لبنان والفتنة والأعظم الآتي

03/07/2016 - 18:01 PM

 

بقلم فاديا فهد

في لبنان، "خذوا الفتنة من أفواه الصغار"... وهم لا ينفكّون يهوّلون بالطائفية ويحرّضون ويشحذون الهمم والنفوس، وينبشون الأحقاد ويحفرون الخنادق ويعدّون المتاريس للقتال، ويتشدّقون بالتهديد والوعيد، ويرقصون على وقع التصريحات المسمومة. أولئك الذين يدّعون الوطنية، ويحاربون بسيف الغريب، أيّ غريب، ويستخدمون الوطن وشعبه رهينة لمصالحهم الشخصية الضيّقة.

التصعيد الكلامي الذي شهدناه الأسبوع الماضي، قرَعَ طبول الحرب الأهلية اللبنانية واستنفر الطوائف والأطراف المختلفة، وفتح المجال امام "طابور خامس" كي يفجّر خوفاً فوق خوف مترام، محذّراً من "إعداد "حزب الله" لعملية عسكرية تقضي بافتحام مخيّم عين الحلوة الفلسطيني ومحاصرة الطريق الجديدة".

تهويل يزيد الكلام الفتنوي فتنة، ويرفع مستوى التوتّر، تمهيداً "للأعظم الآتي"، وقد صرّح بعض الدبلوماسيين أن لبنان على شفير هاوية النار التي تشهدها المنطقة، لا بل قطع نصف المسافة إليها. فكلّ المؤشرات تؤكد على رغبة الأطراف الرئيسية المتقاتلة في سورية في توسيع رقعة لعبة الموت الى لبنان، الذي أرادته بعض الأطراف جبهة جديدة فتيّة تكون فرصة لنصر تعوّض فيه هزيمة، خصوصاَ بعد وقف إطلاق النار الدولي في سورية والذي أنهى مرحلة مهمّة من لعبة الشطرنج والخسارة والربح.

إذ باتت الحرب الأميريكة - الروسية تقتصر على عدوين مشتركين: داعش وجبهة النصرة. إشعال جبهة لبنان يجعله في صلب الأراضي المتنازع عليها في "الشرق الأوسط الجديد"، والتي تشكّل لاحقا غنائم الحرب السورية المقسَّمة، متى انتهت.

المؤامرة على لبنان بدأت قبل أشهر بأزمة النفايات المستفحلة والتي لا يُبدي سياسيونا أي رغبة حقيقية في إيجاد حلّ لها. أقول مؤامرة، بعدما تسرّب عن أحد السياسيين قوله في مجالس خاصّة، إن أزمة النفايات مستمرّة الى أجَل غير محدّد، لأسباب خارجية وداخلية عدّة، ظاهرها تقاسم الحصص بين المسؤولين اللبنانيين من أرباح رفع النفايات، وباطنها إنهاك الوطن الأخضر واستنفاد نضارته، تمهيداً لإغراقه في مستنقعات اقليمية وسخة.

النفايات المنتشرة بروائحها وجراثيمها هنا وهناك، هي محاولة ناجحة لاستباحة هيبة الدولة اللبنانية والنيل من دورها في إدارة شؤون البلاد، في أصغر واجباتها اللوجستية تجاه مواطنيها وأبسطها. إنها دعوة مفتوحة للهجرة والهرب من الآتي الأعظم: إذا كانت الدولة عاجزة عن رفع الزبالة من الشوارع، فكيف تتصدى لمخطّطات اقليمية ودولية خطيرة مُعدّة للبنان؟!

المنطقة تشتعل، حريق كبير يأكل الأخضر واليابس، ويبتلع الحكومات والمعارضات وأهل البيت والدخلاء والمموّلين والمحاربين المنتصرين منهم، والمهزومين. فما العبرة من محاولات سياسيينا الكرام مِحورة لبنان وإدخاله في خضمّ الصراع الكبير، تارة بوجه فارسي، وطوراً بوجه عربي؟؟

"قوّة لبنان في ضعفه"، كان يردّد مؤسّس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميّل، عبارة تختصر ما يجب ان تكون عليه السياسة الخارجية للبنان في اتباع الحياد إزاء المشكلات الإقليمية، والنأي بالنفس الى حدّ التقوقع داخل الشرنقة اللبنانية اذا لزم الأمر. ففي اعتراف لبنان بضعفه وهزاله واعتذاره عن ركوب المحاور الكبرى، وحدته وخلاصه.

 

twitter:@fadiafahed

fadiafahed@gmail.com

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment