البطريرك إلياس الحويّك… حين تُضاء شموع التطويب ليولد رجاء جديد في قلب لبنان

07/18/2026 - 10:24 AM

A

 

 

 

البطريرك إلياس الحويّك: رجلٌ حمل صليب شعبه قبل صليبه الشخصي

 

الخوري الدكتور نبيل مونس

الكنيسة المارونية في لبنان وبلدان الانتشار تستعد لحدث روحي ووطني بارز، مع اقتراب موعد تطويب البطريرك إلياس الحويّك، في احتفال يُقام يوم السبت 25 تموز في ساحة الصرح البطريركي في الديمان، برعاية وحضور البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي. وقد وصف الراعي المناسبة بأنها "نعمة روحية ووطنية جديدة" تُمنح للكنيسة وللبنان في مرحلة دقيقة من تاريخه.

وفي تعميم وجّهه إلى المطارنة والرؤساء العامين والرئيسات العامات والكهنة والرهبان والراهبات وجميع المؤمنين، دعا الراعي أبناء الكنيسة إلى المشاركة الواسعة في الاحتفالات الروحية التي تسبق التطويب، وإلى الاتحاد بالصلاة استعدادًا لهذا الحدث التاريخي. كما طلب إضاءة الشموع مساء الجمعة 24 تموز، عشية التطويب، كعلامة للإيمان والرجاء والشركة الكنسية، مع رفع الصلوات بشفاعة الطوباوي الجديد من أجل لبنان والعائلات والكهنة والشباب والمرضى وجميع النيات التي يحملها المؤمنون.

وسيُعلن البطريرك إلياس الحويّك طوباويًا خلال قداس احتفالي يُقام عند الساعة الخامسة بعد الظهر في الديمان، في حدث وصفه الراعي بأنه علامة جديدة للرجاء والقداسة في حياة الكنيسة والوطن. ولإضفاء طابع كنسي شامل، دعا إلى قرع أجراس الكنائس في مختلف المناطق اللبنانية بالتزامن مع بدء القداس، لتتوحّد أصوات الأجراس في إعلان فرح الكنيسة وصلاتها، سائلًا أن يبقى لبنان، بشفاعة الطوباوي الحويّك، أرضًا للقداسة والرسالة والكرامة.

الحويّك... بطريرك صنع وطنًا وحمل شعبًا في قلبه

يحظى البطريرك إلياس الحويّك بمكانة استثنائية في تاريخ الكنيسة المارونية ولبنان الحديث. وُلِد في حلتا - البترون عام 1843، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة طبعت شخصيته بالتواضع والالتصاق بالناس. دخل الرهبنة المارونية صغيرًا، وتدرّج في المسؤوليات الكنسية حتى انتُخب بطريركًا عام 1898، في مرحلة كانت الكنيسة والوطن بحاجة إلى قيادة تجمع بين الحكمة والصلابة والإيمان العميق.

بطريرك المجاعة الكبرى: حين يصبح الخبز فعل قداسة

خلال المجاعة الكبرى (1915 - 1918)، لعب الحويّك دورًا إنسانيًا محوريًا، إذ فتح أبواب الأديرة والكنائس لإغاثة المحتاجين، وجمع الحبوب من المناطق التي لم تتضرر بالكامل، ووزّعها على الفقراء بلا تمييز. كان يقول: "لا يموت أحد جوعًا وكنيسة المسيح قائمة."

هذه العبارة لم تكن شعارًا، بل ممارسة يومية عاشها وهو يرى الأطفال يموتون على الطرقات والنساء يبحثن عن لقمة والرجال ينهارون من التعب. في تلك المرحلة، تحوّل الحويّك إلى أبٍ للشعب، لا إلى بطريركٍ فقط.

بطريرك لبنان الكبير: رجلٌ حمل خريطة وطن في قلبه

بعد الحرب العالمية الأولى، كان لبنان مهددًا بالضياع أو الذوبان في كيانات أكبر. وقف الحويّك في وجه ذلك، وسافر إلى مؤتمر باريس عام 1919، حاملاً ملفًا كاملًا عن حق اللبنانيين في وطن مستقل. هناك، قال عبارته الشهيرة: "لبنان ليس أرضًا فقط... لبنان رسالة."

وبفضل جهوده واعتراف القوى الدولية، وُلد لبنان الكبير عام 1920، ليصبح الحويّك أحد الآباء المؤسسين للكيان اللبناني الحديث.

بطريرك المؤسسات: المحبة تتحوّل إلى بنية تحتية للرحمة

أسّس الحويّك عددًا من المؤسسات الاجتماعية والخيرية، أبرزها:

- جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات

- مؤسسات لإغاثة الأيتام والفقراء

- مدارس ومراكز رعوية في القرى النائية

كان يؤمن بأن الكنيسة ليست فقط مكانًا للصلاة، بل بيتًا للناس وملجأً للضعفاء ويدًا تمتدّ إلى كل محتاج.

روحانية الحويّك: قداسة تُشبه خبزًا يوميًا

تميّز الحويّك بروحانية عميقة تُشبه بساطة القديسين: في طريقة حديثه مع الفقراء، وفي صلاته الطويلة قبل اتخاذ أي قرار، وفي دموعه حين يسمع أخبار الموت خلال المجاعة، وفي قدرته على رؤية صورة الله في كل إنسان.

أعجوبة التطويب: حين يواصل القديسون عملهم بعد رحيلهم

اعترفت الكنيسة الكاثوليكية بأعجوبة نُسبت إلى شفاعته، لتُتوّج مسيرة طويلة من دراسة ملفه في الفاتيكان. ويرى كثيرون أن أعجوبته الكبرى كانت لبنان نفسه: لبنان الذي دافع عنه، وأطعم أبناءه، وحلم به، وتركه أمانة في يد الأجيال.

حدث روحي ووطني يعيد لبنان إلى صلاته الأولى

يُعدّ تطويب البطريرك إلياس الحويّك محطة كنسية ووطنية بارزة، تتجاوز الطقوس لتلامس جوهر الهوية اللبنانية. فهو تكريم لرجل عاش القداسة في خدمة الناس، وعاش الوطنية في حماية الكيان، وعاش الإيمان في كل تفاصيل حياته.

وفي بلدٍ يبحث عن خلاص، يأتي هذا التطويب كفرصة ليعود اللبنانيون إلى تلك الصلاة الأولى التي صنعت هويتهم، وإلى تلك الجذور التي جمعتهم حول رجالٍ عاشوا الإيمان بصدق والإنسانية بعمق والوطنية بمحبة.

إنها لحظة تقول للبنانيين إن هذا البلد، مهما اشتدت عليه العواصف، لا يزال قادرًا على إنجاب رجالٍ يصنعون التاريخ... ويصنعون الرجاء... ويصنعون القداسة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment