قصص قصيرة / خيبات تحت سماء العراق

06/20/2026 - 09:19 AM

Arab American Target

 

 

 

الكاتب: أسعد عبدالله عبدعلي

 

(1)

مشنقة بتوقيت بغداد الجديدة

ثمة تواريخُ لا تكتفي بالمرور في تقويم العمر، بل تعسكر في الذاكرة كجيشٍ مدججٍ بالغياب. يوم الرابع من حزيران عام 1997؛ لم يكن مجرد أربعٍ وعشرين ساعة عبرت ركود الأيام، بل كان فخاً زمنياً أطبق على روحيهما معاً. كلما فرّا من خطوط التجاعيد على وجهيهما، أعادهما التفصيل ذاته إلى ذلك الزقاق، وإلى الساعة التي تجمدت عقاربها عند حافة الانتظار. كان موعداً مشحوناً بالوعود، لكن القدر غافلهما ليترك الحكاية معلقةً في المنتصف.

ساعة الجدار في مطعم "الدامياء" لم تكن تقدم الوقت، بل كانت تطحنه طحناً بطيئاً مرعباً. في تلك الزاوية القصية من "بغداد الجديدة"، كان يجلس وحيداً، يراقب عقرب الثواني وهو يغرس إبره المعدنية المدببة في لحم صمته وانتظاره المتفحم. في ذلك الزمن الذي يخلو من الهواتف المحمولة، يغدو الجلوس دون جليس مواجهة عارية، شرسة ومباشرة مع المجهول، حيث ينبثق الوقت من إطاره الفيزيائي البارد ليتحول إلى وحش ضاري ينهش الوعي.

للمرة الثالثة، يقتحم النادل عزلته بابتسامة متكلفة صيغت من مجاملات باهتة، ليقذف في وجهه سؤاله الرتيب: "تطلب شي عيوني؟"، فيكتفي بإيماءة نفي خرساء، شاعراً بكلمات النادل كأنها وخز ميكانيكي حاد يجلده، ويذكره بعبثية الموقف وهوانه.

غرق في لجة مونولوج داخلي سحيق، متسائلاً بمرارة فلسفية: أليس الانتظار في جوهره اعترافاً صامتاً ومذلاً بأن وجودنا كائنات ناقصة، ومبتورة لا تكتمل إلا بعبور الآخر؟ وماذا لو كان هذا الآخر بأكمله مجرد وهم ركّبناه في مصانع المخيلة المهجورة؟ بدأت الظنون السوداء تنهش هدوءه المصطنع، وتقذف بعقله القلق بين سيناريوهات الفجيعة؛ هل الأمر كله مجرد مقلب فج وألعوبة طفولية دُبِّرت لكسر كبريائه المتغطرس؟ أم أن عارضاً أسود في منعرجات شوارع بغداد ودروبها قد خطفها من الوجود؟ أم أنها، وهو الاحتمال الأكثر إيلاماً، لا تحبه، وأن هذا الغياب هو رسالة رفض واضحة؟

مع كل فكرة مسمومة كانت تتخلق في رأسه، كان الهواء في الصالة يغدو رصاصاً كثيفاً يمتص الأكسجين من رئتيه، وجدران "الدامياء" تضيق وتزحف نحوه لتطبِق على أنفاسه. امتدت أصابعه المرتجفة في حركة مذعورة إلى ربطة عنقه، فكّ عقدتها بعنف أهوج وهو يشعر باختناق حاد وضيق لم يكن يسببه القماش قط، بل تسببه فكرة الخذلان التي طوقت عنقه كحبل مشنقة.

لم يعد يطيق البقاء في دور الطرف الأضعف، ذلك الطرف المهزوم في معادلة الانتظار, انتفض واقفاً بغتة، حاسماً أمره بمرارة تقطر قيحاً، وغادر المكان بخطى متعثرة وهو يهمس لنفسه باحتقار مبطن بالهزيمة: لعنة الله على الحب... إنها لعبة خاسرة.

بعد رحيله بنصف ساعةٍ قطّعت نياط الأمل، وصلت هي، والأنفاس في صدرها تتسابق مذعورةً مع دقات قلبها الخائف، ووجهها الشاحب يحمل آثار رعبٍ حقيقي خطّته تضاريس ازدحام بغداد الخانق، حيث حافلات "الريم" والسيارات المتكدسة كأجسادٍ بلا أرواح شلّت الحركة تماماً في الشارع العام، لتقضي نصف ساعةٍ مريرة، بائسة، وهي عاجزة في هذا العصر الخالي من الهواتف عن إبلاغه بأي وسيلةٍ أنها تقاتل الوقت في الطريق إليه.

صعدت درج المطعم مهرولة، والكون يضيق في عينيها اللتين تتلفتان بجنونٍ بحثاً عن ملامحه التي رسمتها في خيالها لأيامٍ وليالٍ، لكن الزاوية كانت فارغةً كفراغ روحها، والمقعد بارداً كبرود الموت، والنادل ينظف الطاولة بنظرةٍ آلية خالية من أي اهتمام.

في تلك اللحظة، سقطت فوراً في فخ الأسئلة النفسية القاتلة، ولكن من الطرف المقابل للوجع ذاته؛ فتساءلت بمرارةٍ تنهش وعيها إن كان ما جرى مقلباً خبيثاً منه ليعاقبها ويهين أنوثتها، أم أنه خدعها منذ البداية ولم يطأ المكان أصلاً، أم أنه ببساطة لا يحبها بما يكفي ليدفع ثمن الانتظار؟ اصطدمت فلسفتها بجدار الواقع الأصم، وتساءلت بمرارة غاضبة عن هشاشة هذا الحب المزعوم الذي لا يحتمل اشتياقه صبر نصف ساعةٍ على أرصفة الأعذار، وعما إذا كانت "الأنا" لديه قد تضخمت وتورمت إلى حدٍ قتل فيه كل احتمالات الالتماس والتماس العذر. 

هبطت درجات "الدامياء" بخطى وئيدة واجفة، كأنما تجر خلفها سلاسل الخيبة وأثقال انكسار مرير. كانت تمشي كأثر عابر يلملم شظايا كبريائها الجريح، في عصر غاشم بدائي، شحت فيه سبل الوصال وغابت وسائل التواصل الفوري، لتسوده قسوة الأحكام الجائرة المتسرعة، وتتحكم بمصائره قطيعة أبدية لا رجعة فيها.

ومثل غيمة حالكة مثقلة بالسموم واللواعج، نفثت في فضاء "بغداد الجديدة" زفرة حارقة، صاغتها في عبارة واحدة اختزلت بها دوي خيبتها التي هزت أركان روحها، فقالت بنبرة غلبها الأسى: "سحقاً للحب... و.."... ومع تلاطم الحروف في فم المدينة، بقيت تلك الـ "واو" معلقة في الهواء كمشنقة للأمنيات، تاركة خلفها صدى مأساة لم تكتمل، وعاصفة من الصمت تبتلع ما تبقى من حطام القلب.

 

(2)

قرابين في محراب بعل

في تلك المساحة الرمادية الشاسعة التي نطلق عليها تارةً "الحب" وتارةً "الصداقة"، غرسنا معاً حكايات دافئة، وتقاسمنا فيها تفاصيل صغيرة؛ خبز الأيام، وملح العِشرة، وأسراراً ظننا أن الليل لن يفشيها أبداً.

كانوا يرتدون أقنعة نُسجت من خيوط النور، ملامح ممعنة في الرقة والقرب، حتى خُيل لقلبي الأخضر أن أرواحنا تآخت في السماء قبل أن تلتقي أجسادنا على الأرض. بسلامٍ طفولي، أودعتُ روحي في أكفهم، ونمتُ ملء جفوني مستنداً إلى جدار ثقتهم، واثقاً أن الجدران لا تميل.

لكن الحياة قطارٌ غريب، يسير على سككٍ عوجاء؛ في محطاته المقلوبة، يرتفع الزيف ليتصدر المشهد، بينما يُدفع بالنقاء ليتوارى في الخلف.

فجأة، ومن مسافةٍ لا تفصل بين القلب والقلب، انغرس النصل في الظهر. لم تكن الطعنة مؤلمة لحدة معدنها البارد، بل لهوية تلك اليد الدافئة التي حملتها. التفتُّ لأرى ذلك الوجه الذي طالما أملتُ فيه خيراً، وقد انسلخ عن قناع النور ليفرز ملامح غريبة، تبتسم بانتصارٍ رديء. يا للمفارقة.. أولئك الذين أمسكتُ بأيديهم طويلاً وعلّمتهم كيف يمشون، كانوا أول من ركضوا بخيولهم فوق جراحي.

تتحدث الأساطير الغابرة عن انبعاث العهود المظلمة، وعن دبيب الحياة في عروق طرقاتٍ موحشة، عاد التاريخ ليمهدها كي تُعبد فوقها الآلهة الراقدة في جوف الإثم. هناك، في العتمة الارتدادية للبشرية، يُرفع "بعل" من جديد؛ إله الغدر المكلل بالخديعة، وسيد الشرور التي تفيض بها نفوسٌ خلعت ثوب آدميتها.

حين التفتُّ لتقصّي أثر الطعنة، ونظرتُ في عيونهم، لم أرَ مجرد ملامح بشرية غادرتها المروءة وجفت فيها دماء الحياء، بل أبصرتُ معابداً كاملة البنيان قائمة في مآقيهم، وقرابين من لحمي تُذبح على نيتهم، وتراتيل خفية من المكر تُتلى في محراب ذلك الوثن القديم.

لقد شيّدوا حيواتهم، وجلسوا على عروش صعودهم الزائف، لكنها عروشٌ واهية نُحتت من التواء الخيانة، وقامت على جماجم الوعود. ما أشد مفارقات الوجود؛ إننا نموت مرة واحدة بنصل الغرباء، لكننا نموت ألف مرة في اليوم الواحد لأننا أسندنا أرواحنا إلى جدرانٍ حسبناها قريبة، فكانت أول ما سقط علينا. 

وهنا يقف القلب على حافة السؤال الكبير: هل يملك الغدر القدرة على مصادرة حقنا في الأمان وسلبنا فضيلة الثقة بالآخرين تماماً، أم أنه ليس سوى منخلٍ قاسٍ وضعتْه الحياة لتنقية دروبنا من أصحاب الأقنعة والمسوخ؟

 

(3)

صك الحياة وطابور القيامة

كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ. لم يكن قد انقضى على زلزال "سبايكر" سوى شهر واحد؛ ثلاثون يوماً عبرت كأنها جذاذات من دهر سرمدي معجون بالجمر والترقب.

كانت الأزقة حبالاً من مآتم، اتشحت البيوت فيها برداء ليل طويل لا فجر له، فيما الأمهات، كجوقة من الثواكل الأبديّات، يمشطن بأصابع مكسورة ملامح البنين الغائبين العالقة على أرصفة الفقد والشوارع المذهولة.

في جوف تلك العتمة الخانقة، كان "ضياء" يقبع في ركن جرحه، مطوقاً بذراع الأسى، كمن يجلس في مقبرة جماعية للأمنيات؛ يقلب في دفتر ذاكرته النازف وجوه الرفاق الذين عبروا نهر الرحيل بلا التفاتة، ولم يتركوا وراءهم سوى صدى ضحكاتهم المصلوبة على سياج القاعدة. وفي غمرة هذا الانكسار، خدش الصمتَ الرتيب رنينٌ مباغت؛ رنين برقم غريب، وافد من مجاهيل الصدمة كأنه طائر نعي لم يألفه من قبل.

تحامل على كاهله المتعب، وضغط على زر الإجابة بصوت خفيض يغشاه غبار الإنهاك، مستفهماً عن طارق هذا الأرق الجديد. ومن الطرف الآخر للغياب، انبعث عبر السلك صوت متهدج، تائه، مثقل بأنفاس الموصل القديمة ومسكوناً برائحة الخوف الرمادي، ليهمس كمن يستجلي شبحاً: "أأنت ضياء؟... أنا صديقك مصطفى محمود. الحمد لله على انبعاثك يا أخي.. أخبرني، أأنت حقاً ما زلت تدب على قيد هذه الحياة؟".

انسابت تلك الكلمات في روع ضياء كالموج البارد المباغت في جوف ليلةٍ محترقة؛ صدمةٌ أعادت إلى عروقه تجمد الخوف القديم, بعد أن ظن أن اليأس قد وطّن نفسه. تنهد تنهيدةً طويلة، كمن يزيح عن صدره ركام مدينةٍ مهدمة، وتنفس بمرارةٍ لاذعة تشبه طعم الرماد، ثم قذف بحروفه عبر المدى وقال:

"نعم، أنا ضياء... الأثر المتبقي من ذلك الخراب. أنا الذي لم أخرج مع رفاقنا يوم انفتحت أبواب الجحيم، بل بقيتُ معلقاً بانتظاري، مرابطاً في جدار الصمت داخل مقر القيادة بقاعدتنا المنكوبة. لكني، يا مصطفى، رأيتك... رأيتك بعينيّ هاتين اللتين لا تزالان تبصران الكابوس كلما أغمضتهما؛ رأيتك وأنت تخطو بروحك وسط ذلك الطابور الطويل الممتد، طابور السائرين نحو حتفهم بلا رجوع.

لقد حصدوهم جميعاً يا صديقي، قطفوا أعمارهم بدمٍ بارد ومضوا، استشهدوا وتركوا قلوبنا وراءهم منازل مهجورة تنزف دماً يرفض الجفاف... فكيف أفلتّ أنت من تلك المقصلة؟ أخبرني، بحق السماء التي شهدت انكسارنا، كيف تملصت من بين تلك المخالب الضارية للموت؟ وكيف بقيت حياً لتهاتفني الآن، والجميع هناك صاروا تراباً وأسماء مستباحة؟".

ساد في المدى صمتٌ جلموديّ ثقيل، صمتٌ رصاصي تآكلت فيه الأنفاس وضاق به فضاء الهاتف، حتى تخثرت الدموع خلف الأسلاك وتحجرت في مآقي الروح قسوة اللحظة. كانت برهة من الزمن بدت كأنها نزاع احتضار طويل، قبل أن يقرر مصطفى شقّ هذا السكون الكثيف ويبوح بسر النجاة المرّ؛ السر الذي نزل كشفرة صَدِئة تقطع نياط القلب وتدمي الضمير الإنساني:

"لقد نصبت لنا الأقدار فخاً على مسافة من القاعدة، حيث أوقفتنا هناك عشائر تكريت، وحشرونا في طابور جنائزي طويل ومرعب، كان يشبه في وحشته طابور القيامة المؤجلة. هناك، لم يكونوا يفتشون في جيابنا، بل كانوا يفتشون الوجوه ويدققون في الحروف الميتة على ورق الهويات بدمٍ أبرد من مياه الموت؛ فمن وجدوا أن لقبه يتصل بعروق عشيرةٍ سنية، أفسحوا لعمره الممر، ومنحوه هواء زائداً وقالوا له اذهب إلى أهلك سالماً..

أما من قادته الصدفة العاثرة وكان لقبه يعود بجذوره إلى عشائر الجنوب الشيعية، فقد كانوا يعزلون جسده وروحه على صفحة الغياب، كمن يُفرز حطباً يابساً، تمهيداً لكسر كبريائه وإطفاء شمعة حياته إلى الأبد. أنا... عشيرتي (سبعاوي) يا ضياء، هذه الحروف القليلة كانت درعي الواقي، صكي الوراثي الذي جعلهم يتركونني أتنفس. والآن، بعد أن تيبس الدم في العروق، نفضتُ عن كاهل عائلتي غبار الخوف المذل، وخرجنا نهيم على وجوهنا في منافي الأرض، نلتمس ملاذاً في أربيل".

انطفأ الصوتُ وانقطع الخيط، تاركاً خلفه رنين الصمت يطبق على أنفاس الغرفة ككفنٍ رمادي. بقي ضياء مصلوباً في العتمة، يحدق بنظراتٍ زجاجية في سديم الفراغ، كمن يشهد انهيار العالم في لقطة بطيئة. في تلك اللحظة، تيبست في روعه غصةٌ قاحلة، أعمق وأشد مرارة من مجرى دجلة حين يشحّ ماؤه في مواسم الجفاف وينكشف قاعه عن تشققات الوجع الطيني.

كان عقله يغرق في لجة وعيٍ مرير وسوداوي، وهو يتأمل كيف يمكن لبضعة أحرفٍ خُطّت على ورق الهوية البالية، أن تتحول في لحظةٍ غادرة إلى ميزان لقيامة عبثية، يمنح صكوك الحياة لاسمٍ، ويقود لقباً آخر إلى مقصلة عمياء تصدر أحكام الإعدام الفورية بناءً على سلالة الطين.

لقد أدرك، بنفاد صبر الروح، أن الفاجعة لم تنتهِ عند حافة النهر ولم توقفها لغة الرصاص؛ بل نفثت سمومها لتترك وراءها عقوبة "النجاة المشوهة"، أرواحاً نجت بهياكلها وأجسادها فقط، لكنها ماتت سيكولوجياً من فرط الحزن والأسى، لتكمل رحلة العمر كجثث مؤجلة الدفن، تحمل في صدورها وجع رفاقها الغائبين.

 

• قصة حقيقية من قصص مجزرة تكريت (قاعدة سبايكر) عام 2014

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment