بقلم: مارون سامي عزّام
امرأةٌ وجدت نفسها على هامش الحياة، رأت في فوضاها ملاذًا ينسجم مع صراعها الدائم مع الكماليّات التقنيّة الحديثة. تتصارع يوميًّا مع الحاضر، طامعةً في أن تَتصدّر المشهد العام، لتكون سيّدةً مؤثِّرةً كغيرها، غير أن الظروف همَّشتها، فزادها المجتمع قسوةً، مُتسرِّعًا في الحُكم عليها، ولم يترك لها خيار الدِّفاع عن نفسها.
تحاملت على حظّها، ولم تنل أبسط التفاتة من معارفها، حتّى انتفضت عليهم. صارت غير مبالية بالآخرين، وتصرّفاتها لا إراديّة... لا تُعير اهتمامًا لأحد. تتعامل مع عجائب الإنترنت من خلال هاتفها الذكي وتطبيقاته المتطوّرة، فوجدت فيها تحدِّيًا شخصيًّا لاكتشاف قدراتها الذاتيّة، وهذا عزّز شُعورها بوجودها، إلى أن حظيت باعترافٍ افتراضي.
تريد أن تُثبت أن حياتها العاديّة اليوميّة، وحياتها المنفتحة على عالم الأون لاين الذي تعيش فيه، لا تختلفان بتاتًا؛ لذلك لا يعنيها ما يُشاع عنها من أقاويل، لأنها تؤمن بأن ما تفعله ليس معصيةً، بل عملًا مشروعًا يوفّر لها دخلًا جيّدًا دون عناء، متناسيةً أنها في نهاية المطاف، تبيع ذاتها في ملاهٍ افتراضيّة يتّسع تأثيرها يوميًّا، إذ لا ترحم من يُسَلِّمها ذاته.
تذهب إلى أقصى حد في تعاملها مع الكاميرا التي عشِقَت وجودها اليومي أمام عدستها، حتّى جعَلَتها رفيقةً لمشوارها "الإعلامي التوثيقي". بات جسدها ماركة مُسجّلة في سِجِل الحياة العامّة، كل وضعيّة تتّخذها هذه السيدة تهدف إلى كَسِر المحرّمات. لقد نَسِيَت أن افتتاح ورشة صيانة شبابها قد دَنا، وعليها أن تُدرك أن العمر يسحبها خلسةً من حياتها الصاخبة بإحداثيّاتها المصطنعة، تاركًا لها واقعًا لن تنفع فيه عدسةٌ ولا منصّة؛ لذلك عليها أن تبدأ برحلة فطام عن هذا الإدمان.
تَعْتَبر نفسها نجمة مواقع التواصل، إذ تتمادى بنشر مقاطع فيديو قصيرة مثيرة للجدل على أشهر التطبيقات الشّبابيّة، لديها عشرات آلاف المتابعين الذين يتهافتون عليها، يطالبونها بتزويدهم بمثل هذه المحتويات، وأصبحت بنظرهم صانعة محتوى، تفضح أسرارها، فيتصاعد عدد المنضمين إلى نادي المعجبين، ليهدروا طاقة حب استطلاعهم، ممّا زادها "إصرارًا" على متابعة مسيرتها المهنيّة الجديدة! لكي تتخلّص من أنين وحدتها التي تبكي على حالها ليلًا.
زمنها الشبابي علَّمها كيف تُحرز هدفًا في شبكة طموحها الممزَّقة، لتستعيد حقَّها المسلوب في أن تعيش وفق ميولها. فهي تظن أنها لم تؤذِ أحدًا، غير مدركةٍ أن ما تفعله يؤذيها قبل غيرها، ويُلحق الضرر بصيت عائلتها. غدت كتاباتها المتجنّية على المجتمع وعاداته حديثَ الإعلام الجديد المُستباح. تُصوِّر استعراضاتها البهلوانية عبر حسابها على تطبيق تيك توك، فأثارت لغة جسدها لغطًا اجتماعيًّا واسعًا.
أصبحت إعصارًا مُدمِّرا للقِيم الأخلاقية، لا تتوقّف عن الإطاحة بأعمدة النصائح التي لم تنظر إليها. وجّهت لعائلتها اتّهاماتٍ مُهينة، وكأنّهم كانوا المسؤولين الوحيدين عن مسيرة انحرافها، مدّعيةً أنهم استمرّوا في تعقيد خيوط توبتها، علمًا أنهم حاولوا إعادتها إلى حضن رعايتهم. باتت تغذّي رغباتها من إمدادات التعليقات المفَبركة على مَقاطعها المصوّرة، خاصةً عندما تبدأ بالتَّحدث عن خصوصياتها بفُجور، محَطَّمَةً سقف المعقول، لدرجة أن خفافيش العار ذُعِرَت منها، مثيرة حولها ضجيج الالتباس!
كل شيءٍ تنشره يتحوّل خلال ثوانٍ إلى وقود دعائي يشعِل نيران ردود الفعل... فتنتشر حرائق التوبيخ بسرعة، على ألسنة شخصيّات عامّة واعتباريّة، لكنها على ما يبدو لم ترتدع من كلامهم أبدًا، بل اعتبرته إعلاءً من شأنها، لأول مرة ينتابها شعورٌ داخليٌّ بالفرح، بأنها "انتصرت معنويًّا" على معارضيها... صارت تدّعي أنها فازت أخيرًا بشهادة انتباههم، بفضل معانقتها لزمن الجنون الشّبابي!!











07/10/2026 - 08:22 AM





Comments