م. ميشال كلاغاصي
لم تكن بداية العلاقة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني طبيعية وعادية، بل على العكس اتسمت بالعداء الإيديولوجي والسياسي الحاد، لتعود لاحقاً وتأخذ طابع "الغزل" والتقارب الدبلوماسي والمصلحي، خصوصاً مع تصاعد الخلافات بين ميلوني والإدارة الأميركية...
ففي مرحلة ما قبل توليها رئاسة الحكومة الإيطالية، هاجمت ميلوني ماكرون بشراسة، وانتقدت السياسات الفرنسية في أفريقيا عام 2018، وأزمة المهاجرين عام 2022، التي اعتُبرت أولى الأزمات بينهما فور تسلمها السلطة، على خلفية خلافٍ حاد حول قوارب المهاجرين اللا شرعييين، تلتها خلافاتٌ وصدامات حول سياسات ماكرون الداخلية في قضايا الإجهاض وحقوق المثليين، والخارجية المتعلقة بالسياسات الإقتصادية الأوروبية، لدرجةٍ دفعت ماكرون في فبراير 2026، لتوبيخها بشكلٍ علني، ودعوتها "للتوقف عن التعليق والتدخل في شؤون الدول الأخرى"، وذلك على خلفية وصفها مقتل ناشط يميني متطرف في فرنسا بأنه شكّل "جرحاً لأوروبا".
لكن دوام الحال من المحال، ورغم الخلافات انتقلت العلاقة السيئة إلى مرحلة الغزل والتقارب الدبلوماسي، وحاولت كلٌ من باريس وروما بناء جسور للتعاون لتمرير سياسات مشتركة تجاه تونس ولبنان، كذلك تم عقد لقاءاتٍ ثنائية بارزة بينهما لتهدئة الأجواء، تخللتها مشاهد ودية واستقبالات حارة من قبل ماكرون أثارت جدلاً إعلامياً.
لكن الخلاف بين ميلوني والإدارة الأميركية في منتصف عام 2026، جعلها تعيد تموضعها، وتجد في تقاربها مع القوى الأوروبية الكبرى (مثل فرنسا - ماكرون) مظلةً لحمايتها من سياسات واشنطن وحروبها التجارية، في وقتٍ سجلت فيها كافة المناسبات الثنائية والدولية ولحظات لقائمها، مصافحات مميزة وعناقاً حاراً وابتسامات عريضة ودعابات ماكرونية.
ويطرح السؤال نفسه، مالذي يخفيه الغزل والتقارب بين ماكرون وميلوني، ويفتح باب التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين باريس وروما..
بات من الواضح أن التقارب بينهما أتى على خلفيةٍ سياسية واستراتيجية متبادلة تجاوزت الخلافات الأيديولوجية بينهما، حيث يسعى ماكرون إلى كسب ميلوني كحليف يميني معتدل لتعزيز نفوذه داخل الإتحاد الأوروبي، فيما تبحث ميلوني عن غطاء سياسي ومصداقية دولية لتعزيز مكانة إيطاليا وتأمين مصالحها الإقتصادية والحدودية، أمورٌ شكلت بمجملها دوافع حقيقة للتقارب، ودلالات خفية ورغبة مشتركة لإعادة تشكيل موازين القوى الأوروبية.
ويأتي سعي ماكرون لإحتواء صعود اليمين المتطرف في أوروبا، عبر خططه لبناء الجسور مع ميلوني، التي أثبتت براغماتية سياسية، بما يساعده على تأمين استقرار القرارات داخل الإتحاد الأوروبي، وتهميش قوى اليمين الأكثر تشدداً، في وقتٍ تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والجيوسياسية لكلا البلدين في عدة ملفات حيوية مثل إدارة الهجرة غير الشرعية عبر البحر الأبيض المتوسط، وإصلاح ميثاق الإستقرار والنمو الإقتصادي الأوروبي، إلى جانب التنسيق في سياسات الطاقة والدفاع المشترك.
كذلك لعبت الحاجات المتبادلة بينهما دوراً فاعلاً عبر هذا التقارب، في وقتٍ تواجه فيه باريس تحديات داخلية متصاعدة، جعلتها تبحث عن دعم روما في مواجهة الأزمات، في حين وجدت ميلوني في ماكرون بوابةً تتيح لها لعب دور قيادي ومحوري أكبر في الساحة الأوروبية.
وعلى الرغم من المشاهد الودية واللقاءات، إلا أن العلاقة بينهما لا تخلو من التوترات العميقة واستمرار المنافسة، فقد شهدت الفترات الماضية تبادلاً للإنتقادات وحدةً في التصريحات حول قضايا حساسة كحقوق الإنسان، والتدخلات في الشؤون الأفريقية، بما يعكس التذبذب وتباين الرؤى حول كيفية إدارة النفوذ التقليدي لكل منهما على حدة.
ناهيك عن شعور ماكرون بالوحدة نتيجة الرحيل السياسي لصديقه البريطاني كير ستارمر، واندفاعه نحو ميلوني، واستقبالها المميز في مدينة في انتيب الساحلية جنوب فرنسا في 25 حزيران/يونيو 2026، في أول قمة فرنسية-إيطالية منذ دخول معاهدة التحالف الإستراتيجي حيز التنفيذ عام 2021، وقد عنون الإليزيه القمة بعبارة "كلٌ منا بحاجة للاّخر"، فيما وجدت فيها الرئاسة الفرنسية "فرصةً لتعميق التعاون الفرنسي الإيطالي قطاعات استراتيجية كالدفاع والطاقة النووية والفضاء.
من جهةٍ أخرى، يبدو أن ماكرون يحاول استمالة ميلوني الصديقة لترامب، أو المتصادمة معه.. خصوصاً وأنها لا تنفك عن تقديم نفسها كجسرٍ بين أوروبا والرئيس ترامب، والذي تواجه لأجل علاقتها معه الإتهامات بممارسة نفوذها في بروكسل، وبمحاولاتها لإضعاف الإتحاد الأوروبي.
لكن رياح الخلافات مع ترامب حول تخفيض الإنفاق الدفاعي لإيطاليا، ورفض ميلوني دعمه في حربه على إيران، والإنتقادات الأمريكية الأخيرة للبابا، بالإضافة لنأي ميلوني بنفسها عن ترامب نتيجة ما حصل مؤخراً في أعقاب قمة مجموعة السبع في فرنسا، بعدما انتقدت "هجماته المستمرة وغير المبررة"، وسخرية ترامب منها لـ "توسلها" إليه لإلتقاط صورةٍ معه، ادعاءٌ سخرت منه ميلوني ورفضته بتصريحٍ قوي: "أنا وإيطاليا لا نتوسل أبدًا".
ورغم ضحكاتها وتناغمها السابق مع ترامب، عندما سخر من ماكرون في مؤتمر غزة للسلام في أكتوبر الماضي، تعلم ميلوني بأنها أصبحت هدفاً لترامب، وتدرك أن تقاربها مع ماكرون سيثير حفيظة ترامب وربما غضبه أيضاً، ومع ذلك تجاوزت خلافاتها مع ماكرون، وبحثا معاً في قمة – انتيب الإسبوع الماضي رغبتيهما المشتركة في تشكيل تحالفٍ دولي في لبنان بحلول نهاية هذا العام، ليحل محل قوات اليونيفيل الأممية التي ستنتهي مهامها في 31 ديسمبر/كانون الأول، وسط تأكيد ماكرون بأن التحالف ضروري "لتعزيز سيادة لبنان وقواته المسلحة" لمنع المزيد من التوترات الإقليمية.
قد يكون الإليزيه محقاً بعنونة قمة ماكرون – ميلوني بـ "كلٌ منا بحاجة للاّخر"، حيث تبرز حاجة ماكرون الداخلية للدعم الإيطالي، بعدما أصبح حضوره باهتاً في نظر الفرنسيين، وتراجعت نسب تأييده إلى مستويات غير مسبوقة، وبإنتظار ما تبقى له لمغادرته الإليزيه، في حين تحتاجه ميلوني خارجياً كحليف لمواجهة خصمين هما الاتحاد الأوروبي ودونالد ترامب، وداخلياً لتعزيز شعبيتها استعداداً للإنتخابات في العام القادم.












07/06/2026 - 09:45 AM





Comments