أخطر من تصريح نتنياهو... أن تبقى الدولة غائبة لا تسمحوا بتكرار مأساة أبناء الشريط الحدودي

07/06/2026 - 13:53 PM

Arab American Target

 

 

بقلم: فرنسوا الجردي

ليست المشكلة الأساسية في ما قاله بنيامين نتنياهو، بل في الظروف التي تسمح له بإطلاق مثل هذه الادعاءات ومحاولة توظيفها سياسيًا أمام الرأي العام الدولي.

سواء كان ادعاؤه بأن بعض القرى المسيحية اللبنانية طلبت الانضمام إلى إسرائيل صحيحًا أو مختلقًا، فإن الرد الوطني الحقيقي لا يكون بالصراخ ولا بحملات التخوين، بل بإثبات أن الدولة اللبنانية وحدها هي المرجعية الوحيدة القادرة على حماية جميع مواطنيها، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال.

لقد سارعت البلديات الحدودية إلى نفي هذا الكلام، مؤكدة تمسكها بلبنان وسيادته، وهو موقف يستحق الاحترام. لكن الأخطر هو أن يتحول هذا الملف إلى مناسبة جديدة لتخوين أبناء الجنوب، تمامًا كما حدث في مراحل سوداء من تاريخ لبنان.

لا تعيدوا إنتاج مآسي الماضي

لقد دفع أبناء الشريط الحدودي أثمانًا باهظة خلال سنوات الاحتلال والحروب. بعضهم بقي في أرضه رغم القصف والخطر، وبعضهم وجد نفسه، في ظروف استثنائية ومعقدة، مرتبطًا بواقع فرضته الحرب وليس خيارًا سياسيًا حرًا. وعندما انسحبت إسرائيل عام 2000، فرّ آلاف الأشخاص خوفًا من ردود الفعل والانتقام، بعدما شعروا بأن الدولة اللبنانية لم تكن قادرة على احتضانهم أو تأمين محاكمات عادلة لكل حالة على حدة. وما زال عدد منهم يعيش في المنفى حتى اليوم، بعيدًا عن أرضه وذكرياته وأهله.

هذه صفحة مؤلمة من التاريخ اللبناني، ويجب أن تبقى درسًا لا يتكرر، لا أن تتحول إلى نموذج يعاد إنتاجه كلما اشتدت الأزمات. فلا يجوز أن يكون أبناء القرى الحدودية أول من يدفع ثمن الصراعات، وآخر من تنظر الدولة إلى معاناتهم.

لا تتركوا المواطنين بين الاحتلال والخوف

المواطن الذي يعيش على الحدود لا يطلب امتيازات، بل يطلب أبسط حقوقه: الأمن، والاستقرار، وحقه في البقاء في منزله دون أن يتحول كل يوم إلى مشروع نزوح جديد.

عندما تغيب الدولة، يزداد الخوف. وعندما يزداد الخوف، يحاول الآخرون استغلاله. وهذه حقيقة سياسية يعرفها كل من قرأ تاريخ المناطق الحدودية في العالم.

لذلك، فإن مواجهة أي رواية إسرائيلية لا تكون بتحميل الأهالي مسؤولية ما يُقال عنهم، بل بإزالة الأسباب التي تسمح لمثل هذه الروايات بأن تجد من يصدقها.

حماية الحدود ليست مسؤولية الأهالي

ليس مطلوبًا من أبناء رميش أو القاع أو القرى السنية أو الدرزية أو المسيحية المتاخمة للحدود أن يتحملوا وحدهم أعباء الصراع.

حماية الحدود هي مسؤولية الدولة.

حماية المدنيين هي مسؤولية الدولة.

إعادة إعمار القرى هي مسؤولية الدولة.

تعويض المتضررين هو واجب الدولة.

وتأمين الحياة الكريمة لكل من اختار البقاء في أرضه هو واجب وطني لا يقبل التأجيل.

أين الدولة من القرى الواقعة على الخط الأزرق؟

من غير المقبول أن تبقى القرى الحدودية رهينة التطورات العسكرية والرسائل الإقليمية.

لقد آن الأوان لأن يتحول هذا الملف إلى أولوية وطنية، وأن يُطرح بقوة أمام لجنة الميكانيزم واللجان العسكرية والتقنية والمفاوضين، من أجل التوصل إلى ترتيبات تضمن أمن المدنيين بصورة دائمة، وتحمي القرى الواقعة بمحاذاة الخط الأزرق، مهما كانت هويتها الطائفية أو السياسية.

فالحديث هنا ليس عن تنازلات سياسية، بل عن حق المواطنين في الحياة.

ولا يجوز أن يبقى هذا الحق رهينة الحسابات الإقليمية أو التجاذبات الداخلية.

لا تجعلوا أبناء الجنوب ضحية مرتين

لقد كانوا ضحية الاحتلال.

ثم أصبح بعضهم ضحية الانقسام الداخلي.

واليوم، لا يجوز أن يصبحوا ضحية خطاب التخوين من جديد.

إن الوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل بمدى قدرة الدولة على احتضان جميع أبنائها دون تمييز.

وكل خطاب يدفع المواطنين إلى الخوف أو العزلة أو الشعور بأنهم متروكون لمصيرهم، هو خطاب يضعف الدولة بدل أن يقويها.

الدولة القوية هي الرد الحقيقي

إذا أرادت الدولة اللبنانية إسقاط كل الادعاءات الإسرائيلية، فعليها أن تقوم بما هو أبسط وأكثر فعالية:

أن تكون حاضرة في كل قرية حدودية.

أن يشعر المواطن بأن الجيش والدولة والقانون هم مصدر حمايته الوحيد.

أن تعيد الحياة إلى المناطق المنكوبة.

أن تنهي شعور أبناء الحدود بأنهم يعيشون وحدهم في مواجهة الأخطار.

عندها فقط، تسقط تلقائيًا كل محاولات الخارج لاستغلال معاناة اللبنانيين أو التحدث باسمهم.

خاتمة

إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم ليس تصريحًا يصدر من نتنياهو، بل أن نكرر نحن أخطاء الماضي، فنواجه الادعاءات الخارجية بالتخوين الداخلي.

لقد أثبت التاريخ أن الأوطان لا تُحمى بإقصاء أبنائها، بل باحتضانهم. ولا تُصان السيادة بإطلاق الاتهامات، بل بقيام دولة عادلة وقوية، لا تترك أي قرية، ولا أي عائلة، ولا أي مواطن، وحيدًا على الحدود.

فلتكن هذه القضية مناسبةً لإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة، لا لإعادة فتح جراح اللبنانيين. فالوطن الذي يحمي جميع أبنائه، لا يستطيع أحد أن يدّعي حمايتهم بدلاً منه.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment