واشنطن تحقق تقدمًا في المباحثات وتجاوب لبناني–إسرائيلي يمهّد لترتيبات أمنيّة

06/04/2026 - 08:10 AM

Metrolink.com

 

 

كارين القسيس

اختُتمت جولة المباحثات التي استمرت على مدى اليومين الماضيين، على أن تُستأنف في 22 حزيران الجاري، ضمن مسار تفاوضي جديد مرشّح للاستمرار حتى آب 2026، وفق ما أفادت به مصادر أميركيّة خاصة لـ"كافيين دوت برس". وتشير هذه المصادر إلى أنّ هذا المسار يُنظر إليه كعمليّة سياسيّة متدرجة تُدار ضمن رؤية استراتيجيّة أميركيّة شاملة، جرى إعدادها مسبقًا وتُنفّذ عبر خطوات محسوبة بدقة، بهدف تحقيق نتائج بعيدة المدى تتجاوز معالجة الملفات الآنية، وصولًا إلى إعادة صياغة أوسع للتوازنات القائمة.

وبحسب المعلومات، تعاملت الإدارة الأميركيّة مع الملف اللبناني بوصفه جزءًا من مقاربة إقليميّة أشمل، قامت على بناء مسار تراكمي تدريجي من شأنه أن يفضي إلى إعادة تشكيل التوازنات الأمنيّة والسياسيّة في المنطقة. وفي هذا الإطار، لم تكن واشنطن تتوقع تحقيق اختراقات سريعة أو تفاهمات فورية، بقدر ما اعتبرت أنّ هذه المرحلة تمثل أرضيّة تأسيسية ضرورية لبلورة تفاهمات مستقبلية أكثر اتساعًا واستقرارًا، تمتد من الترتيبات الحدودية وصولًا إلى إعادة تنظيم العلاقة بين بيروت وتل أبيب ضمن إطار طويل الأمد.

وأشارت المصادر الأميركيّة نفسها إلى أنّ التفاهمات الأولية التي تمّ التوصل إليها شملت وقفًا متبادلًا للأعمال القتالية، مقابل وقف كامل للعمليات العسكرية من جانب "حزب الله"فقط، إلى جانب التزام بإعادة تموضع عناصره في منطقة جنوب الليطاني، في إطار مقاربة أمنية تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة اللبنانية وبسط سيادتها على كامل أراضيها. كما جرى الاتفاق، برعاية أميركية وتنسيق مباشر بين الأطراف، على إطلاق "مناطق تجريبيّة" تُسند فيها المسؤولية الأمنية حصرًا إلى الجيش اللبناني، مع استبعاد أي وجود لتشكيلات مسلحة غير نظامية.

وأوضحت أنّ هذه التفاهمات لا تقتصر على خفض التوتر الميداني فحسب، إنّما تشكّل مدخلًا لمسار أوسع يرمي إلى التأسيس لاتفاق شامل في مجالي الأمن والسلام بين لبنان وإسرائيل، يقوم على مبدأ السيادة الكاملة للدولتين ورفض أي أدوار خارج إطار المؤسسات الرسمية. وقد أُفيد بأنّ الطرفين أبديا استعدادًا لخفض منسوب التصعيد وفتح قنوات تفاوض مباشر لمعالجة الملفات العالقة، بما يسمح ببناء الثقة بصورة تدريجيّة ومنهجيّة.

كذلك جرى بحث إطار أمني متكامل استند إلى مشاورات سبق أن تمّ النقاش بها، بحيث يوضع ترتيبات ميدانيّة طويلة الأمد تضمن استقرارًا مستدامًا على جانبي الحدود، بما في ذلك معالجة ملف "حزب الله" بالكامل، ومنع إعادة تشكّله. وقد تزامن ذلك مع مواقف مشتركة دانت الأنشطة الإيرانية التي وُصفت بأنها عامل مزعزع للاستقرار في المنطقة، بما يشمل دعمها لأطراف مسلحة تعمل خارج إطار الدولة.

وفي الموقف الأميركي، جدّدت واشنطن تأكيد التزامها بدعم المؤسسات الرسمية في كل من لبنان وإسرائيل وتعزيز قدراتها السيادية، معتبرةً أن أي تسوية نهائيّة لا بد أن تنبثق مباشرة من تفاهم بين بيروت وتل أبيب وبرعاية أميركية كاملة. وشددت على استمرار دعمها للجيش اللبناني لتمكينه من فرض سلطة الدولة على كامل الأراضي، مع الإشارة إلى ضرورة اتخاذ خطوات مقابلة من الجيش اللبناني لضمان نجاح أي تسوية مستقبلية واستدامته. 

من جهتها، شددت إسرائيل طوال الاجتماع على أن تحقيق أمنها لا يمكن أن يتم إلاّ عبر تفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله" ونزع سلاحه في مختلف المناطق اللبنانية، فيما أكد الجانب اللبناني تمسكه بمبدأ السيادة الكاملة واحترام الحدود الدولية المعترف بها، إلى جانب الالتزام بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية وتعزيز دور الجيش اللبناني بدعم دولي.

وبحسب المصادر الأميركيّة نفسها، فإنّ الوفد اللبناني أبدى خلال المباحثات مستوى ملحوظًا من التجاوب مع الطروحات المقدّمة، وأظهر مرونة في مناقشة عدد من البنود الجوهرية، غير أنّ هذه المصادر تشير في المقابل إلى أن القرار التنفيذي يبقى مرتبطًا بشكل مباشر بموقف "الحزب"، لافتةً إلى أنه في حال عدم التزام الأخير بما يتم التوصل إليه من تفاهمات، وعدم قدرة القوى المسلحة اللبنانية على ضبط هذا المسار أو احتوائه، فإن السيناريوهات المطروحة، وفق التقديرات الأميركيّة، قد تتجه نحو تصعيد إسرائيلي محتمل، قد يمتد ليشمل مناطق أوسع داخل الأراضي اللبنانية، في حال استمرار الخروقات أو انهيار الالتزامات الميدانية.

وذكرت المصادر أنّ المملكة العربية السعودية لعبت دورًا في الدفع بهذا المسار التفاوضي، عبر تحرّكات ديبلوماسيّة مكثفة أسهمت في إعادة تشكيل البيئة السياسيّة وتوفير الظروف اللازمة لإنجاح المباحثات وضمان استمراريتها في المرحلة المقبلة. 

وأشارت المصادر إلى أنّ السفير الاميركي لدى لبنان، ميشال عيسى، اضطلع بدور محوري، ولا سيّما في اليوم الثاني من المباحثات، حيث بذل جهودًا مكثّفة لدفع الوفد اللبناني نحو مزيد من التجاوب مع الطرح الاميركي، بعدما سادت أجواء من التوتر وعدم الارتياح خلال جلسات يوم الثلاثاء.

وأوضحت أنّ العلاقة بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الحكومة الاسرائيليّة، بنيامين نتنياهو، وصفت بالممتازة إلى أبعد الحدود، وترتكز إلى درجة عالية من الانسجام السياسي والتنسيق الوثيق والثقة المتبادلة، مشددةً على أنّ هناك توافقًا كاملًا بين الجانبين حيال مختلف القضايا والقرارات، من دون أي مؤشرات إلى وجود تباينات أو خلافات في المواقف، ولا سيّما في ما يتعلق بالملف اللبناني. وأضافت أنّ ترامب يُبدي تفهّماً للهواجس الأمنية الإسرائيلية، ويُقدّر موقف إسرائيل إزاء ما تعتبره تهديدًا لأمنها، في ما يتصل بسلاح "حزب الله" وتداعياته على الاستقرار والأمن في لبنان ومحيطه.

وفي ختام الاجتماعات ومع مغادرة الوفد اللبناني، جرى التوافق على استئناف المسارين السياسي والأمني في الجلسات المقبلة، ضمن مسار تفاوضي يهدف إلى بلورة اتفاق شامل ومتدرّج. وجدّدت واشنطن تأكيدها على مواصلة دورها كوسيط رئيسي، عبر تسهيل قنوات التواصل بين الأطراف خلال المرحلة الانتقالية، بما يضمن الحفاظ على زخم المفاوضات وعدم انقطاعها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment