إيران بين التهديد الحقيقي والتوظيف السياسي: أين تقف الحقيقة؟

06/05/2026 - 10:35 AM

San diego

 

 

معتز فخرالدين *

 

منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، والعلاقة مع جيرانها العرب معقّدة. فيها شعارات الثورة، وفيها صراع على النفوذ، وفيها أيديولوجيا. ومع مرور الزمن، تحولت إيران إلى واحدة من أبرز الملفات في الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة. فأصبح السؤال يُطرح بإلحاح: هل تمثّل إيران فعلاً خطراً على جيرانها العرب؟ أم أن الولايات المتحدة هي من ضخّمت هذا الخطر وسخّرته لخدمة أهدافها؟

أمريكا استفادت من "الخطر الإيراني".. لكن الحقيقة أعمق

لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة لم تخترع هذا الخطر من العدم، لكنها استثمرته ببراعة. وكما قدّمت لنا العراق في عهد الرئيس صدام حسين باعتباره "التهديد الأكبر" بعد غزو الكويت، حوّلت البوصلة لاحقاً نحو إيران. والهدف من ذلك واضح: تبرير وجود عسكري أمريكي دائم في الخليج، وعقود تسليح بمليارات الدولارات، وتحالفات أمنية تخضع لإملاءات واشنطن.

لكن أن نردّ المخاوف العربية والخليجية كلها إلى "دعاية أمريكية" فيه تجاوز للواقع. لأن إيران نفسها قدّمت موادّ حقيقية تغذّي هذه المخاوف: الجزر الإماراتية الثلاث التي لا تزال محتلة، البرنامج الصاروخي الذي يتطوّر يوماً بعد يوم، أذرع في دول عربية باتت في بعض الأحيان أقوى من جيوش نظامية، وخطاب سياسي تجاوز حدود الدولة الوطنية إلى مشاريع إقليمية أوسع. كل هذا لا يحتاج إلى أمريكا كي تلفّقه.

سوريا، العراق، اليمن، لبنان: بصمات إيران واضحة

هذه المخاوف لم تنشأ في فراغ. إيران لعبت أدواراً ما كانت لتقدم عليها دولة تدّعي أنها تدافع فقط عن حدودها. في العراق بعد 2003، كان حضورها طاغياً عبر فصائل مسلحة وقوى سياسية موالية. في سوريا، تدخلت عسكرياً إلى جانب نظام بشار الأسد عبر مستشارين وقوات حليفة، وأصبحت لاعباً أساسياً في مسار الحرب. في اليمن، الجميع يعرف علاقتها بالحوثيين، سواء أردنا التغاضي عن ذلك أم لا. وفي لبنان، يرتبط الجدل حول دور إيران بنفوذ حزب الله وتأثيره على التوازنات الداخلية والخارجية.

وفي لبنان تحديداً، لم يعد النقاش حول النفوذ الإيراني محصوراً بخصوم حزب الله أو ببعض القوى السياسية. فقد عبّر رئيس الجمهورية جوزاف عون عن موقف لافت عندما خاطب إيران قائلاً: «ليست بلادكم، بل هي بلادنا»، رافضاً استخدام لبنان كورقة تفاوض في الصراعات الإقليمية. وتكتسب هذه العبارة أهميتها من كونها صادرة عن رأس الدولة اللبنانية، ما يعكس أن مسألة النفوذ الإيراني باتت تُطرح لدى شريحة واسعة من اللبنانيين باعتبارها قضية سيادة وطنية قبل أن تكون جزءاً من صراع المحاور في المنطقة.

هذه الوقائع مجتمعة رسخت قناعة لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي: إيران لا تريد العيش داخل حدودها فحسب، بل تسعى إلى مشروع إقليمي يمتد إلى عمق الدول العربية.

عندما طالت الصواريخ قلب الخليج

لفترة طويلة، كان النقاش يدور حول ما إذا كانت إيران تمثّل تهديداً مباشراً أم أن نفوذها يقتصر على العمل عبر حلفائها وأذرعها الإقليمية. لكن الأحداث العسكرية الأخيرة نقلت هذا النقاش إلى مستوى مختلف.

صواريخ ومسيّرات إيرانية – سواء أُطلقت مباشرة أو عبر الأذرع – ضربت منشآت خليجية حيوية ومدنية وعسكرية. هنا لم يعد الخوف نظرياً. التهديد وصل إلى العمق الخليجي. وبغض النظر عن كيفية تفسير هذه الهجمات، فإن أثرها على الوعي الأمني كان عنيفاً.

ولا مناص من التوقف عند مضيق هرمز، شريان النفط العالمي. ففي كل فترة توتر، تلوّح إيران بإمكانية إغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه. هذا المضيق لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية، وإلى "حبل مشنقة" يهدَّد به الاقتصاد العالمي كلما اشتدت الأزمة.

إيران: هل تسعى إلى الهيمنة أم إلى حماية أمنها القومي؟

هذا هو السؤال الأصعب والأكثر إثارة للجدل. أنصار طهران يقولون إن إيران محاطة بقواعد عسكرية أمريكية، ومحاصرة بعقوبات منذ عقود، وأي خطوة تقوم بها إنما هي دفاع عن النفس. يسمّونها "استراتيجية دفاع متقدمة"، أي إبعاد الخطر عن الحدود قبل أن يصل إليها.

أما المنتقدون فيقولون إن الأمن القومي الإيراني لا يمكن أن يُبنى على إضعاف سيادة الدول الأخرى والتدخل في شؤونها أو إنشاء قوى مسلحة موازية لمؤسساتها الوطنية. الخلاف إذاً ليس حول "وجود إيران"، بل حول "أدواتها" وطبيعة تأثيرها على استقرار جيرانها.

تصدير الثورة و"المستضعفون": شعارات من عام 1979

لفهم إيران فهماً أعمق، لا بد من العودة إلى جذور الثورة. منذ قيامها عام 1979، تبنّى قادتها مفهوم "تصدير الثورة" باعتباره جزءاً من رسالتهم السياسية والفكرية خارج الحدود. وشعار "نصرة المستضعفين" كان أحد المرتكزات الأساسية في خطابهم الرسمي.

إيران تقول إن سياساتها تندرج ضمن دعم الشعوب والقضايا التي تعتبرها عادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومواجهة الهيمنة الخارجية. أما الدول العربية فنظرت إلى هذه الشعارات على أنها تتجاوز منطق الدولة الوطنية التقليدية، وتفتح الباب أمام شبكات نفوذ سياسية وأيديولوجية عابرة للحدود.

الهلال الشيعي: حقيقة جيوسياسية أم توصيف سياسي؟

هذا المصطلح أثار جدلاً واسعاً. البعض يراه مشروعاً إيرانياً مقصوداً لإنشاء مجال نفوذ من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق وصولاً إلى صنعاء. والبعض الآخر يراه مجرد توصيف سياسي فيه قدر من المبالغة.

إيران تنفي أن يكون لها "مشروع مذهبي". وتؤكد أن علاقاتها مع حلفائها تقوم على اعتبارات سياسية واستراتيجية مرتبطة بمواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، لا على أساس طائفي.

لكن لنكن موضوعيين: أغلب حلفاء إيران الرئيسيين يتواجدون في بيئات ذات غالبية شيعية، والخطاب السياسي في بعض مراحل الصراع حمل نبرة طائفية لا يمكن إنكارها. والنتيجة، سواء كان هذا الهلال مشروعاً مقصوداً أو مجرد شعار، كانت تعميق الاستقطاب الإقليمي وشعوراً عربياً بأن موازين القوى انقلبت لصالح إيران.

ازدواجية المعايير: النووي الإسرائيلي مقابل النووي الإيراني

هنا تزداد الأمور تعقيداً. إيران تصرّ على أن برنامجها النووي ذو أهداف سلمية. لكن مجرد امتلاك القدرة على الوصول إلى العتبة النووية يثير مخاوف حقيقية من سباق تسلح إقليمي.

لكن السؤال المشروع يظل قائماً: ماذا عن إسرائيل؟ تمتلك ترسانة نووية منذ عقود، وتواصل احتلالها للأراضي الفلسطينية، وتشن حروباً مفتوحة. لماذا لا يُطرح نزع سلاحها النووي بنفس الحدة؟ هذا ازدواجية معايير واضحة وصارخة.

مع ذلك، حتى لو صحّحنا هذا الخلل، فهل بإضافة قوة نووية جديدة تصبح المنطقة أكثر أمناً؟ أعتقد أن العكس هو الصحيح. سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط سيكون كارثة بكل المقاييس.

ماذا نحتاج بدلاً من الاتهامات؟

يكفي تبادلاً للاتهامات لا ينتهي. المنطقة بحاجة إلى مقاربة أمنية جديدة: احترام سيادة الدول، وحوار مباشر بين القوى الإقليمية بعيداً عن وساطة واشنطن أو موسكو، وقواعد واضحة للنفوذ والتدخل. وأيضاً الحد من سباقات التسلح وبناء ثقة متبادلة حقيقية.

فالأمن الإقليمي لا يمكن أن يُبنى على الهيمنة أو الردع وحدهما، بل على منظومة توازن تعترف بالمصالح المتشابكة وتضع حدوداً للصراع بدلاً من توسيعه إلى ما لا نهاية.

الخلاصة: الحقيقة تقع في منطقة وسطى

بعد كل هذا، أين نقف؟

الولايات المتحدة لم تخترع الخطر الإيراني من الصفر، لكنها أحسنت استثماره ببراعة. والعرب لم يخترعوا مخاوفهم، لكن إيران قدمت لهم أسباباً حقيقية تجعل أي عاقل يشعر بالقلق.

إيران ربما لم تقرر منذ البداية أنها تريد مواجهة شاملة مع جيرانها، لكن سياساتها – سواء بقصد أو بغير قصد – جعلت هذه المواجهة شبه حتمية في نظر كثيرين.

بين استغلال أمريكي وطموح إيراني، وجد العرب أنفسهم في قلب صراع لا يمتلكون مفاتيحه. والمشكلة الأكبر تكمن في غياب قرار عربي مستقل يدير ملفات الأمن الإقليمي. فالدول العربية، رغم اختلاف مصالحها وتباين قدراتها، لا تزال تتحرك في أطر يصنعها غيرها. وهذا ليس مجرد قصور في الإرادة، بل قصور في القدرة على بلورة رؤية مشتركة تحدّد "التهديد" و"الصديق" بناءً على المصالح العربية لا على أهواء القوى الكبرى.

النتيجة؟ المنطقة تحولت إلى ساحة توازنات لا ساحة قرارات، وإلى فضاء تُدار فيه الأزمات بدلاً من إنتاج حلول لها.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً، وهو السؤال الذي لا أملك له إجابة سهلة: هل يمكن للعرب أن يخرجوا من موقع "ساحة الصراع" إلى موقع "صانع التوازن"؟ أم أننا سنظل أسرى معادلات لا نتحكم فيها؟

 

* كاتب وباحث سياسي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment