بين الهدنة والإنعاش الاقتصادي: فرصة تاريخية للبنان بشرط واحد

06/24/2026 - 08:05 AM

Prestige Jewelry

 

 

علي جزائري

قد يكون من المبكر الحديث عن النتائج قبل تبلور المشهد السياسي والأمني بشكل كامل، إلا أن المؤشرات الأولية لأي هدنة إقليمية أو تفاهمات دولية واسعة تفتح الباب أمام نقاش جدي حول مستقبل الاقتصاد اللبناني وإمكانية خروجه من واحدة من أسوأ الأزمات المالية في تاريخه الحديث.

فلبنان، الذي استنزفته سنوات من الانهيار النقدي والمالي، لا يحتاج إلى معجزات بقدر ما يحتاج إلى استعادة الحد الأدنى من الاستقرار والثقة. وعندما تتوقف الحروب وتتراجع المخاطر الأمنية، تبدأ رؤوس الأموال بالبحث عن فرص جديدة، ويصبح الاقتصاد اللبناني مرشحاً للاستفادة من أي موجة استثمار أو إعادة إعمار أو تدفقات مالية مرتبطة بالمنطقة.

وفي حال شهدت المرحلة المقبلة ضخ أموال خارجية إلى لبنان، سواء من دول عربية أو من مؤسسات وصناديق دولية أو من القطاع الخاص، فإن ذلك قد يشكل نقطة تحول حقيقية. فالمليارات التي تدخل إلى الدورة الاقتصادية لا تنعكس فقط على الخزينة، بل تحرك قطاعات البناء والعقارات والسياحة والخدمات والمصارف والتجارة، وتخلق فرص عمل وتزيد القدرة الشرائية وتحسن إيرادات الدولة. غير أن جوهر المسألة لا يكمن في حجم الأموال فحسب، بل في طبيعتها.

فلبنان لم يعد قادراً على تحمل المزيد من الديون. والدولة المثقلة أصلاً بأحد أعلى معدلات المديونية في العالم لا تستطيع الاستمرار في سياسة الاستدانة التي أوصلتها إلى الانهيار. ولذلك فإن أي خطة إنقاذ حقيقية يجب أن ترتكز على الهبات والاستثمارات المباشرة والشراكات الإنتاجية، لا على القروض الجديدة التي تؤجل الأزمة ولا تعالجها.

فالاستثمار يبني أصولاً وينشئ مؤسسات ومشاريع ويخلق فرص عمل، بينما يضيف القرض أعباءً مالية وفوائد والتزامات مستقبلية على دولة تعاني أصلاً من عجز مزمن وضعف في الإيرادات. وبين النموذجين فرق شاسع بين اقتصاد ينتج الثروة واقتصاد يعيش على الاستدانة.

لكن الأموال وحدها لا تكفي. فالتجارب السابقة أثبتت أن مليارات الدولارات يمكن أن تتبخر إذا غابت الإصلاحات والحوكمة والشفافية. لذلك فإن أي فرصة اقتصادية مقبلة يجب أن تترافق مع إصلاحات جدية في الإدارة العامة والقضاء والقطاع المالي والكهرباء والرقابة على الإنفاق العام.

إن الهدنة، إذا تحققت واستمرت، قد تكون بداية مرحلة مختلفة للبنان. غير أن النجاح لن يقاس بحجم الأموال الوافدة، بل بقدرة الدولة على تحويل هذه الأموال إلى نمو مستدام وفرص عمل واستقرار اجتماعي. أما إذا عادت الذهنية القديمة نفسها، فإن المليارات ستضيع كما ضاعت فرص كثيرة من قبل.

لبنان يقف اليوم أمام احتمال نادر: نافذة قد تفتح نحو التعافي بعد سنوات من الانهيار. لكن هذه النافذة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، وما يحتاجه البلد ليس المزيد من الديون، بل المزيد من الثقة والاستثمار والإدارة الرشيدة. عندها فقط يمكن أن تتحول الهدنة السياسية إلى انفراج اقتصادي حقيقي يشعر به المواطن في حياته اليومية، لا مجرد أرقام تضاف إلى سجلات الدين العام.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment