مفاوضات لبنان وإسرائيل بين أمل الانسحاب وقلق السلاح

07/14/2026 - 12:05 PM

Arab American Target

 

روما - جورج ديب

في روما، المدينة التي اعتادت أن تكون مسرحًا للتاريخ، يجلس وفدان من لبنان وإسرائيل حول طاولة واحدة، محاطين بثقل اللحظة وطبقات القلق التي تراكمت على مدى أشهر من المواجهات. اليوم الثلاثاء، تُستأنف جولة جديدة من المحادثات برعاية الولايات المتحدة، في محاولة لفتح نافذة ضيقة نحو تهدئة الجنوب، حيث يعيش الناس منذ آذار الماضي بين هدير الطائرات وارتجاف الأرض تحت القصف.

ورغم أن الدبلوماسية الأميركية تحاول منذ أسابيع تثبيت وقف إطلاق نار فعلي، إلا أن التوتر الميداني لا يزال حاضرًا، كأنه يذكّر الجميع بأن أي اتفاق على الورق لن يكون كافيًا ما لم يلمس الناس تغيّرًا حقيقيًا في يومياتهم.

على مدى يومين، ينعقد الاجتماع في مقر السفارة الأميركية في روما، بهدف وضع آلية تنفيذ الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه في واشنطن في 26 حزيران الماضي. الاتفاق، الذي يُنظر إليه كخريطة طريق لإنهاء الصراع، يقوم على ثلاثة أعمدة أساسية: انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وحصر السلاح بيد الدولة. لكن بين النصوص والواقع، تقف حسابات سياسية وأمنية معقدة.

الوفد اللبناني يدخل المحادثات وهو يحمل مشروعًا واضحًا: انسحاب إسرائيلي "منطقة تلو الأخرى" وفق نموذج "المناطق التجريبية"، بحيث ينتشر الجيش اللبناني في كل منطقة بعد اتخاذ إجراءات أمنية فيها، قبل الانتقال إلى المنطقة التالية. هذا النموذج، كما يقول مسؤولون لبنانيون، ليس مجرد خطة تقنية، بل محاولة لإعادة بناء الثقة على الأرض، خطوة بخطوة، وبما يسمح للناس في القرى الحدودية بأن يشعروا بأن الدولة عادت إليهم.

الرئيس العماد جوزاف عون عبّر أمس عن أمله بأن تُترجم محادثات روما إلى خطوات ملموسة، تمهّد لبدء الانسحاب الإسرائيلي، وتعيد للجيش اللبناني القدرة على الانتشار الكامل في المناطق الحدودية التي بقيت لعقود رهينة الاشتباكات.

لكن في المقابل، تتمسك إسرائيل بالإبقاء على قواتها داخل شريط حدودي، معتبرة أن وجودها مرتبط ببقاء سلاح حزب الله. الحزب بدوره يرفض أي اتفاق يتضمن نزع سلاحه، ما يجعل المعادلة الأمنية أكثر تعقيدًا، ويضع المفاوضات أمام سؤال جوهري: كيف يمكن بناء سلام مستدام بينما يبقى أحد أطراف المعادلة خارج أي ترتيبات تتعلق بسلاحه؟

إيطاليا، التي تستضيف المحادثات، تحاول أن تلعب دورًا يتجاوز الوساطة اللوجستية. وزير الخارجية أنطونيو تاياني قال إن بلاده تريد أن تكون "عاصمة للسلام"، وأن توفر منصة حقيقية للحوار، في لحظة تبدو فيها المنطقة بأمسّ الحاجة إلى نافذة أمل.

في الجنوب، تستمر العمليات العسكرية بالتوازي مع المفاوضات، وكأن الأرض تختبر صدقية الكلام في روما. الولايات المتحدة تؤكد أنها تواصل التنسيق مع الجانبين لإطلاق المرحلة الأولى من مشروع "المناطق التجريبية"، الذي يُنظر إليه كاختبار عملي لمدى قدرة الأطراف على تنفيذ ما اتُّفق عليه.

وبين روما والحدود اللبنانية، يبقى الناس في القرى الجنوبية ينتظرون ما إذا كانت هذه الجولة ستفتح بابًا جديدًا، أو ستكون مجرد محطة أخرى في طريق طويل من الوعود المؤجلة. فالمفاوضات ليست مجرد بنود أمنية، بل هي محاولة لإعادة الحياة الطبيعية إلى منطقة دفعت ثمن الصراع أكثر من أي نصّ أو اتفاق.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment