تحقيق خاص من اعداد ليلى أبو حيدر
في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتداخل فيه الأزمات الدولية، تستضيف بيروت تايمز الباحثة والمحللة السياسية سيلفانا سمعان، المتخصصة في العلاقات الدولية والدبلوماسية والأمن الدولي، في حوار حول إعادة تشكيل موازين القوة عالميًا، وانعكاسات هذه التحولات على الشرق الأوسط ولبنان.
تستند سمعان إلى مقاربة تحليلية تجمع بين قراءة التحولات الاستراتيجية، وفهم طبيعة القوة الجديدة، ودور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إعادة صياغة أدوات النفوذ وصناعة القرار. في هذا اللقاء، تناقش أبرز التحولات الدولية الراهنة، ومستقبل المنطقة، وتحديات بناء الدولة والإصلاح في لبنان.
والى الحوار الشيق:
في ظل تشابك المشهد السياسي العالمي وتسارع الأحداث، ما الذي يجعل فهم التحولات السياسية اليوم أكثر تحديًا؟
كثيرون يقرؤون السياسة من خلال ما يظهر أمامهم: أزمة، انتخابات، حرب، تصريح، أو شخصية تتصدر المشهد. لكن السياسة لا تُفهم دائمًا من خلال لحظتها الظاهرة، لأن الحدث، مهما كان كبيرًا، يبقى غالبًا نتيجة لمسارات أعمق سبقته. فالحدث هو الجزء المرئي من الصورة، لكنه ليس دائمًا الجزء الذي يفسرها.
ولهذا فإن أحد أكبر الأخطاء في قراءة العالم اليوم هو الخلط بين الحدث والتحول. فالحدث سريع وقابل للرواية، أما التحول الحقيقي فهو بطيء، متراكم، وقد لا يصبح واضحًا إلا بعد أن يصل إلى نقطة يصعب تجاهلها. كثير من الأزمات التي تبدو وكأنها ظهرت فجأة تكون في الواقع نتيجة سنوات من تغيرات اقتصادية أو اجتماعية أو مؤسساتية تحركت بعيدًا عن الضوء.
من هنا تأتي أهمية التاريخ، ليس باعتباره مجموعة إجابات جاهزة، بل باعتباره أداة لفهم الأنماط التي تصنع الحاضر. فالدول لا تبدأ من الصفر، والتحولات الكبرى لا تنتجها لحظة واحدة. خلف كل تغيير سياسي هناك تراكمات مرتبطة بالمصالح، والهويات، والمؤسسات، وطريقة توزيع القوة داخل المجتمع.
ولكن التاريخ لا يجب أن يتحول إلى أداة للمقارنات السهلة. فليس كل حدث جديد نسخة عن حدث قديم، وليس كل أزمة تكرارًا للماضي. القيمة الحقيقية للتاريخ تكمن في فهم الآليات التي تتكرر: كيف تفقد المؤسسات شرعيتها، كيف تتغير علاقة المجتمع بالدولة، وكيف تنتقل موازين القوة بين الفاعلين.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا اختزال التحولات الكبرى في الأشخاص. فعندما يصعد تيار سياسي أو قائد جديد، يبدو أحيانًا وكأن الشخصية وحدها صنعت التحول. لكن القراءة تكشف أن هذه الشخصيات غالبًا تظهر عندما تكون هناك تحولات سبقتها: أزمات اقتصادية، تغيرات اجتماعية، فقدان ثقة بالمؤسسات، أو شعور لدى فئات معينة بأن النظام القائم لم يعد يعبر عنها. القائد قد يصبح وجهًا للتحول، لكنه ليس دائمًا مصدره الوحيد.
ولكن: لماذا يستمر اختزال السياسة بهذه الطريقة؟ ومن يستفيد من أن تُقرأ الأحداث من خلال الأشخاص بدل البنى؟
الاستفادة ليست متساوية بين الفاعلين. فالسلطة القائمة تمتلك عادة أدوات أكبر لصناعة السردية، من المؤسسات الرسمية إلى القدرة على تحديد أولويات النقاش العام. ففي مواجهة أزمة عميقة، قد يكون من الأسهل على نظام سياسي اختزال المشكلة في عامل خارجي أو ظرف استثنائي، لأن ذلك يؤجل مواجهة الأسئلة المرتبطة بالخيارات والسياسات التي تراكمت عبر سنوات.
أما المعارضة، فقد تقع أحيانًا في المنطق نفسه، لكن بطريقة مختلفة. فاختزال الأزمة في شخص الحاكم أو في طرف سياسي واحد يحول الواقع إلى خصم واضح يمكن تعبئة الجمهور ضده. وهذه الآلية قد تكون فعالة سياسيًا لأنها تقدم تفسيرًا بسيطًا للغضب العام، لكنها قد تمنع أحيانًا رؤية شبكة الأسباب التي أنتجت الأزمة أصلًا.
وهنا يصبح الصراع الحقيقي ليس فقط على إدارة الواقع، بل على تفسيره. فالإعلام لا يعمل في فراغ، هو جزء من بيئة تكافئ السرعة والوضوح والصراع القابل للرواية. فالحدث الشخصي أو المواجهة المباشرة يمكن تحويلهما بسهولة إلى قصة تصل إلى الجمهور، بينما التحولات العميقة كتغير اقتصادي طويل، أو تحول ديموغرافي، أو إعادة توزيع للنفوذ تحتاج إلى وقت وسياق، ولذلك تجد صعوبة أكبر في منافسة اللحظة الإعلامية السريعة.
لكن من يحسم هذا الصراع على تفسير الواقع؟ ليس فقط من يملك الرواية الأكثر انتشارًا، بل من يجمع بين القوة المؤسساتية، والقدرة على الوصول إلى المنصات، والشرعية الاجتماعية، والقدرة على تقديم تفسير يتقاطع مع تجربة الناس ومخاوفهم. فالسردية تصبح مؤثرة عندما تجد بيئة تسمح لها بالانتشار، وعندما تمنح الناس إطارًا يفهمون من خلاله ما يحدث حولهم.
لذلك فإن التحدي في قراءة السياسة اليوم ليس الوصول إلى المعلومات، بل امتلاك القدرة على فهمها ضمن سياقها. فالخبر يجيب عن سؤال: ماذا حدث؟ أما التحليل فيحاول الإجابة عن أسئلة أعمق: لماذا حدث الآن؟ ما القوى التي جعلته ممكنًا؟ ومن يملك القدرة على تحديد معناه؟
فالسياسة ليست سلسلة أحداث منفصلة، بل منظومة تتفاعل فيها الجغرافيا والاقتصاد والتكنولوجيا والهوية والمؤسسات. ومن يفهم هذه المنظومة لا يكتفي بمتابعة ما يحدث، بل يحاول رؤية القوى العميقة التي تتحرك خلف الأحداث قبل أن تصبح مرئية.
كيف تغيّر دور الإعلام في فهم التحولات السياسية وصياغة الوعي المجتمعي، في عصر تتنافس فيه القوى على تشكيل الروايات وصناعة الإدراك العام؟.
التحول الأكبر في دور الإعلام اليوم لا يكمن فقط في السرعة أو انتشار المعلومات، بل في انتقاله من وظيفة نقل الحدث إلى وظيفة صناعة الإطار الذي يُفهم من خلاله الحدث. فالإعلام لا يحدد دائمًا ما يفكر فيه الناس فقط، لكنه يؤثر بشكل عميق في الطريقة التي يرون بها الواقع: ما الذي يُعتبر أزمة؟ ما الذي يُعتبر تهديدًا؟ من يُنظر إليه كفاعل مسؤول؟ ومن يُنظر إليه كطرف ثانوي؟
فالحدث الواحد يمكن أن يُقرأ من زوايا مختلفة. احتجاج اجتماعي، مثلًا، قد يُقدَّم باعتباره تهديدًا للاستقرار، أو باعتباره تعبيرًا عن أزمة في العلاقة بين المواطن والدولة. الفرق هنا ليس فقط في نقل المعلومات، بل في اختيار الإطار الذي يعطي الحدث معناه السياسي.
وهنا تظهر أهمية ما يُعرف في دراسات الإعلام بـ”التأطير”، فالإعلام لا يعمل فقط عبر ما يقوله، بل أيضًا عبر ما يختار التركيز عليه وما يستبعده. لذلك فإن المعركة الحديثة لم تعد فقط على امتلاك المعلومات، بل على امتلاك القدرة على تفسيرها وصياغة الرواية المرتبطة بها.
هذه الوظيفة الجديدة للإعلام تواجه تحديات غير مسبوقة. ففي ظل اقتصاد الانتباه، أصبحت المنصات الرقمية تكافئ غالبًا المحتوى القادر على إثارة التفاعل السريع، لا بالضرورة المحتوى الأكثر دقة أو عمقًا. المشكلة هنا ليست دائمًا في نية الصحفي أو المؤسسة الإعلامية، بل في الحوافز التي تحكم النظام نفسه: الخوارزمية لا تسأل فقط إن كان المحتوى صحيحًا، بل إن كان قادرًا على جذب الانتباه.
وهذا غيّر طبيعة العلاقة بين الحقيقة والانتشار. فالمعلومة الدقيقة التي تحتاج إلى سياق وتحليل قد تكون أقل انتشارًا من رواية مبسطة أو عاطفية. لذلك أصبح التحدي اليوم ليس فقط الوصول إلى المعلومات، بل امتلاك القدرة على التمييز بين المعلومة، والتفسير، ومحاولات التأثير.
كما أن تفتت البيئة المعلوماتية خلق تحديًا جديدًا. في السابق، كان الناس قد يختلفون في تفسير الحدث، لكنهم غالبًا ينطلقون من مجموعة وقائع مشتركة. أما اليوم، فالمنصات الرقمية والخوارزميات الشخصية خلقت بيئات معرفية متوازية، حيث قد يعيش كل مجتمع داخل رواية مختلفة للواقع نفسه. وهذا لا يؤدي فقط إلى زيادة الاستقطاب، بل يضعف أيضًا القدرة على إجراء نقاش سياسي مشترك، لأن الخلاف لم يعد دائمًا حول معنى الأحداث، بل حول ما إذا كانت الوقائع نفسها مشتركة.
وهنا يدخل عامل آخر لا يقل أهمية: من يملك القدرة على إنتاج الرواية. فالدول والمؤسسات والجهات غير الحكومية لم تعد تعتمد فقط على الإعلام التقليدي للوصول إلى الجمهور، بل أصبحت قادرة على إنتاج محتواها مباشرة عبر المنصات. وبالتالي أصبحت الحدود بين الإعلام، والدعاية، والعلاقات العامة أكثر تشابكًا، وأصبح الصراع على الإدراك العام جزءًا أساسيًا من صراع النفوذ.
حتى المؤسسات الإعلامية نفسها لا تعمل خارج تأثيرات القوة. فالتمويل، وتركيز ملكية وسائل الإعلام، والمصالح الاقتصادية والسياسية المرتبطة بها، كلها عوامل قد تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في الأولويات التحريرية. وفي كثير من الأحيان لا تكون الرقابة الأكثر تأثيرًا هي الرقابة الصريحة، بل الرقابة غير المباشرة التي تجعل بعض المواضيع تبدو أقل قابلية للنقاش منذ البداية.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى المجال الإعلامي، نواجه مرحلة جديدة أكثرحساسية. فإنتاج نصوص وصور وفيديوهات مقنعة أصبح أسهل بكثير، ما يجعل التحقق أكثر صعوبة، ويهدد إحدى ركائز الثقة العامة: القدرة على الاعتماد على الدليل المرئي أو السمعي. والخطر الأكبر ليس فقط انتشار المعلومات الكاذبة، بل الوصول إلى مرحلة يفقد فيها الناس الثقة بأي معلومة، حتى الصحيحة منها.
لكن رغم كل هذه التحولات، لا أعتقد أن الحل هو فقدان الثقة بالإعلام، بل إعادة تعريف دوره. فالإعلام الجاد لا يجب أن يكون مجرد ناقل للوقائع، ولا مجرد طرف في صراع الروايات، بل مساحة تساعد المجتمعات على فهم السياقات العميقة التي تنتج الأحداث.
ولهذا فإن الباحث والإعلامي لا يمكن أن يكتفيا بسؤال: “ماذا حدث؟” بل: من وضع هذا الحدث داخل هذا الإطار؟ لماذا ظهر بهذه الطريقة؟ ومن المستفيد من الطريقة التي يفهم بها المجتمع ما يحدث؟
لماذا لا تنجح بعض الدول في تحويل المعرفة إلى سياسات فعّالة رغم توفر المعلومات والخبرات؟ وأين تكمن الفجوة بين إنتاج المعرفة وصناعة القرار؟
المشكلة اليوم لم تعد في غياب المعرفة، بل في المسافة التي تفصل بين معرفتنا بما يجب فعله وبين قدرتنا على تحويل هذا الفهم إلى قرار وسياسة. فالعالم لم يعد يعاني من نقص في الدراسات أو الخبراء أو البيانات، بل على العكس، أصبح يعيش وفرة معرفية غير مسبوقة.
ولكن امتلاك المعرفة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على استخدامها، لأن المعرفة عندما تدخل المجال السياسي لا تبقى مجرد حقيقة تقنية، بل تصبح جزءًا من شبكة أوسع من المصالح والحوافز والقدرات المؤسساتية.
فالقرار السياسي ليس عملية آلية تنتقل فيها توصية الخبراء إلى المؤسسات ثم تتحول تلقائيًا إلى إصلاح. هو عملية تتداخل فيها الأسئلة العلمية مع أسئلة أخرى: من يربح من التغيير؟ من يخسر؟ من يملك القدرة على تعطيله؟ وهل تمتلك الدولة المؤسسات القادرة على تحويل الفكرة إلى واقع؟
وهنا يظهر أحد أكبر التحديات: أن السياسة تعمل غالبًا بإيقاع مختلف عن إيقاع بناء الدول. فالإصلاحات العميقة في التعليم، والاقتصاد، والإدارة العامة، وبناء المؤسسات تحتاج إلى وقت طويل حتى تظهر نتائجها، بينما البيئة السياسية تكافئ غالبًا القرارات التي تنتج أثرًا سريعًا وقابلًا للقياس. لذلك قد يعرف صانع القرار أحيانًا الخيار الأكثر صوابًا على المدى البعيد، لكنه يواجه نظام حوافز يدفعه نحو ما يحقق مكسبًا سياسيًا في اللحظة الراهنة.
لكن المسألة لا تتعلق فقط بالزمن، بل أيضًا بتوزيع كلفة التغيير. فالكثير من الإصلاحات التي تخدم المجتمع ككل قد تصطدم بمجموعات محددة ترى فيها خسارة مباشرة لموقع أو امتياز أو نفوذ. في المقابل، تكون الفئات المستفيدة واسعة لكنها غالبًا أقل تنظيمًا وقدرة على الضغط. لذلك قد يكون الحل معروفًا، لكن القوى القادرة على مقاومة التغيير تكون أكثر تماسكًا من القوى التي ستستفيد منه لاحقًا.
وهذا ما يفسر لماذا تفشل بعض الدول في تنفيذ إصلاحات تدرك أهميتها. المشكلة لا تكون دائمًا في غياب الرؤية، بل في أن المعرفة تصطدم ببنية مصالح قائمة.
أحيانًا تصبح الفجوة بين المعرفة والتنفيذ جزءًا من طريقة عمل النظام نفسه. فضعف المؤسسات لا يكون دائمًا مجرد خلل إداري، بل قد يتحول إلى مساحة نفوذ. فعندما تكون القواعد غير واضحة، والإجراءات معقدة، والصلاحيات غير محددة بدقة، تتسع مساحة القرار الشخصي والاستثناءات والتدخلات غير الرسمية.
يمكن رؤية ذلك، مثلًا، في إصلاحات الإدارة العامة. قد تُظهر الدراسات أن الانتقال إلى نظام رقمي موحّد لإصدار التراخيص أو إنجاز المعاملات سيقلل الهدر، ويسرّع الخدمات، ويحدّ من فرص التدخل غير المنظم. تقنيًا، قد يكون الحل واضحًا. لكن مقاومة هذا التحول لا تأتي دائمًا من رفض مبدأ الإصلاح، بل من تأثيره على شبكة مصالح قائمة: موظف كان يمتلك قدرة تقديرية واسعة على تسريع معاملة أو تعطيلها، أو وسيط بنى دوره على تعقيد الإجراءات، قد يفقد جزءًا من النفوذ الذي كان يمنحه إياه غياب القواعد الواضحة. عندها لا يعود ضعف المؤسسة مجرد عجز إداري، بل يصبح مرتبطًا بطريقة توزيع القوة داخلها.
لكن حتى عندما تتوافر الإرادة السياسية، يبقى سؤال القدرة المؤسساتية أساسيًا. هناك فرق كبير بين دولة تعرف ما يجب فعله ودولة قادرة فعليًا على القيام به. فقد تمتلك الحكومات خططًا متقدمة، لكنها تصطدم بجهاز إداري غير قادر على التنسيق، أو بغياب البيانات الدقيقة، أو بفجوة بين مستوى القرار المركزي ومستوى التنفيذ اليومي. المعرفة قد تصل إلى القمة، لكنها تفقد فعاليتها عندما تمر عبر مؤسسات لا تملك القدرة على حملها.
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية: المعرفة نفسها أصبحت جزءًا من الصراع السياسي. فليست كل المؤسسات تبحث دائمًا عن المعرفة التي تغيّر فهمها للواقع، أحيانًا تبحث عن المعرفة التي تؤكد المسار الذي اختارته مسبقًا. قد تُختار دراسة لأنها تدعم قرارًا قائمًا، لا لأنها تطرح الأسئلة التي قد تدفع إلى إعادة النظر فيه. وهنا لا تصبح المشكلة نقصًا في المعلومات، بل طريقة استخدام المعلومات وتوظيفها.
وهنا لا بد من السؤال: من يحدد أصلًا معنى السياسة الفعّالة؟ لأن مفهوم النجاح نفسه ليس محايدًا دائمًا. فقد يرى خبير اقتصادي أن سياسة معينة حققت نجاحًا لأنها حسّنت مؤشرات مالية أو رفعت معدلات النمو، بينما يرى مجتمع متضرر أنها فشلت لأنها تجاهلت آثارها الاجتماعية أو عمّقت فجوات قائمة. لذلك لا يكفي أن نسأل: هل لدينا المعرفة؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: أي معرفة ننتج؟ ولأي هدف؟ ومن يملك حق تعريف النجاح؟.

في عالم تحكمه المصالح وتوازنات القوة، حيث لا تكون كل القرارات معلنة ولا كل الدوافع ظاهرة، كيف يمكن للباحث أن يرسم الحد الفاصل بين الشك المنهجي الضروري لفهم السياسة، وبين التفسير المؤامراتي الذي يختزل الواقع؟
لطالما رافقت فكرة المؤامرة قراءة الأحداث السياسية الكبرى، لكن الخطأ يبدأ عندما نتعامل معها كخيار ثنائي: إما أن العالم تحكمه مؤامرات تفسّر كل شيء، أو أن كل حديث عن المصالح الخفية هو مجرد وهم. الواقع السياسي أكثر تشابكاً من ذلك بكثير. فالدول تخطط، وأجهزة الاستخبارات تعمل في السر، وجماعات الضغط تؤثر في القرارات، والشركات الكبرى تدافع عن مصالحها. البحث عن هذه المصالح ليس مؤامرة، بل جزء أساسي من التحليل السياسي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول البحث عن المصالح إلى افتراض وجود عقل واحد ينسّق كل الأحداث.
السياسة لا تُصنع عادة من غرفة مغلقة تتحكم بمسار التاريخ، بل من تفاعل معقد بين قوى متعددة، لكل منها مصالحها وحساباتها وحدود معرفتها. كثير من التحولات الكبرى لم تكن نتيجة خطة مركزية كاملة، بل نتيجة تقاطع مصالح، وقرارات متعارضة، وأخطاء في التقدير، وظروف لم يكن أي طرف قادرًا على التحكم بها بالكامل. لذلك فإن اختزال التشابك السياسي في جهة واحدة تدير كل شيء يمنح شعورًا باليقين، لكنه غالبًا يبتعد عن طبيعة السياسة نفسها.
لهذا، ليس الطرح اليوم: هل توجد مؤامرات؟ بل: كيف نميز بين العمل السري المشروع، وتقاطع المصالح، والتخطيط السياسي، وبين سرديات تفسّر كل شيء من خلال مؤامرة غير قابلة للاختبار؟
المعيار الأول هو بنية الاستدلال. في التحليل الجاد، يبقى عبء الإثبات على من يطرح الفرضية، وتبقى الفرضية قابلة للمراجعة إذا ظهرت أدلة جديدة. أما في التفكير المؤامراتي، فيحدث انقلاب في هذا المنطق: غياب الدليل يصبح دليلًا على قوة التستّر، وكل اعتراض يتحول إلى جزء من المؤامرة نفسها. هنا لا يعود التفسير قابلًا للنقاش، بل يصبح نظامًا مغلقًا يحمي نفسه من أي اختبار.
في المقابل، من الخطأ اعتبار التفكير المؤامراتي مجرد جهل أو سذاجة. ففي المجتمعات التي تعاني من ضعف الشفافية وتاريخ من فقدان الثقة بالمؤسسات، يصبح البحث عن تفسيرات خفية مفهومًا جزئيًا. المشكلة ليست في وجود الشك، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الشك.
نظرية المؤامرة ليست دائمًا نقيض التحليل البنيوي، بل قد تكون أحيانًا نسخة مبسطة منه. الشخص الذي يشعر أن قوى بعيدة تؤثر في حياته قد يلتقط حقيقة مهمة: أن العالم تحكمه شبكات مصالح وبنى غير مرئية بالكامل. لكن بدل تحليل هذه البنى عبر المؤسسات والاقتصاد السياسي وتوازنات القوة، يتم اختزالها في مجموعة أشخاص يخططون لكل شيء. المشكلة ليست في الإحساس بوجود قوى خفية، بل في تبسيطها إلى درجة تفقدها دقتها.
التاريخ نفسه يفرض علينا الحذر من الثقة العمياء بأي رواية سائدة. فبرنامج MKUltra الذي أدارته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لإجراء تجارب سرية على البشر، كان يُنظر إلى الحديث عنه لسنوات باعتباره ادعاءً مبالغًا فيه، قبل أن تكشف تحقيقات رسمية ووثائق لاحقة في سبعينيات القرن الماضي حقيقة البرنامج. هذا لا يعني أن كل رواية غير رسمية صحيحة، لكنه يثبت أن التشكيك في الرواية الرسمية ليس بحد ذاته دليلًا على غياب العقلانية.
إذاً من المستفيد من الطريقة التي يُفسَّر بها هذا الواقع؟
أحيانًا تستفيد السلطة من تفسير الأزمات باعتبارها نتيجة مؤامرة خارجية، لأن ذلك ينقل النقاش بعيدًا عن مسؤولية الأداء الداخلي. وأحيانًا تختزل المعارضة المشكلة في شخص أو جهة واحدة، لأن ذلك أسهل سياسيًا من مواجهة البنية التي أنتجت الأزمة أصلًا. وفي بعض الحالات، قد تستفيد شبكات داخل المؤسسات من استمرار الضعف الإداري نفسه، لأن البطء يمنحانها مساحة نفوذ لا تريد خسارتها.
الخطر يكمن في استخدام تهمة نظرية المؤامرة لإغلاق أي نقد مشروع. فليس كل تشكيك بالرواية الرسمية وهمًا، كما أن ليس كل تشكيك بها تحليلًا عميقًا. أحيانًا يكون الفرق مرتبطًا أيضًا بمن يملك سلطة تعريف ما يُعتبر تحليلًا جادًا وما يُصنف مؤامرة. الشك الصادر عن مؤسسة قوية قد يُقدَّم كتقدير استراتيجي، بينما الشك نفسه الصادر عن فاعل خارج دائرة النفوذ قد يُرفض بسرعة.
حتى معيار العقلانية نفسه يحتاج إلى تواضع. فمعيار كارل بوبر حول قابلية الدحض كان أداة مهمة للتمييز بين الفرضيات العلمية وغير العلمية. وهذا ينطبق أيضًا على التحليل السياسي: لا يكفي أن نسأل هل الفكرة قابلة للاختبار، بل يجب أن نسأل كيف نختبرها، ومن يملك أدوات الاختبار.
في النهاية، الفرق بين الشك الصحي والتفكير المؤامراتي لا يكمن في وجود الشك، بل في طريقة استخدامه. التحليل الجاد يسأل: ما المصلحة؟ ما الدليل؟ من يملك القدرة على الفعل؟ وهل توجد تفسيرات أخرى؟ أما التفكير المغلق فيبحث فقط عما يؤكد قناعته الأولى. النضج السياسي لا يعني أن نصدق كل ما يُقال لنا، ولا أن نرفض كل ما يأتي من المؤسسات، بل أن نمتلك القدرة على التفكير في منطقة الشك المنضبط. فالمشكلة ليست أن نسأل عمّا لا نراه، بل أن نعتقد أننا فهمنا كل شيء قبل أن نمتلك الأدلة الكافية.
في ظل إعادة تشكيل النظام الدولي، وتغير طبيعة القوة، كيف تتغير موازين القوى العالمية، وما موقع الشرق الأوسط والدول الصغيرة والمتوسطة في هذا المشهد؟
يشهد النظام الدولي اليوم مرحلة إعادة تشكيل عميقة لا تتمثل فقط في انتقال النفوذ من قوة إلى أخرى، بل في تغير طبيعة القوة نفسها. فبعد مرحلة طويلة اتسمت بدرجة عالية من الهيمنة الأحادية، أصبح العالم أكثر تنافسًا مع صعود قوى جديدة وعودة الجغرافيا السياسية إلى مركز العلاقات الدولية.
لكن التحول الأكبر لا يكمن فقط بمن سيربح المنطقة؟ بل في تغير معايير الربح نفسها.
فعلى مدى عقود، ارتبط نفوذ الشرق الأوسط بعناصر بدت ثابتة: الموقع الجغرافي، الموارد الطبيعية، والقدرة العسكرية. وهذه العناصر ستبقى مهمة، لكنها لم تعد وحدها كافية لتفسير موازين القوة في العالم الجديد. فالقوة لم تعد مرتبطة فقط بمن يملك المورد، بل بمن يملك القدرة على التحكم بمساره، بمن يدير الممرات التي تتحرك عبرها التجارة والطاقة والبيانات، لا بمن يملك المصدر فقط.
وهنا تظهر إعادة تعريف الجغرافيا السياسية. فالموقع لم يعد يُقاس فقط بالحدود أو الثروات الطبيعية، بل أيضًا بالموانئ، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية، والبنية الرقمية، والقدرة على الربط بين الأسواق والشبكات العالمية. فالمضائق والمعابر الاستراتيجية التي شكّلت تاريخيًا عناصر نفوذ بسبب دورها في حركة التجارة والطاقة، أصبحت اليوم مرتبطة أيضًا بتدفقات البيانات والتكنولوجيا. لذلك، فإن أهمية الموقع لا تكمن في وجوده فقط، بل في قدرة الدولة على تحويله إلى قيمة استراتيجية.
القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مادية فقط. فهناك طبقة جديدة من النفوذ لا تُرى على الخرائط التقليدية: المعرفة، التكنولوجيا، البيانات، والقدرة على إنتاج الابتكار.
وفي هذا السياق، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز أدوات إعادة تشكيل القوة، ليس فقط لأنه يسرّع معالجة المعلومات، بل لأنه يغيّر قدرة الدول على التنبؤ، وتحليل المخاطر، وبناء السيناريوهات، واتخاذ القرارات الاستراتيجية. فالدولة التي تمتلك القدرة على تطوير هذه الأدوات واستخدامها ضمن منظومة مؤسساتية قوية لا تحصل فقط على ميزة تقنية، بل على قدرة أكبر على فهم البيئة الدولية والتأثير فيها. أما الدول التي تستهلك التكنولوجيا دون امتلاك المعرفة والبنية التي تدعمها، فقد تتحول من مستخدمة للأداة إلى تابعة لمن يملكها.
والتاريخ يثبت أيضًا أن القوة الخارجية لا تستطيع تعويض هشاشة الداخل إلى ما لا نهاية. فالدولة التي تبني نفوذًا خارجيًا بينما تضعف علاقتها بمجتمعها أو مؤسساتها قد تبدو قوية في لحظة معينة، لكنها تحمل نقاط ضعف تظهر عند الأزمات. فالشرعية، والثقة بالمؤسسات، والقدرة على بناء مشروع وطني مشترك، ليست عناصر داخلية منفصلة عن القوة، بل هي أساس استمرارها.
ولهذا، فإن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده فقط الدول التي تمتلك أكبر الموارد أو أقوى الجيوش، بل الدول التي تفهم أن القوة أصبحت مزيجًا بين التماسك الداخلي والقدرة على الحركة الخارجية، بين امتلاك الموارد وإدارة الشبكات، وبين الحفاظ على الاستقرار والقدرة على التكيف مع عالم سريع التحول.
أما بالنسبة للدول الصغيرة والمتوسطة، فإن الانتقال نحو عالم متعدد مراكز القوة يفتح فرصًا جديدة، لكنه لا يضمن النجاح تلقائيًا. فالتعددية القطبية تمنح هامش مناورة أكبر، لكنها في الوقت نفسه تكشف أهمية المؤسسات والقرار السيادي.
هناك دول استطاعت تحويل التنافس الدولي إلى فرصة عبر تنويع شراكاتها، والاستفادة من موقعها الاقتصادي أو الاستراتيجي، وبناء قيمة تجعلها شريكًا مطلوبًا لدى أكثر من طرف. وفي المقابل، تحولت دول أخرى إلى ساحات لتجاذب النفوذ، لأن ضعف مؤسساتها وانقساماتها الداخلية سمحا للقوى الخارجية باستخدامها كمساحات تأثير بدل التعامل معها كدول صاحبة قرار مستقل.
لذلك، فإن معيار القوة الحقيقي لم يعد حجم الدولة فقط، بل قدرتها على تحقيق ما يمكن تسميته بالاستقلالية الاستراتيجية: تنويع العلاقات بدل الارتهان لمحور واحد، حماية القرار السيادي عبر مؤسسات قوية، والاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا بدل الاكتفاء بالتفاعل مع قرارات الآخرين.
والتحدي الأكبر أمام الشرق الأوسط اليوم هو أن المنطقة لم تعد فقط ساحة تنافس على الموارد، بل أصبحت ساحة تنافس على القدرة على إدارة المستقبل. فالقوة لم تعد فقط امتلاك النفط أو الموقع أو السلاح، بل امتلاك القدرة على التأثير في البنى التي يعتمد عليها العالم: الطاقة، التجارة، التكنولوجيا، البيانات، وسلاسل الاتصال العالمية.
لذلك، فإن الأهم اليوم ليس من يملك المنطقة، بل من يملك القدرة على إعادة تعريف موقعه فيها غدًا. فالدول لا تفقد نفوذها دائمًا بسبب نقص الموارد، بل أحيانًا لأنها تتمسك بأدوات قوة صُممت لعالم لم يعد موجودًا. وفي المقابل، فإن الدول التي تدرك تغير قواعد اللعبة قبل غيرها لا تكتفي بالتكيف مع المستقبل، بل تساهم في صياغته.

كيف يمكن قراءة الأزمة اللبنانية الراهنة في ضوء التحولات السياسية التي شكّلت مسار لبنان، وما المسار الذي يمكن أن يقود إلى بناء دولة أكثر استقرارًا وقدرة؟
إن الأزمة اللبنانية لا يمكن اختزالها في أزمة إدارة أو في أداء سياسي مرحلي، لأنها ترتبط بمسار تاريخي طويل تشكلت خلاله طبيعة الدولة اللبنانية، وعلاقتها بمحيطها، وقدرتها على إنتاج الاستقرار.
منذ نشأة لبنان الحديث، كان التحدي الأساسي هو كيفية بناء دولة داخل مجتمع يتميز بتعدد الهويات والانتماءات. فالتنوع اللبناني لم يكن المشكلة بحد ذاته. بل إن التحدي كان في تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة ضمن دولة مؤسسات ومواطنة. لكن عندما تحوّل النظام السياسي تدريجيًا من إدارة التعدد إلى إدارة التوازنات بين الجماعات، أصبحت التعددية قابلة للاستثمار السياسي بدل أن تكون ركيزة لبناء دولة جامعة.
ولا يمكن فهم التجربة اللبنانية بمعزل عن موقعه الجيوسياسي. فلبنان يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية كبرى، بين سوريا وإسرائيل، وعلى ساحل شرق المتوسط ذي الأهمية الاستراتيجية. هذا الموقع منح لبنان أهمية تفوق حجمه الجغرافي، لكنه جعله أيضًا أكثر عرضة لتأثير التحولات والصراعات المحيطة به. إلا أن تأثير الخارج لم يكن العامل الوحيد، فضعف البنية المؤسساتية الداخلية جعل الدولة أكثر قابلية للتأثر بهذه التدخلات.
كما أن اتفاق الطائف شكّل محطة أساسية في تاريخ لبنان، إذ نجح في إنهاء الحرب الأهلية وإعادة تنظيم التوازنات السياسية، لكنه لم يتحول بالكامل إلى مشروع مكتمل لبناء دولة حديثة قائمة على المؤسسات والمحاسبة. وهنا يظهر الفرق بين الدولة التوافقية، حيث يكون التوافق أداة لحماية الاستقرار، والدولة المعطلة، حيث يتحول التوافق نفسه إلى عائق أمام اتخاذ القرار والإصلاح.
وامتدت هذه الإشكالية إلى النموذج الاقتصادي أيضًا. فقد اعتمد لبنان لعقود على اقتصاد ريعي قائم بدرجة كبيرة على التدفقات المالية والخدمات بدل بناء اقتصاد إنتاجي مستدام، ما جعل الدولة والمجتمع أكثر هشاشة أمام الصدمات. وأظهرت الأزمة المالية أن المشكلة لم تكن مالية فقط، بل مرتبطة ببنية اقتصادية ومؤسساتية تحتاج إلى إعادة نظر عميقة.
الدولة الحديثة تقوم على وحدة القرار السيادي، بحيث تكون القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم واستخدام القوة ضمن إطار المؤسسات الشرعية للدولة. وعندما يصبح القرار الاستراتيجي موزعًا بين الدولة وقوى تملك قدرات وتأثيرًا خارج إطارها الرسمي، تصبح السيادة مفهومًا منقوصًا بنيويًا، لا مجرد خلل إداري يمكن معالجته بقانون أو مرسوم.
هذه الهشاشة البنيوية جعلت لبنان تاريخيًا مساحة لتقاطع مصالح متراكمة: دور فرنسي ارتبط بتكوين الكيان اللبناني الحديث، ودور سوري ارتبط باعتبارات أمنية وجيوسياسية، ومقاربات إسرائيلية انطلقت من حسابات استراتيجية، إضافة إلى تدخلات إقليمية ودولية جعلت الساحة اللبنانية جزءًا من صراعات أوسع. لكن الهشاشة الداخلية لم تكن نتيجة هذه التدخلات فقط، بل كانت أيضًا أحد العوامل التي سمحت بتوسع تأثيرها.
لذلك فإن الحل الحقيقي لا يبدأ فقط من إصلاح الإدارة، بل من إعادة بناء مفهوم الدولة نفسها: دولة تدير تنوعها بدل أن تُدار به، تمتلك قرارها السيادي ضمن مؤسساتها، تقوم على اقتصاد منتج لا ريعي، وتعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالأزمات الكبرى لا تولد من حدث واحد، بل من تراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية وجيوسياسية، وفهم جذور الأزمة هو الخطوة الأولى نحو بناء حل مستدام.
لماذا لم تنجح محاولات الإصلاح المتكررة في لبنان، رغم تعدد المبادرات الإصلاحية والدعم الدولي، في إحداث تحول بنيوي في الدولة؟
إن أول شروط الإصلاح المستدام هو وجود تفاعل بين ضغط داخلي منظم وحافز خارجي فعّال. فالدعم الدولي وحده لا يستطيع إنتاج تحول بنيوي إذا لم توجد إرادة داخلية قادرة على حماية الإصلاح وتنفيذه. وفي كثير من الحالات، تتحول المبادرات الخارجية إلى إصلاحات قابلة للقياس والعرض أكثر مما تؤدي إلى تغيير فعلي في قواعد الحكم، لأن الجهات المانحة تبحث عن نتائج ضمن أطر زمنية محددة، بينما تسعى بعض القوى المحلية إلى الحفاظ على تدفق الدعم من دون المساس بموازين القوة القائمة.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بالإصلاح الواجهي، إصلاحات تغيّر الشكل المؤسسي أكثر مما تغيّر آليات إنتاج السلطة واتخاذ القرار. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإقرار قوانين جديدة أو إنشاء هيئات رقابية، بل بمراجعة قواعد إنتاج السلطة نفسها. فعندما تُطبّق قوانين الشفافية والرقابة داخل نظام قائم على المحاصصة وشبكات المصالح، يمتلك هذا النظام قدرة كبيرة على احتواء الإصلاح من الداخل، عبر إضعاف استقلال المؤسسات أو تعطيل تنفيذ القوانين أو الحد من فعاليتها.
وفي المقابل، فإن الحراك الداخلي، مهما كانت مشروعيته، لا يستطيع وحده إحداث تغيير مستدام إذا لم يتحول إلى قوة سياسية ومؤسساتية قادرة على حماية مساره. لذلك، فإن التجارب التي نجحت في بناء إصلاحات طويلة الأمد جمعت بين ضغط داخلي منظم وبيئة خارجية تخلق حوافز حقيقية للتغيير، لا مجرد برامج دعم مؤقتة.
وتبرز هنا خصوصية الحالة اللبنانية، فالدولة لم تكن دائمًا صاحبة القرار الوحيد داخل المجال العام، بل تشكلت عبر عقود مراكز نفوذ سياسية واقتصادية متعددة، ما جعل أي إصلاح حقيقي يعني بالنسبة لبعض القوى إعادة توزيع لموازين القوة التي استفادت منها طويلًا.
كما أن الفساد في لبنان لا يمكن فهمه باعتباره مجرد انحرافات فردية، بل كجزء من منظومة متكاملة ترتبط بضعف الرقابة والمساءلة وغياب قدرة الدولة على فرض القانون بصورة متساوية. وعندما تصبح المكاسب التي تحققها شبكات المصالح والمحاصصة أكبر بكثير من المكاسب التي قد تنتج عن قيام دولة فعالة، يتحول الإصلاح إلى تهديد مباشر لهذه المصالح، لا إلى فرصة للتطوير.
وتُظهر التجارب المقارنة أيضًا أن الإصلاحات الكبرى لا تنجح فقط بسبب وجود أزمة، بل عندما توجد قوى داخلية تمتلك المصلحة والقدرة على تحويل الأزمة إلى لحظة تغيير. وهذا ما يفسر لماذا لم يؤدِّ الانهيار المالي أو انفجار مرفأ بيروت، رغم حجمهما، إلى تحول بنيوي. فالأزمات لا تنتج الإصلاح تلقائيًا، بل قد يُعاد احتواؤها داخل النظام القائم إذا امتلك أدوات البقاء.
إلى جانب ذلك، يحتاج الإصلاح إلى أفق زمني يتجاوز الدورات الانتخابية وبرامج المساعدات قصيرة المدى، لأن بناء المؤسسات عملية تراكمية تتطلب استمرارية سياسية وإدارية. كما يحتاج إلى وجود كلفة حقيقية للفشل يتحملها صانع القرار، لا المواطن فقط، فعندما تغيب المساءلة السياسية والمؤسساتية، يصبح الحفاظ على الوضع القائم الخيار الأكثر ربحًا لمن يستفيد منه، حتى لو كان ذلك على حساب الدولة والمجتمع.
في النهاية، لا يعاني لبنان من نقص في الدراسات أو المبادرات الإصلاحية، بل من غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ. لذلك، فإن مستقبل الإصلاح لن يتحدد بعدد الخطط أو المؤتمرات أو برامج الدعم، بل باللحظة التي تصبح فيها كلفة الإبقاء على منظومة الفساد والمحاصصة أعلى من كلفة الإصلاح نفسه.
وعندها فقط، ينتقل الإصلاح من كونه شعارًا متكررًا إلى مشروع دولة قابل للحياة. والأهم من السؤال: ما الذي يحتاج إلى إصلاح؟ هومن يملك مصلحة حقيقية في نجاح الإصلاح، ومن يستفيد من بقائه مؤجلًا؟ فالإجابة عن هذا السؤال تفسر، إلى حد كبير، لماذا بقيت معظم المبادرات الإصلاحية تدور في الحلقة نفسها طوال العقود الماضية.
وفي ختام هذا الحوار، يبقى السؤال عن دور اللبنانيين أنفسهم: ما الذي يمكن أن يفعله اللبنانيون في الداخل والاغتراب لإعادة صياغة مستقبل لبنان؟
المفارقة اللبنانية أن البلد الذي عُرف تاريخياً بانتشار أبنائه في مختلف أنحاء العالم، لم يتمكن حتى اليوم من تحويل هذا الانتشار إلى قوة وطنية منظمة. المشكلة اللبنانية لم تكن يوماً في غياب الطاقات، بل في الفجوة بين حجم هذه الطاقات وبين قدرة الدولة على جمعها وتوجيهها وتحويلها إلى نفوذ حقيقي.
فاللبنانيون لم يعودوا يعيشون في عالم كانت فيه قوة الدول تُقاس فقط بمساحتها أو مواردها أو قدراتها العسكرية. اليوم، أصبحت المعرفة، والشبكات، والقدرة على التأثير، عناصر قوة لا تقل أهمية عن الجغرافيا التقليدية. وهذه نقطة تمنح لبنان فرصة حقيقية، لأن لديه ما لا تملكه دول أكبر: مجتمعاً منتشراً عالمياً، يمتلك خبرات وعلاقات ومعارف في قطاعات متعددة. لكن هذه القوة بقيت، في معظم الأحيان، قوة فردية لا قوة وطنية، لأن الانتشار اللبناني لم يتحول بعد إلى مشروع منظم.
في الداخل، يبدأ الدور الحقيقي للبنانيين من تجاوز فكرة أن المشاركة السياسية تختصر فقط بصندوق الاقتراع. فالانتخابات، رغم أهميتها، تعمل داخل نظام قادر تاريخياً على إعادة إنتاج نفسه من خلال البنية الطائفية ذاتها. لذلك، فإن التأثير الحقيقي يحتاج إلى انتقال من رد الفعل إلى العمل المنظم: ضغط مستمر على ملفات واضحة وقابلة للقياس، مثل استقلال القضاء، وإدارة المال العام، وإصلاح المؤسسات، إضافة إلى بناء نماذج محلية صغيرة قادرة على إثبات أن الأداء الجيد يمكن أن يكون بديلاً عن منطق المحاصصة.
وهنا يظهر عامل جيلي لا يمكن تجاهله. فالأجيال التي نشأت بعد الحرب لم تحمل بالضرورة العلاقة نفسها مع الاصطفافات التقليدية التي حكمت الحياة السياسية لعقود. وقد أظهرت انتفاضة ٢٠١٩ أن هناك قدرة حقيقية على تجاوز الحدود الطائفية في لحظة معينة. لكن التجربة كشفت أيضاً أن الغضب وحده لا يكفي، فالطاقة الاجتماعية التي لا تتحول إلى تنظيم سياسي ومؤسساتي تبقى قابلة للتبدد. والتحدي أمام هذا الجيل ليس إثبات قدرته على الاعتراض، بل قدرته على تحويل هذا الاعتراض إلى قوة مستدامة.
أما الاغتراب اللبناني، فربما هو أحد أكثر الموارد التي لم تُستخدم بطريقة استراتيجية. لعقود، اختُزلت علاقة لبنان بمغتربيه في التحويلات المالية التي ساعدت على استمرار الاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه خففت جزءاً من الضغط عن نظام يحتاج إلى إصلاح عميق. فالفارق بين الاغتراب اللبناني وتجارب اغترابات أخرى ليس في حجم الطاقات، بل في مستوى التنظيم.
بعض الجاليات حول العالم استطاعت بناء مؤسسات ضغط وتأثير طويلة الأمد، وتحويل وجودها الخارجي إلى قوة سياسية واقتصادية. أما الاغتراب اللبناني، فرغم انتشاره الواسع، بقي غالباً محكوماً بالمبادرات الفردية. والتحدي اليوم ليس فقط جذب أموال المغتربين، بل تحويلهم من مصدر دعم ظرفي إلى شريك استراتيجي: عبر استثمارات منتجة، وشبكات معرفة، وتأثير سياسي منظم، وتمثيل حقيقي قادر على المشاركة في صناعة القرار.
الأزمة اللبنانية ليست فقط أزمة سلطة، بل أزمة علاقة بين المواطن والدولة. فعندما يصبح الانتماء الطائفي المرجعية الأولى، وتتراجع الدولة إلى مرتبة ثانوية، تتحول المؤسسات إلى مساحة تنافس بين جماعات تبحث عن ضماناتها الخاصة. والمشكلة ليست في التنوع اللبناني بحد ذاته، فالتنوع يمكن أن يكون مصدر قوة في أي مجتمع. المشكلة هي في عجز الدولة عن إدارة هذا التنوع ضمن إطار مؤسساتي يجعل المواطنة المرجعية الجامعة.
ولهذا، فإن تغيير الأشخاص وحده لا يكفي. فالمشكلة ليست فقط في من يصل إلى السلطة، بل في القواعد التي تسمح بإعادة إنتاج السلطة بالطريقة نفسها. التحول الحقيقي يحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة ترى الدولة مساحة مشتركة، لا أداة تستخدمها كل جماعة لحماية نفوذها. وهذا النوع من التحولات لا يُقاس بدورة انتخابية واحدة، بل يحتاج إلى تراكم يمتد عبر جيل أو أكثر.
وهذا البعد الداخلي يرتبط مباشرة بموقع لبنان في محيطه. فالتدخلات الخارجية لا تجد طريقها فقط بسبب قوة اللاعبين الإقليميين والدوليين، بل أيضاً بسبب الفراغات الداخلية التي تسمح لها بالتمدد. اللبنانيون لا يملكون تغيير موازين القوى الكبرى في المنطقة، ولا التحكم بكل التحولات المحيطة بهم، لكنهم يملكون القدرة على تقليص الهشاشة التي تجعل بلدهم أكثر عرضة لأن يكون ساحة لصراعات الآخرين.
والواقعية تقتضي الاعتراف بأن هذا التحول لن يحدث عبر لحظة سياسية واحدة، ولا عبر تسوية خارجية تعيد ترتيب الداخل. فالدول لا تُبنى بالانتظار، بل بالتراكم. ومستقبل لبنان لن يتغير عندما يجد اللبنانيون طرفاً خارجياً ينقذه، بل عندما ينتقلون من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع الشريك في صناعة الخيارات. فالدول الصغيرة لا تصبح مؤثرة لأنها تملك كل عناصر القوة، بل لأنها تعرف كيف تجمع ما لديها وتحوله إلى نفوذ.













07/29/2026 - 17:21 PM





Comments