رشيد ج. مينا
أن ترى الأشياء من زاوية اللازاوية، أو أن تنظر إلى الواقع وكأنه خارج حدود المنطق والطبيعة، قد يبدو ضربًا من الخيال. أما أن يصل الإنسان إلى مرحلة يتأقلم فيها مع الظلم، ويتعايش مع فقدان أبسط حقوقه، ويعتبر ذلك جزءًا طبيعيًا من حياته، فهذه ليست حالة خيالية، بل مأساة يعيشها ملايين البشر.
كيف وصلنا إلى هنا؟
كيف أصبح الإنسان يتعايش مع ما كان يرفضه بالأمس، بل يستسلم له، وربما يدافع عنه أحيانًا؟
هل ما زال الإنسان إنسانًا حين يصبح همه الأول والأخير مجرد البقاء على قيد الحياة؟ وهل يبقى من إنسانيته شيء إذا كانت البيئة المفروضة عليه تجرده، يومًا بعد يوم، من أبسط حقوقه وكرامته؟
لم يعد العمل حقًا، ولا الطبابة حقًا، ولا التعليم حقًا، ولا السكن حقًا، ولا حتى القدرة على تكوين أسرة أمرًا متاحًا إلا بعد مشقة قد تصل إلى حد الاستحالة. أصبحت الحرية مكلفة، وكلمة الحق قد يدفع صاحبها ثمنًا باهظًا، فيعيش تحت سيف الإقصاء أو القمع أو الخوف.
ومع ذلك، لم يعد كل هذا يحرك الإنسان كما كان يفعل في مراحل سابقة. لم يعد الظلم يولد الغضب، ولا الطغيان يستنهض الإرادة، ولا الإقصاء يدفع إلى الدفاع عن الكرامة. أصبح الهم الأكبر لدى كثيرين هو تأمين رغيف الخبز، وقطرة الماء، وقليل من الطمأنينة، ولو على حساب حقوقهم الأخرى. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فالاستبداد لا ينتصر بالقوة وحدها، بل ينتصر عندما ينجح في جعل الإنسان يعتاد الظلم، ويقتنع بأن المطالبة بحقوقه ترف، وأن البقاء على قيد الحياة هو السقف الأعلى لطموحه. وهل أصبح هذا الظلم المعاش في لبنان أمرًا اعتياديًا؟ وهل بات من الطبيعي أن يعيش الإنسان في وطن يفتقد فيه الأمن، ويبحث عن العمل فلا يجده، ويعجز عن تأمين تعليم جيد لأبنائه، أو طبابة تحفظ كرامته، أو سكن يليق بعائلته؟
هل أصبح انقطاع الكهرباء، وتردي الطرق، وانتشار النفايات، والتلوث البيئي، مشاهد يومية لا تستدعي حتى الاعتراض؟ وهل أصبح مقبولًا أن يبقى أناس في السجون سنوات من دون محاكمات عادلة، وأن يصبح الوصول إلى العدالة ضربًا من المعاناة، وأن تُحتجز أموال المودعين في المصارف، فيما يبقى الفساد بلا محاسبة؟ وهل بات طبيعيًا أن تتحول مرافق الدولة وثرواتها، برًا وبحرًا، إلى ساحات نفوذ للمصالح الخاصة والمافيات، بينما يشعر المواطن أن وطنه لم يعد يحميه ولا يحفظ حقوقه؟
إذا أصبح كل ذلك مألوفًا، فإن الخطر لم يعد في حجم المأساة وحدها، بل في الاعتياد عليها، لأن اعتياد الظلم هو أخطر أشكال انتصار الظلم نفسه.
في لبنان، كما في غيره من المجتمعات التي أنهكتها الأزمات، لم تعد الحقوق تُعامل بوصفها حقوقًا طبيعية، بل تحولت إلى مطالب يتوسلها المواطن. فمنذ الولادة وحتى الممات، يصبح التعليم مطلبًا، والطبابة مطلبًا، والعمل مطلبًا، والسكن مطلبًا، والعدل مطلبًا، والمساواة مطلبًا، والحرية مطلبًا، والديمقراطية السليمة مطلبًا، بعدما كان يفترض أن تكون جميعها حقوقًا يكفلها الدستور والدولة.
لكن المأساة لا تقتصر على غياب الدولة، بل تمتد إلى غياب الإرادة الشعبية القادرة على استعادة الدولة. فقد أرهقت المعاناة الناس، وأثقلت الإحباطات نفوسهم، وتراجع الإيمان بإمكان التغيير، بينما انشغلت قيادات كثيرة بصراعات السلطة والنفوذ، وتقاسم الحصص والمكاسب، وفتات الصفقات والنهب، دون أي اعتبار حقيقي لمصلحة الوطن والمواطن.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس الفقر وحده، ولا الظلم وحده، بل اعتيادهما حتى يصبحا جزءًا من المشهد اليومي، فلا يعود الإنسان يشعر أن شيئًا غير طبيعي يحدث. لذلك، فإن ما نحتاج إليه ليس مجرد احتجاج على واقع قائم، بل ثورات متعددة تصب في مشروع نهضوي واحد.
ثورة وعي تعيد إلى الإنسان إدراك حقيقة ما وصل إليه، وكيف وصل إليه. وثورة أخلاق تعيد الاعتبار للقيم التي قامت عليها المجتمعات، ولجوهر الأديان التي دعت إلى كرامة الإنسان، والمحبة، والعدل، والمساواة، واحترام الإنسان لأخيه الإنسان.
وثورة علم ومعرفة تبني المستقبل بدل الاكتفاء بالبكاء على الماضي. وثورة إرادة تستعيد القرار الشعبي، باعتباره مصدر السلطات، وتجعل المصلحة العامة فوق المصالح الفئوية والشخصية، في ظل الإيمان بأن إرادة الشعب الحرة هي أساس الشرعية، وأن إرادة الله فوق الجميع.
إن استعادة الدولة تبدأ باستعادة الإنسان، واستعادة الإنسان تبدأ باستعادة وعيه، وإيمانه بكرامته، وحقه في حياة تليق به. فحين يستعيد الإنسان إنسانيته، تستعيد المجتمعات قدرتها على النهوض، ويصبح المستقبل مشروعًا يمكن صنعه، لا حلمًا مؤجلًا.













07/18/2026 - 09:44 AM





Comments