المفكر حسن عجمي : لا مُحدَّدية الكون وإمكانية المعرفة

02/18/2020 - 10:29 AM

Translation

 

 

 

*حوار خاص - خالد بيومي 

حسن عجمي مفكّر لبناني وباحث في الفلسفة وشاعر يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية. تخرّج من الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية وهو مُتخصِّص في الفلسفة ويُدرِّسها في جامعات أمريكية، أصدر عشرين كتاباً باللغة العربية وأربعة كتب باللغة الإنكليزية تُعنَى بالفلسفة والأدب والشِعر.

يطرح المفكّر حسن عجمي فلسفاته الخاصة منها السوبر حداثة القائلة بأنَّ الكون غير مُحدَّد ورغم ذلك من الممكن معرفته ومنها أيضاً السوبر مستقبلية التي تؤكِّد على أنَّ التاريخ يبدأ من المستقبل. أما فلسفته الإنسانوية فتتمحور حول التأكيد على وحدة الثقافات والأديان والمعارف والبشر بهدف إحلال السلام الأهلي كما تحلِّل المفاهيم والظواهر على أنها قرارات إنسانوية مستقبلية.

من مؤلفاته باللغة العربية :

Image result for السوبر حداثةImage result for السوبر حداثة         Image result for السوبر حداثة          Image result for السوبر مثالية

"السوبر حداثة"، و"السوبر مستقبلية"، و"السوبر تخلّف" و"السوبر معلوماتية" و"السوبر مثالية"، و"الميزياء"، و"الضيمياء"، و"الفلسفة الإنسانوية: العلمنالوجيا والعقلنالوجيا". ولقد صاغ في مؤلفاته مصطلحات جديدة بهدف تقديم أفكار فلسفية مبتكرة كمصطلح العلمنالوجيا أي علم العلمنة ومصطلح العقلنالوجيا أي علم العقلنة.

هنا الحوار معه:

  • أنت أستاذ للفلسفة بالجامعات الأمريكية .. كيف ترى راهن الفلسفة اليوم؟

ما زالت الفلسفة لديها موقعها القيّم ضمن سائر العلوم والحقول المعرفية. فما تزال الجامعات تزدهر بأقسام الفلسفة وفي الغرب خصوصاً. وهذا متوقع لأنَّ كل الحقول الإبداعية والمعرفية متداخلة ومتواصلة فيما بينها فازدهار العِلم ازدهار للفلسفة أيضاً والعكس صحيح. لذلك نجد أنَّ العلماء الكبار هم أيضاً فلاسفة والعكس صحيح. مثل ذلك العالِم ستيفن هوكنغ الذي بنى نظرية جديدة حيال الثقوب السوداء بقوله إنها تُصدِر إشعاعات معينة فهو أيضاً فيلسوف بطرحه موقفاً فلسفياً مضمونه أنَّ النظريات العلمية ليست صادقة ولا كاذبة بل هي فقط مقبولة كأدوات ناجحة في تفسير الكون ووصفه.

  • هل هناك فرق بين الفلسفة العربية والفلسفة الأمريكية؟

الفلسفة الأمريكية تتميّز بأبعادها البراغماتية النفعية وبأبعادها التحليلية كتحليل المفاهيم والظواهر موضوعياً ومنطقياً. مثل ذلك تحليل الفيلسوف وعالِم اللغات نعوم تشومسكي للغة على أنها قدرة بيولوجية كالنظر والسمع فهي بذلك فطرية تولد معنا حين نولد وعالمية مشتركة بين جميع البشر.

لكن من جهة أخرى الفلسفة العربية اليوم إن وُجِدَت ففي معظمها لا تراعي مبادىء المنطق كأن تقع في الدور المرفوض منطقياً وهو تعريف المفهوم من خلال المفهوم نفسه كتعريف الماء بالماء الخالي من أي مضمون. مثل ذلك تعريف الحداثة على أنها تحديث المؤسسات وفي هذا دور مرفوض لأنَّ التحديث ليس سوى الحداثة. أما الفلسفة العربية الإسلامية الكلاسيكية مع إبن سينا والغزالي وإبن رشد وغيرهم، فما تزال قيّمة كسائر الفلسفات العالمية، لكونها تراعي مبادىء التفكير المنطقي في معظمها.

  • الشرق عالم الأهواء والعواطف، والغرب عالم العقل، والمقاربة الفكرية العربية موجودة، والمقاربة الفكرية الغربية موجودة .. كيف يمكن تفادي التصادم بين المقاربتين ، ومن ثم كيف يمكن إعداد التربة التي نستنبط منها إشكالية القيم؟

تفادي التصادم بين الغرب والعالَم العربي هو مضمون أساسي من مضامين كتابي الأخير "الفلسفة الإنسانوية". فالإنسانوية هي الحل الوحيد لتفادي التصادم وبناء القيم الحقة؛لأنها تؤكِّد على أنَّ كل الثقافات والأديان والمعارف والبشر كينونة وجودية ومعرفية واحدة لا تتجزأ ،وبذلك نضمن السلام بين الجميع. إنسان بلا سلام شبه إنسان. فحين نؤمن بوحدة الثقافات والمعارف يزول الخلاف والصراع فيما بيننا فتتحقق إنسانيتنا الكبرى.

ومن أدوات الفلسفة الإنسانوية طرح نماذج فكرية جديدة كفلسفة العلمنالوجيا (أي علم العلمنة) التي تهدف إلى علمنة الظواهر والحقائق كافة من خلال فصلها عن ماهياتها المُحدَّدة مُسبَقاً ما يُحرِّرنا من سجون الماضي ومعتقداته وسلوكياته بفضل اعتبار أنَّ كل الحقائق والظواهر قرارات إنسانوية مستقبلية تُتخَذ على ضوء القِيَم الإنسانوية (كقِيم التفكير العلمي والحرية والمساواة) ما يجعل كل الحقائق ظواهر مستقبلية معتمدة في تكوّنها علينا نحن بالذات.

  • لديك مفاهيم جديدة تستغلق على فهم غير المتخصص منها: الميزياء، الضيمياء، العقلنالوجيا.. ما المفهوم المبسّط لهذه المصطلحات؟

الميزياء فلسفة الميزة التي تعتبر أنَّ لكل ظاهرة ميزة تميّزها عن الظواهر الأخرى وبفضلها تتشكّل وتكون بينما الضيمياء فلسفة الضيم التي تقول بأننا نظلم الكون باعتبار ظواهره كافة مجرّد أدوات لخدمتنا. أما العقلنالوجيا فهي علم العقلنة، ومفادها عدم التحيّز إلى نموذج فكري دون آخر بهدف التوحيد بين المذاهب الفكرية والفلسفية جمعاء، ما يضمن نشوء الإنسانوية الداعية إلى وحدة الثقافات والمعارف والبشر. صياغة مصطلحات جديدة في اللغة العربية (كالميزياء والضيمياء والعقلنالوجيا) ضرورة معرفية ووجودية أيضاً لأنَّه- فقط- من خلال هذه الصياغات اللغوية الجديدة نتمكّن من طرح أفكار فلسفية جديدة ذات استقلالية، كما يمكن من خلالها أن تتجدد لغتنا وتتطوّر. فقط من خلال لغات جديدة نتجدد.

  • " السوبر حداثة" من أبرز مؤلفاتك.. برأيك هل الحداثة تتعلق بفهم النص أم فهم أنفسنا؟

تقول فلسفة السوبر حداثة إنَّ الكون غير مُحدَّد، ولكن رغم ذلك من الممكن معرفته، فمن خلال لامُحدَّدية الكون من الممكن تفسيره ووصفه. وبما أنَّ السوبر حداثة تؤكِّد على أنَّ الكون بظواهره كافة غير مُحدَّد ما هو إذن من الممكن بحق وصفه وتفسيره علمياً على أنه مادي (يتكوّن من ذرات وجُسيمات مادية)، وعلى أنه أيضاً معلومات مجرّدة، وعمليات تبادل للمعلومات (كما يقول مثلاً الفيزيائي بول ديفيز) أو أنه بناءات ومعادلات رياضية مجرّدة بدلاً من أن يكون مادياً (كما يقول الفيزيائي ماكس تغمارك).

فلو كان الكون مُحدَّداً لنجحت نظرية علمية واحدة من هذه النظريات العلمية المختلفة والمتنافسة في وصف الكون وتفسيره. لكنها كلها نظريات علمية ناجحة. لذلك من غير المُحدَّد ما هوالكون. ورغم ذلك من الممكن بحق معرفة الكون كمعرفته على أنه مادي أو معلوماتي أو رياضي، من جراء لا مُحدَّديته بالذات. أما فهم النص فهوفهم لأنفسنا والعكس صحيح. فنحن نصوص حيّة ونصوصنا مرايا وجودنا الحيّ. لا حياة بلا نص كما لا نص بلا حياة.

  • فلسفتك تعتمد على دراسة الظواهر وكيفية ظهورها.. فهل تعتمد على التأويل في أطروحاتك؟

طبعاً. فالفلسفة تأويل تماماً كما أنَّ العِلم تأويل. فالتأويل الحق هو استنتاج معانٍ صادقة ناجحة في تفسير الظواهر وتحليل المفاهيم. فمثلاً عندما حَلَّلَ أينشتاين الجاذبية على أنها مجرّد انحناء الزمكان (جمع الزمان والمكان) فهو حينها قد قَدَّمَ تحليلاً علمياً للجاذبية لكنه في الوقت عينه قَدَّمَ تأويلاً للجاذبية على أنها انحناء الزمان والمكان. هذا لأنَّه بفضل تحليله استخرج المعنى الباطن للجاذبية، وفسَّر من خلال هذا المعنى لماذا تجذب الأشياء بعضها البعض.

والتأويل ليس سوى استخراج المعاني الباطنية من معانٍ ظاهرية. أما تفسير ظواهر الكون على أنها غير مُحدَّدة كما جاء في فلسفة السوبر حداثة، فهوأيضاً تأويل للظواهر؛ لأنه استخراج لمعانيها المُبطَّنة.

  • العلاقة بين الفلسفة والأدب قديمة.. برأيك هل الفلسفة بحاجة للأدب حتى تحظى بالقبول والانتشار؟ ولماذا طرد أفلاطون الشعراء من المدينة الفاضلة؟

الفلسفة تحتاج إلى الأدب والعِلم والفنون جمعاء تماماً كما أنَّ الأدب يحتاج إلى الفلسفة والعلوم والحقول الإبداعية الأخرى. هذا لأنَّ الحقول الإبداعية والمعرفية المختلفة كالأدب والفلسفة والفن والعلوم تشكِّل حقلاً معرفياً وإبداعياً واحداً لا يتجزأ؛ لكونها تتأسس على ضوء بعضها البعض.

فمثلاً، لا يوجد أجمل من شعرية قول أينشتاين "إنَّ الله لا يلعب بالنرد". وهذا القول علمي وشِعري في آن. ومضمونه العلمي هوأنَّ القوانين الطبيعية حتمية وليست احتمالية. أما أفلاطون فاعتبر أنَّ الشعراء يقلِّدون عالَمنا المادي بصورهم الشِعرية، بينما عالَمنا المادي هو تقليد كاذب للعالَم الحقيقي المجرّد المُتكوِّن من المُثل، أي الماهيات الحقيقية اللامادية واللا متغيّرة.

لذلك رفض أفلاطون الشعراء وطردهم من مدينته الفاضلة مدينة العِلم بالنسبة إليه. لكنه أخطأ بذلك لأنَّ كل الحقول المعرفية والإبداعية، ومن ضمنها الشِعر تشكِّل حقلاً وجودياً ومعرفياً واحداً لا يقبل الفصل. فالعلماء الكبار هم أيضاً شعراء كبار.

  • كيف تفسِّر صعود اليمين المتطرف والنزعات القومية الشعبوية في أوروبا وأمريكا وتراجع النموذج الثقافي الغربي الذي يقوم على التنوير والحداثة؟.

أمسى السوبر تخلّف سيد العالَم. فكما اجتاح السوبر تخلّف عالَمنا المشرقي يجتاح اليوم الغرب بقوة. يكمن السوبر تخلّف في تطوير التخلّف من خلال تقديم الجهل على أنه علم وتقديم العلم على أنه جهل. وبات السوبر تخلّف سيداً من أسياد الغرب لأسباب عديدة منها تَحكّم رأس المال في طرح ما هومعرفي ومفيد بدلاً من تَحكّم مبادىء المنطق والتفكير الموضوعي والعلمي الحق. لذلك من المتوقع تماماً ما يحدث من تخبط للغرب وطغيان للعنصرية فيه فالسوبر تخلّف يؤسِّس للتعصب والعنصرية والطائفية والإرهاب لأنه يعزل الأفراد والجماعات في سجون عقائد كاذبة كعقيدة أنَّ الآخر عدو لنا رغم أنه مجرّد وجه آخر لوجودنا بالذات. وللخلاص من السوبر تخلّف لا بدّ من الاعتماد على فلسفات معينة كفلسفة السوبر حداثة التي تقول بلا مُحدَّدية الكون وظواهره فتُحرِّرنا من مُحدَّدية الأفكار ما يسمح لنا بأن نتطوّر وفلسفة السوبر مستقبلية التي تؤكِّد على أنَّ التاريخ يبدأ من المستقبل فتُحرِّرنا من مُحدَّدية الماضي بقولها إنَّ الحقيقة قرار علمي في المستقبل وقولها بأنَّ المعاني قرارات اجتماعية لا تتشكّل سوى في المستقبل.

  • ما رأيكم في قول هابرماس الذي يعتبر أنَّ تصحيح مسار العولمة هوالكفيل بالقضاء على الإرهاب؟

ما يقوله صحيح. لا بدّ من تصحيح مسار العولمة لأنها أمست اليوم أداة إرهابية لكونها تفرض على شعوب العالَم أنماط عقائد وسلوكيات موحَّدة فتلغي التنوّع الثقافي الضروري للتطوّر والحرية. فالعولمة تفرض نموذجاً أحادياً بهدف تحويل العالَم إلى قرية صغيرة ذات طابع موحَّد وطبيعة واحدة. لكنها بذلك تقضي على حرية الأفراد والمجتمعات في تشكيل ذواتها من خلال نماذج فكرية وسلوكية مختلفة.

وهذا القمع الذي يُمارَس من قبل العولمة يؤدي لا محالة للإرهاب كردة فعل عنيفة وغير مقبولة طبعاً ضد طغيان العولمة وسيادتها. هكذا تحوّلت العولمة إلى إرهاب حقيقي يُولّد ردات فعل إرهابية أيضاً. نشهد تجسّدات العولمة كإرهاب فيما نرى في العالَم من انتشار للإرهاب الجسدي والفكري معاً.

- لماذا يخشى المثقفون العرب، مواجهة التراثيين على أرضيتهم الخاصة بالذات أي أرضية تفسير الدين، كما فعل فلاسفة أوروبا، حتى طه حسين تراجع فى لحظة ما بعد أن أثار الأصوليون الشارع ضده، وفصلوه من الجامعة، فانخرط فى كتابة الإسلاميات لكى يزيل عن نفسه تهمة «ازدراء الأديان" ؟.

المثقفون العرب سجناء السلطان والطغيان والسفارات والمال. المثقفون العرب سجناء أنفسهم. فالذي لا يتحرّر من نفسه ومعتقداته المُحدَّدة مُسبَقاً لا يتحرّر من طغيان الماضي وسجون الآخرين. نحن كمثقفين عرب إما خدم لدى السلطان وإما في عزلة كاملة أو شبه كاملة.

نحن في غربة في أوطاننا وخارج أوطاننا. المثقف العربي مقموع بسلطة السلطان السياسي والاقتصادي والديني والمعرفي وخدمه من المثقفين الزائفين. لذلك لا نستطيع طرح الجديد في حقل الدراسات الدينية ومَن فَعَل قد قُمِع أو هُجِّر ومنهم مَن قُتِل. أمة تقتل مثقفيها جسدياً أو معنوياً أمة لا حياة فيها. رغم كل ذلك يبقى المثقف العربي الشريف مدافعاً عن وطنه وأمته وقضاياها العادلة.

 

* كاتب وصحفي مصري

 


Warning: Use of undefined constant num - assumed 'num' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/btimescom/public_html/articles.php on line 557

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment