بيروت - متابعة الاب الر عساف
في لحظة لبنانية مثقلة بالقلق والانتظار، عاد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ليضع إصبعه على الجرح الوطني المفتوح، مجدّداً دعوته إلى الالتزام بتنفيذ اتفاق الإطار بوصفه المدخل الأكثر واقعية لإعادة تثبيت سيادة الدولة وصون الحقوق اللبنانية. وفي عظته لمناسبة عيد القديس شربل، بدا الراعي أكثر وضوحاً وحزماً، مؤكداً أن أي اتفاق يحفظ سيادة لبنان ويعزّز سلطة الدولة ويصون حقوقها الوطنية "يستحق الدعم الكامل"، لأن الحقيقة - كما قال - هي وحدها القادرة على بناء الدولة وجمع اللبنانيين حول مشروع وطني واحد.
الراعي، الذي يدرك حساسية المرحلة السياسية والأمنية التي يمرّ بها لبنان، شدّد على أن الالتزام بأي مسار سياسي أو وطني يجب أن ينطلق من قاعدة ثابتة: حماية سيادة لبنان وتعزيز مؤسسات الدولة. فالدولة، بالنسبة إليه، ليست مجرد هيكل إداري أو سلطة شكلية، بل هي الضامن الوحيد للاستقرار، والمرجع الذي يحفظ كرامة الشعب ويصون وحدته. ومن هنا، رأى أن تنفيذ اتفاق الإطار ليس خياراً تقنياً أو تفصيلاً تفاوضياً، بل ضرورة وطنية تفتح الباب أمام تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو صراعات جديدة.
وفي سياق رؤيته الأشمل، أعاد الراعي التأكيد على مفهوم الحياد الفاعل الذي لطالما دعا إليه، معتبراً أنه الخيار الوطني القادر على تحصين لبنان من صراعات المحاور وتجنيبه ارتدادات النزاعات الإقليمية. فالحياد، وفق مقاربته، ليس انسحاباً من الدور ولا تخلياً عن المسؤولية، بل هو تموضع استراتيجي يعيد للبنان مكانته الطبيعية كجسر حضاري ورسالة سلام، ويعزّز وحدته الداخلية بعيداً عن الانقسامات التي مزّقت نسيجه الوطني.
وفي عظته الروحية، استحضر الراعي معنى عيد القديس شربل، معتبراً أن هذا القديس الذي وحّد اللبنانيين بالإيمان والرجاء يشكّل رمزاً وطنياً وروحياً يذكّر اللبنانيين بقيم الثبات والقداسة والوحدة. فلبنان، كما قال، "لم يُعرف يوماً إلا برسالته الحضارية"، وهو ليس تائهاً مهما اشتدت الأزمات "ما دام الله يرافقه". هذه العبارة التي حملت الكثير من الرجاء، جاءت كرسالة دعم معنوي لشعب أنهكته الأزمات، لكنها أيضاً دعوة إلى عدم الاستسلام أمام الانهيار، وإلى التمسك بالأمل كقوة دافعة نحو المستقبل.
وفي ختام عظته، رفع الراعي الصلاة من أجل لبنان ومسؤوليه، سائلاً الله أن يوفقهم للعمل من أجل وحدة الوطن وحفظ كرامة الشعب وصون السيادة. وأعاد التأكيد أن السلام هو خيار لبنان، وأن الحقيقة تبقى الأساس الذي تُبنى عليه الدولة وتتوحّد حوله إرادة اللبنانيين، في إشارة واضحة إلى ضرورة الابتعاد عن المزايدات السياسية والعودة إلى منطق الدولة والمؤسسات.
مواقف الراعي تأتي في مرحلة دقيقة تتداخل فيها الاستحقاقات السياسية مع التوترات الأمنية، وسط نقاش داخلي متواصل حول مستقبل الترتيبات المرتبطة بوقف الأعمال العدائية وآليات تثبيت الاستقرار وتعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها. وفي هذا السياق، يواصل البطريرك الماروني رفع الصوت دفاعاً عن مشروع الدولة القوية القادرة على احتكار قرارها السيادي، والملتزمة بالدستور، والعاملة على تحييد لبنان عن صراعات المنطقة، باعتبار أن ذلك يشكّل المدخل الأساسي لإعادة بناء الثقة الداخلية واستعادة الدعم العربي والدولي.
بهذه الرسائل، يضع الراعي مجدداً البوصلة أمام اللبنانيين: الدولة أولاً، السيادة فوق كل اعتبار، والحياد ضمانة مستقبلية، والحقيقة أساس السلام. وفي بلد يبحث عن خلاصه وسط العواصف، تبدو هذه الدعوة محاولة لإعادة توجيه النقاش الوطني نحو ما هو جوهري، بعيداً عن الضجيج السياسي الذي يبدّد الفرص ويعمّق الانقسامات.












07/19/2026 - 10:12 AM





Comments