شبل الزغبي
ثلاثون عاماً من الاحتلال السوري لم تكن مجرد احتلال أرض، بل كانت مصنعاً لتفريخ عقلية الخضوع. لبنانيون تربّوا على انتظار الإشارة من دمشق، وحين رحل الاحتلال البعثي، ظنّ البعض أن الاستقلال قد اكتمل، فإذا بمحتلّ جديد يتلبّس ثوباً محلياً، ويُدعى حزب الله، ليكمل ما بدأه سلفه: تدجين الإرادة اللبنانية وتحويل القرار الوطني إلى مجرد صدى لأوامر تُصاغ في طهران.
المشكلة ليست في الاحتلال وحده، بل في الزعامات التي أنتجها هذا الاحتلال وأدمنت الخضوع له. فهؤلاء الذين قبّلوا الأيادي في عنجر بالأمس، هم أنفسهم من يركعون اليوم أمام إملاءات الضاحية. “من شبّ على شيء شاب عليه”، والعميل لا يتقاعد، بل يُبدّل سيده فحسب. هذه العقلية القاصرة، عقلية من لا يملك قراره، هي التي تفسّر التردد المريب لدى المسؤولين اللبنانيين كلما طُرح ملف السلام مع إسرائيل: فهم ليسوا أصحاب قرار سيادي، بل موظفون ينتظرون الإذن من الخارج، وقد أُدمنوا الخضوع حتى صار طبعاً لا تطبعاً.
نحن أمة لم تتعظ من حروبها، ولم تراجع إخفاقاتها بصدق، بل الأخطر أننا لم نُحسن حتى توظيف انتصاراتنا. كل جيل يكرر أخطاء الجيل الذي سبقه، وكأن لبنان محكوم بلعنة النسيان الوطني. الاحتلال يتغير لباسه ولغته وشعاراته، لكن الخضوع اللبناني الرسمي يبقى ثابتاً، متوارثاً، وكأنه صار جزءاً من الدستور غير المكتوب لهذه الطبقة السياسية.
إن الكرامة، أيها اللبنانيون، لا تُباع ولا تُشترى، ولا تُفاوَض عليها بالوكالة من سادة الخارج. فإما أن نكون شعباً صاحب قرار، يقرر مصيره بنفسه ويختار سلامه وحربه وتحالفاته بإرادة حرة، أو أن نبقى إلى الأبد ساحة تتصارع عليها الإرادات الأجنبية بينما “قادتنا” يتبارون في تقديم فروض الطاعة لمن يدفع أكثر نفوذاً.
الحكم واضح: كل زعيم ارتضى الخضوع لمحتل، سوري كان أم إيراني، هو خائن لصورة لبنان الذي يستحقه شعبه. وكل مسؤول يتردد اليوم في اتخاذ قرار السلام لأنه ينتظر إذناً من مراجع إقليمية أومن طهران أو من وكلائها، فهو استمرار لذات العبودية بثوب جديد.
لبنان الحر لن يُبنى على أكتاف عبيد الأمس وعملاء اليوم، بل على يقظة شعب قرر أخيراً ألا يشيب على ما شبّ عليه.











07/09/2026 - 07:28 AM





Comments