الحزب الثالث في أميركا... حلم يتكرر منذ قرنين

07/02/2026 - 08:44 AM

Atlantic home care

 

 

سيرينا جمال دملج *

لم تكن الدعوة التي أطلقها الإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون للمساعدة في تأسيس حزب سياسي ثالث في الولايات المتحدة مجرد تعليق عابر على خلافات حزبية داخلية، بل أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتكرر كلما بلغت الحياة السياسية الأميركية مستويات مرتفعة من الاستقطاب: هل يستطيع النظام الأميركي أن يخرج يومًا من الثنائية التقليدية التي حكمته منذ أكثر من قرنين، أم أن فكرة "الحزب الثالث" ستبقى حلمًا يتجدد مع كل أزمة ثم يصطدم بصلابة البنية السياسية والدستورية؟

قد تبدو الولايات المتحدة، من الخارج، واحدة من أكثر الديمقراطيات رسوخًا في العالم، لكن من يتأمل تاريخها الحزبي يكتشف مفارقة لافتة. فالدستور الأميركي لم ينص يومًا على وجود حزبين، ولم يفرض نظامًا ثنائيًا للحياة السياسية، بل إن الآباء المؤسسين أنفسهم أبدوا قدرًا كبيرًا من الحذر تجاه الأحزاب، معتبرين أنها قد تتحول إلى أدوات للاستقطاب والانقسام. ومع ذلك، سرعان ما أفرزت الممارسة السياسية نظامًا استقر عمليًا على حزبين كبيرين يتناوبان على السلطة، هما الجمهوري والديمقراطي.

المحطات المختلفة... والنتيجة الواحدة

منذ منتصف القرن التاسع عشر، لم ينجح أي حزب ثالث في كسر هذه الثنائية بصورة دائمة. صحيح أن أسماءً جديدة ظهرت في محطات مختلفة، وأن بعضها استطاع تحقيق نتائج انتخابية لافتة أو التأثير في الخطاب السياسي العام، إلا أن جميع تلك التجارب انتهت إلى النتيجة نفسها: التأثير في الحزبين الكبيرين، لا الحلول مكان أحدهما.

ولا يعود ذلك بالضرورة إلى ضعف الأفكار التي حملتها تلك الأحزاب، بل إلى طبيعة النظام الانتخابي الأميركي نفسه. فآلية "الفائز يحصد كل شيء" في معظم الدوائر والولايات، إضافة إلى نظام المجمع الانتخابي، وصعوبة الوصول إلى بطاقات الاقتراع في الولايات المختلفة، تجعل الطريق أمام أي حزب ناشئ شديد الوعورة. وهكذا، تتحول المنافسة غالبًا إلى سباق بين قوتين كبيرتين، فيما يجد أي منافس ثالث نفسه أمام معركة غير متكافئة منذ اللحظة الأولى.

ومع ذلك، فإن لهذه الثنائية الحزبية وجوهًا إيجابية لا يمكن إنكارها. فقد ساهمت طوال عقود في توفير قدر من الاستقرار السياسي، ومنعت الانقسام البرلماني الحاد الذي تعانيه بعض الديمقراطيات متعددة الأحزاب. كما سهّلت تداول السلطة، وأتاحت للناخب الأميركي الاختيار بين برنامجين سياسيين واضحين نسبيًا، بدل الدخول في مفاوضات ائتلافية طويلة بعد كل انتخابات.

الخلافات... وإدارة الملفات

لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة أصبح أكثر وضوحًا خلال العقدين الأخيرين. فقد أدى احتكار الحزبين للمشهد السياسي إلى ارتفاع مستوى الاستقطاب، وإلى شعور قطاعات متزايدة من الأميركيين بأن الخيارات المطروحة لم تعد تعبّر عن التنوع الحقيقي للمجتمع الأميركي. وفي قضايا كبرى مثل السياسة الخارجية، والإنفاق العسكري، ودور الولايات المتحدة في النزاعات الدولية، يرى منتقدون أن الفوارق بين الحزبين باتت أضيق مما توحي به الحملات الانتخابية، وأن الخلافات غالبًا ما تتركز على إدارة الملفات أكثر مما تتعلق بجوهرها.

ومن هنا، يمكن فهم تصريحات تاكر كارلسون بوصفها تعبيرًا عن حالة أوسع من التململ داخل قطاعات من الرأي العام الأميركي، أكثر منها إعلانًا عن مشروع حزبي مكتمل. فالرجل لم يعلن تأسيس حزب رسمي، ولم يطرح برنامجًا سياسيًا متكاملًا، لكنه لامس شعورًا يتكرر كلما تصاعدت حدة الانقسام بين الجمهوريين والديمقراطيين: شعور بأن النظام السياسي أصبح يدور داخل دائرة مغلقة يصعب اختراقها.

تجارب الماضي... والحاضر المتغيّر

غير أن التاريخ الأميركي يدعو إلى شيء من الحذر في تقدير فرص نجاح أي حزب ثالث. فقبل كارلسون، ظهرت شخصيات سياسية ورجال أعمال وحركات إصلاحية رفعت الشعارات نفسها، واستطاعت أحيانًا استقطاب ملايين الناخبين، لكنها لم تتمكن من التحول إلى قوة حزبية دائمة. وكان تأثيرها الأكبر يتمثل في دفع أحد الحزبين الكبيرين إلى تبني بعض أفكارها أو تعديل أولوياته، لا في إعادة رسم الخريطة الحزبية برمتها.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الولايات المتحدة اليوم تختلف عن أميركا التي عرفها القرن العشرون. فوسائل الإعلام التقليدية لم تعد تحتكر تشكيل الرأي العام، ومنصات التواصل الاجتماعي أتاحت لشخصيات مستقلة الوصول إلى جمهور واسع خارج القنوات الحزبية التقليدية. كما أن تراجع الثقة بالمؤسسات، وتصاعد الاستقطاب الثقافي والسياسي، واتساع الفجوة بين النخب والناخبين، كلها عوامل تخلق بيئة أكثر قابلية لطرح أفكار كانت تبدو مستحيلة في السابق.

غير أن هذه التحولات، مهما بلغت أهميتها، لا تعني بالضرورة أن الطريق أصبح مفتوحًا أمام حزب ثالث. فالنجاح في السياسة الأميركية لا يتطلب خطابًا جماهيريًا فحسب، بل يحتاج إلى بنية تنظيمية تمتد عبر الولايات الخمسين، وإلى شبكة تمويل ضخمة، وإلى قدرة قانونية ولوجستية على خوض الانتخابات المحلية والكونغرس والرئاسة في آن واحد. وهذه متطلبات جعلت معظم المحاولات السابقة تتعثر قبل أن تتحول إلى مشروع وطني متكامل.

ولعل المفارقة الأهم أن الحزب الثالث، حتى عندما يفشل في الوصول إلى البيت الأبيض، قد ينجح في تحقيق هدف آخر لا يقل أهمية: تغيير النقاش السياسي نفسه. فكثير من الأفكار التي بدت يومًا هامشية دخلت لاحقًا إلى برامج الجمهوريين أو الديمقراطيين، بعد أن فرضتها قوى صغيرة على جدول الأعمال العام. وبذلك، يصبح تأثير الحزب الثالث غير مباشر، لكنه قد يكون عميقًا ومستدامًا.

الحزب الثالث... والسؤال المفتوح

في النهاية، لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كان تاكر كارلسون سينجح في تأسيس حزب جديد، بل في ما إذا كانت الحياة السياسية الأميركية بلغت مرحلة تجعل ما كان مستحيلًا طوال قرنين قابلًا للتحقق اليوم. فالثنائية الحزبية التي وفرت للولايات المتحدة قدرًا كبيرًا من الاستقرار، تواجه في الوقت نفسه اختبارًا غير مسبوق في عصر تتغير فيه أنماط الاتصال، وتتبدل أولويات الناخبين، وتتراجع الثقة بالمؤسسات التقليدية.

وربما لهذا السبب تحديدًا، يتكرر حلم الحزب الثالث جيلًا بعد جيل. فهو ليس مجرد مشروع انتخابي جديد، بل تعبير دائم عن رغبة شريحة من الأميركيين في توسيع هامش الخيارات السياسية. أما ما إذا كان هذا الحلم سيتحول يومًا إلى واقع، فسيظل سؤالًا مفتوحًا، تمامًا كما كان قبل قرنين.

 

* كاتبة وإعلامية لبنانية – روسية تعيش في واشنطن

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment