلة الانتقالية مبدأ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مجلس النواب، كما نص على اعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة، مع مراعاة مقتضيات الوفاق الوطني في وظائف الفئة الأولى.

المشكلة التي واجهها لبنان خلال العقود الماضية هي الفجوة بين النص والتطبيق. فمن جهة، هناك دعوة محقة إلى بناء دولة حديثة تقوم على الكفاءة بعيداً عن الانتماءات الطائفية.

ومن جهة أخرى، هناك واقع سياسي واجتماعي يجعل تجاهل التوازنات اللبنانية أمراً يؤدي إلى فقدان الثقة لدى مكونات أساسية في المجتمع. ولهذا، فإن التحدي الحقيقي ليس الاختيار بين الكفاءة والتوازن، بل بناء نظام يضمن الاثنين معاً: الكفاءة شرط أساسي، والشراكة ضمانة للاستقرار.

لابورا ترفع الإنذار: ماذا تقول التقارير؟

تعتبر جمعية لابورا أن ملف الوظيفة العامة يشكل أحد أبرز الملفات التي تحدد مستقبل الحضور المسيحي في الدولة. ومنذ سنوات، تعمل الجمعية على متابعة أوضاع الموظفين، وتشجيع الشباب المسيحي على التقدم إلى مباريات مجلس الخدمة المدنية، ورصد التعيينات والشواغر في الإدارات العامة. وفي التقارير الأخيرة المنسوبة إليها، والتي نشرتها صحيفة "نداء الوطن"، عرضت الجمعية مجموعة من الحالات التي ترى أنها تؤكد وجود خلل في التوازن الإداري. ومن بين الملفات التي تناولتها:

- بعض المراكز في وزارة الطاقة والمياه، حيث أشارت إلى تغييرات في مواقع إدارية وتكليفات تعتبر أنها أثرت على التوازن داخل الوزارة.

- ملفات مرتبطة بـ وزارة الصحة، تحدثت فيها عن توظيفات تعتبر الجمعية أنها لم تعكس التوازن المطلوب.

- وضع بعض المراكز في مطار بيروت والهيئات المرتبطة بالطيران المدني.

- ملفات في وزارة المالية، وزارة السياحة، وزارة الزراعة، ووزارة العدل.

وتعتبر لابورا أن استمرار الشغور أو اعتماد التكليف لفترات طويلة قد يؤدي عملياً إلى تغيير واقع الإدارة، لأن الموقع الذي يبقى شاغراً لسنوات قد يفقد دوره التقليدي ويصبح مرتبطاً بمن يدير المرحلة المؤقتة.

في المقابل، يرى مؤيدون لمبدأ الإصلاح الإداري أن الحل لا يكون عبر تثبيت التوزيع الطائفي للوظائف، بل عبر وضع معايير واضحة للتعيين تعتمد الكفاءة والشفافية، مع احترام النصوص الدستورية التي ترعى التوازن الوطني.

الوكالة... مشكلة إدارية أم أداة سياسية؟

من أكثر النقاط التي يثيرها هذا الملف قضية التكليف بالوكالة. ففي أي دولة، يكون التكليف إجراءً مؤقتاً لمعالجة فراغ طارئ. لكن في لبنان، تحولت الوكالة في العديد من المواقع إلى وضع دائم. وهنا تكمن المشكلة. فالموظف المكلّف قد يبقى سنوات في موقعه من دون تثبيت، بينما يبقى المركز الأصلي شاغراً.

هذا الواقع يطرح أسئلة حول استقلالية الإدارة، وحول مدى قدرة المؤسسات على العمل وفق قواعد ثابتة بعيداً عن التجاذبات السياسية. كما أنه يخلق شعوراً لدى بعض الموظفين بأن مستقبلهم الإداري لا يرتبط فقط بالكفاءة، بل أيضاً بالتوازنات السياسية التي تحيط بمواقعهم.

الأزمة ليست مسيحية فقط... إنها أزمة دولة

رغم أن النقاش الحالي يتمحور حول تراجع الحضور المسيحي في بعض المواقع الإدارية، فإن جوهر الأزمة يتجاوز أي طائفة. فالدولة التي لا تعتمد قواعد واضحة في التعيين تضعف أمام الجميع. والمواطن الذي يشعر أن الإدارة لا تعمل وفق القانون يفقد ثقته بها، أياً كان انتماؤه. كما أن تحويل المؤسسات إلى ساحات نفوذ سياسي يؤدي إلى ضرب مفهوم الدولة نفسها. فالإدارة ليست ملكاً لطائفة أو حزب أو فريق سياسي. هي ملك اللبنانيين جميعاً. ولهذا، فإن حماية التوازن لا يجب أن تُفهم على أنها دفاع عن امتيازات طائفية، بل دفاع عن عقد وطني يمنع أي مكوّن من الشعور بأنه مستبعد من مؤسسات الدولة.

المسؤولية السياسية... أين القيادات؟

في هذا الملف، لا تقع المسؤولية على طرف واحد. فالسلطات السياسية المتعاقبة تتحمل مسؤولية تأخير الإصلاحات والتعيينات.

والقوى السياسية، بما فيها القوى المسيحية، تتحمل مسؤولية عدم بناء رؤية موحدة وطويلة الأمد حول مستقبل الإدارة.

فالاعتراض على خسارة موقع هنا أو هناك لا يكفي. المطلوب استراتيجية وطنية تقوم على متابعة ملف الوظيفة العامة، دعم الكفاءات، والمطالبة بتطبيق القانون. كما أن المرجعيات الروحية أمام مسؤولية أخلاقية في الدفع نحو الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، بعيداً عن الحسابات السياسية اليومية.

الدولة لا تُحمى بالصمت

إن ما يطرح اليوم حول الإدارة اللبنانية ليس مجرد خلاف على مراكز ووظائف، بل نقاش حول مستقبل الدولة نفسها. فحين يصبح الشغور أمراً طبيعياً، وحين تتحول الوكالة إلى قاعدة، وحين تصبح التعيينات رهينة التجاذبات، فإن الخطر لا يصيب فئة واحدة، بل يصيب فكرة الدولة. إن التحذيرات التي أطلقتها جمعية لابورا تستحق نقاشاً وطنياً مسؤولاً، بعيداً عن المبالغات أو الإنكار، لأن معالجة الخلل تبدأ أولاً بالاعتراف بوجود مشكلة تحتاج إلى حل.

لبنان لا يحتاج إلى إدارة موزعة بين الطوائف، ولا إلى إدارة تسيطر عليها القوى الأقوى، بل إلى إدارة وطنية حديثة تحترم الكفاءة وتحفظ الشراكة. فالعدالة الإدارية ليست مطلباً فئوياً، بل شرطاً لبقاء الدولة. وفي النهاية، لا تُفقد الأوطان توازنها في لحظة واحدة، بل عندما تتراكم الاختلالات الصغيرة ويعتاد الناس عليها.

ومن هنا، فإن حماية مؤسسات الدولة ليست مسؤولية المسيحيين وحدهم، ولا المسلمين وحدهم، بل مسؤولية كل لبناني يريد وطناً لا يشعر فيه أي مواطن أنه ضيف في دولته.

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment