روائح النفايات تخنق الناس في عقر دارهم... فما الحل يا مشنوق؟

08/24/2015 - 23:48 PM

كتبت ميشلين أبي سلوم*

البلد قايم قاعد. روائح النفايات الطازجة والمحروقة تخنق الناس في عقر دارهم. الرئيس تمام سلام يسهر الليالي مراجعاً خياراته. المواطنون نزلوا إلى الشوارع وقطعوا الأوتوسترادات احتجاجاً على تحويل مناطقهم مكبّات موقّتة أو قنابل موقوتة. لكن الوزير، المسؤول الأول عن الملف، يتمتّع بابتسامة أنعم بها الخالق عليه: نيَّاله... ونيّالنا به!

الحقُّ يقال إن وزير البيئة محمد المشنوق شخص حبّوب، معروف عنه أنه ذوّاقة للفن والجمال، وأنه موهوب جداً في ميدان التصوير الفوتوغرافي. وعندما جاء إلى وزارة البيئة مع الرئيس سلام، إستبشر الناس بالخير. فليس معقولاً أن يكون هذا الرجل، الفنان والمحبّ للجمال، عاجزاً عن إدارة وزارة هي في الأساس وزارة الفن والجمال.

لكن معاليه، ما أن جلس على المقعد الوثير في مجلس الوزراء، في شباط 2014، حتى اكتفى باللقطات داخل الستوديو، وأُغرِم بجمال السراي والطاولة والمقاعد، وبجمال زملائه وأناقة مناقشاتهم الحضارية في قاعة مجلس الوزراء... ولم يعد مهتماً للبيئة خارج السراي!

لقد نسي معاليه - والكرسي ملعون لأنه يتسبَّب بمرض النسيان - أن ملفات البشاعة تنتظره خارج السراي، وأولها ملف النفايات، وأنه حصراً هو المسؤول عنها. ولم ينتبه معاليه إلى أن التنظير في الجمال لا يكفي، وأن الدفاع عن البيئة والجمال يحتاج إلى استنفار وعمل دؤوب... خارج المقعد الوثير في السراي الحكومي.

عندما جاء معاليه إلى الوزارة، كانت أزمة المكب في الناعمة قد شهدت أولى الخضّات في عهد الحكومة السابقة، وجرى التمديد لذلك المطمر، وتمَّ تأليف لجنة وزارية لإيجاد المخرج. وكان مفترضاً أن يستفيد وزير البيئة الجديد من المهلة الممدَّدة لمطمر الناعمة، أي قرابة عام ونصف العام، ليطبخ الحلّ بهدوء. ولكنه، على ما يبدو، لم يكن يمتلك الوقت اللازم لمسألة مقرفة من هذا النوع.

المهمّ أن الناس، عند حلول موعد 17 تموز، نظروا إلى وزير البيئة وفي اعتقادهم أنه يضع الحلّ في جيبه، لكنهم وجدوه واقفاً مذهولاً، مثلهم، ويده فعلاً في جيبه، لكن جيبه مثقوب... فلا ملف ولا مَن يَلُفّون!

فشكراً للخالق على خَلقِه، وعلى وزرائنا الخلاّقين. وشكراً للبيئة الحاضنة التي تفرز وزيراً يحضن البيئة داخل أسوار السراي، ولا يغامر بتعريض نفسه لغازات المطامر ولو كانت ناعمة!

قبل سنوات، وفي لحظة تأمل وجداني، قال النائب وليد جنبلاط إنه يتمنى أن يكون زبّالاً في نيويورك لا سياسياً في بيروت!

اليوم تتحقَّق المقولة معكوسة، وعلى كامل الطاقم السياسي اللبناني: الجميع زبّالون... ولكن في بيروت لا في نيويورك!

الجميع في لبنان اليوم، من الصغير إلى الكبير، لم يعودوا منشغلين لا بالمعارك في سوريا والقلمون والزبداني وجرود عرسال، ولا بتداعيات الإتفاق على الملف النووي الإيراني على أزمات الشرق الأوسط، ولا بمستقبل الخرائط في دول المنطقة، بل بالنفايات المتراكمة في الشوارع، والتي ارتفعت حتى الطبقة الأولى، والطبقة الثانية أحياناً من مباني بيروت، عاصمة السياحة والجمال في العالم العربي.

وانتهت المهلة المعطاة لمطمر الناعمة، بعد تمديد لأكثر من عام ونصف العام، لكن وزير البيئة وزملاؤه جميعاً، لم ينتبهوا إلى أنهم مقبلون على كارثة... إلا إذا صحّ الكلام المتداول في صالونات بيروت عن رغبة لدى بعض النافذين في بلوغ الأزمة عن قصد، للاصطياد في مياه الأزمة والإفادة والاستثمار...

والمدخل الصحيح إلى الحلّ لا يكون بانخراط هؤلاء السياسيين في البحث عن علاج لمشكلة النفايات، لأن هذه المسألة محض علمية، ولا يمكن لغير المتخصصين أن يبتكروا لها الحلول. وإذا أصرّ هؤلاء على طرح الحلول العشوائية وغير المنطقية، فهذا يعني أنهم لا يريدون للاختصاصيين أن يقاربوا الملف.

في بلاد العالم المتحضّر- بعيداً عن لبنان وسائر دول العالم الثالث - هناك استثمار اقتصادي وعلمي للنفايات. والمثير مثلاً أن دولة كالسويد تعاني نقصاً في كمية النفايات التي تحتاج إليها. فهي تخطط لشراء نفايات بالأسعار المناسبة كي تقوم بتحويلها طاقة كهربائية وأسمدة عضوية وكيماوية.

أما في لبنان، فالبحث عن حلّ مماثل ممنوع على الاختصاصيين، فيما السياسيون يفتعلون أزمات النفايات ليستمروا في الاستيلاء على هذا المنجم... ولو كانت رائحته طالعة!

اختيار المكبات وغضبة الأهالي

في الأيام الأخيرة، وبعدما علت جبال النفايات في بيروت، خرج وزير البيئة بطرحٍ وافق عليه مجلس الوزراء سريعاً، ويقضي بنقل النفايات إلى مكبات موقتة اختارتها الوزارة. ولم يُكشف عن الأمكنة لئلا يثير الأمر غضبة الأهالي في هذه المناطق. وظنّ الجميع بأن المشكلة قد حُلَّت. لكن أهل إقليم الخروب قطعوا الأوتوستراد الساحلي، الشريان الأساس من بيروت إلى الجنوب، عندما علموا بأن الشاحنات متوجهة إلى منطقة سبلين لإفراغ النفايات في حفّارة سابقة. فتراجع المعنيون عن هذا الحل. وكذلك، خرجت أصوات من عكار ومناطق في جبل لبنان ترفض استقبال النفايات.

ومن السخريات أن البعض بدأ يحوِّل حرم مطار بيروت إلى مرمى للنفايات. وهكذا... يستطيع السائح أن يشاهد بيروت بكامل أناقتها قبل أن تهبط الطائرة على أرض المطار. وقد حذّر وزير الأشغال غازي زعيتر من أن هذه النفايات قد تعرّض سلامة الطيران للخطر، خصوصاً إذا جلبت الطيور المهاجرة إليها.

المهم أن لبنان بقي يتقلّب على نار النفايات طوال الأسابيع الأخيرة، فيما اللبنانيون يصارعون لإنجاح موسم سياحي واعدٍ يتحدّى القلق والهواجس الأمنية. والأسوأ هو أن أزمة النفايات كشفت ما يمكن تسميته التكاذب اللبناني، وقدّمت برهاناً جديداً لنوع من الطلاق النفسي الطوائفي. فقد سمع اللبنانيون طوائف تقول لأخرى: خذوا نفاياتكم عَنّا، واسكُتوا!

البُعد السياسي والطوائفي

وثمة من يعتقد أن أزمة النفايات الحالية ليست مجرد أزمة تقنية لإيجاد مطمر جديد. فهذه الأزمة ليست سوى مظهر صغير وسطحي للأزمة الكبرى. فلبنان تخطّى أزمة الحكومة وحتى أزمة النظام، وهو يتخبَّط في أزمة الكيان. والدولة التي قال عنها الرئيس الياس الهراوي قبل أكثر من 18 عاماً سنّ الرشد إنها لم تبلغ سنَّ الرشد، ستبقى قاصرةً ولو مرَّت 18 سنة أخرى، 18 مرَّة!

وتتَّجه هذه الدولة إلى مزيد من التفكُّك والانهيار، ولو حافظت على تماسكها الخارجي ضمن الإطار الوحدوي حتى الآن. وليس غريباً أن يكابر البعض بالإصرار على إنكار الأزمة الكيانية.

والخطر يكمن في أن شعار فدرالية النفايات لا يبدو شعاراً كاريكاتورياً، بل هو يترجم حقيقة الواقع اللبناني. فما لا يتجرأ البعض على قوله عن الفدرالية في الدستور، جاءته الفرصة لقوله في النفايات.

واللبنانيون لا ينتفضون لكون الجمهورية بلا رأس حتى إشعار آخر، وبمؤسسات دستورية وأجهزة تزداد شللاً يوماً بعد يوم، وبلا حلول للكهرباء وسلسلة الرتب والرواتب والاقتصاد المتعثِّر، وهم لا يسألون عن الفساد، لكنهم يريدون حلاّ سريعاً للنفايات. وهذا يعني أن فكرة الدولة والمؤسسات لم تعد تعني لهم شيئاً، وكل ما يهمُّهم هو تسيير أمور المعيشة فقط، أي الأكل والشرب.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل الأزمات ذات الطابع الحياتي والاجتماعي والاقتصادي، كالنفايات والكهرباء والرواتب والفساد الغذائي وسواها متروكة عمداً للتفاقم، كي تكون عاملاً مساعداً في تفجير الأزمات السياسية والدستورية والأمنية، وصولاً إلى الفراغ الشامل وفرض الحلول الآتية إلى لبنان والمنطقة؟

وتالياً، هل هناك أفضل من هذا التراكم في الأزمات لبلوغ لبنان مأزقاً شاملاً يبرِّر انعقاد المؤتمر التأسيسي، الآتي عاجلاً أو آجلاً؟

الحلول الممكنة

في الإنتظار، ثمة حلول علمية من شأنها أن توفِّر مخرجاً سليماً ودائماً ويخدم المصلحة العامة. وهناك من يعتقد أن الأفضل تصدير النفايات إلى الخارج، فيرتاح منها الجميع. ويتداول الخبراء في العلوم الحيّة والكيمياء والبيئة والاقتصاد مخارج لا يحتاج بعضها إلا إلى بضعة أشهر لاعتماده، كالتوصية بفرز النفايات المنزلية بين المواد العضوية والمواد غير العضوية. وثمة من ينادي بضرورة بناء معامل تحوّل النفايات إلى طاقة كهربائية وأسمدة عضوية وكيماوية. لكن بعض الخبراء البيئيين، ومنهم الدكتورة فيفي كلاّب، يعتقدون بأن النفايات المنزلية في لبنان عضوية بغالبيتها، وهي لا تصلح لتوليد الكهرباء.

وفي رأي مدير مختبر الأبحاث للمواد والبيئة والتحفيز في الجامعة اللبنانية العميد البروفسور تيسير حمية، في المؤتمر العلمي الثالث لمشروع شبكة البحر الابيض المتوسط حول الإدارة المستدامة للنفايات المنزلية الصلبة وطرق معالجتها، أنَّ دول البحر الأبيض المتوسط وخصوصاً لبنان، تواجه الكثير من التحديات البيئية والصحية وسلامة الغذاء مما ينعكس بشكل سلبي على صحة المواطنين ويساهم في كسر التوازن الطبيعي والبيئي، ويهدِّد فعليَّاً بتدمير ممنهج للتراب والهواء والمساحات الخضراء ويشكل كارثة بشرية وبيئية لم يعرف الكون مثيلاً لها عبر التاريخ، وذلك لسوء ادارة ملف النفايات بشكل عام والصلبة منها بشكل أخص، وعدم إيلائه الأهمية الكافية التي ينبغي إعطاؤها له من قبل السلطات المختصَّة.

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment