الحلف اللئيم بين المذهب والزعيم

03/01/2016 - 00:00 AM

 

 
د. غازي المصري
 
إن الشعب اللبناني لابد أن يكون أحد من إثنين. إما شعب يكره نفسه لأنه رغم ما يشيعون عنه من أنه مصدر السلطات يأبى ان يصلح حاله ويعالج مشاكله ويحصل على حقوقه الإنسانية, ويزيل عن نفسه ذلك القيد الثقيل من الفقر والجهل وهجرة الشباب من أبنائه. وإما أنه شعب زاهد، تعود البؤس الذى يرتع فيه, والحرمان الذى يأخذ بخناقه جميع أمور الحياة, من نفايات وكهرباء والتسكع والمذلة عند أبواب الزعامات وواسطة رجال الدين.
 
قبل الكلام عن التغيير في لبنان, يجب أن نتعرف على تركيبة "المنظومة" التي تحكم وتتحكم بالإنتاج الوطني وأمور الحياة, حيث في لبنان أصعب هذه النظم, لأنه يتكون من "حلف المذاهب" ممثلي التنوع الديني , ومن "البرجوازية" أو ما كانوا يسمونها سابقاً "الإقطاعية" التي تسيطر على مصادر الإنتاج والتجارة في لبنان, ومن "الأحزاب" التي تحمل في ظاهرها عقأئد وطنية, قومية, علمانية شعبية ذات الوأن عصرية, إلا أن كل هؤلاء يعملون من أجل بقاء الزعماء وتوارث زعامتهم.
 
يتقاسم هذا الحلف الميزانية العامة للدولة والإنتاج. يدافع أعضاؤه عن بعضهم البعض. يحافظون على مصالح بعضهم البعض. لذلك لا تجد أي غطاء لأي حراك شعبي في لبنان. والملاحظ تأييد المذهب للتوريث السياسي مقابل مشاركة السياسي نفسه فساد وتجاوزات أفعال وأعمال المجالس المذهبية كافة. هذا هو "الحلف السري" بين الزعيم والمذهب وبين السلطة والأديان.
 
في الاتحاد السوفياتي, كانت المنظومة الشيوعية تحكم وتشرع الفساد للحزب الشيوعي و قياداته, إلا أن الحزب لم يتحالف مع الكنيسة لأسباب عقائدية. لذلك نجح الشعب الروسي بالثورة عليه, والتخلص منه تحت غطاء من الكنيسة, التي لم يكن لديها مصالح مع الحزب الحاكم. وهذا ما حصل أيضاً في بولونيا وهنغاريا ورومانيا وغيرهم من الدول الشيوعية سابقاً.
 
إذا نظرنا الى الثورة في أوروبا, المسماة الثورة الصناعية, نجد أن الإقطاعية الطامحة إلى السيطرة على الصناعة, قامت بالثورة على سلطة الكنيسة واقطاع الدين الذي كان قاسيا ومحتكرا للإنتاح الزراعي. مع تفاقم أزمة البطالة والجوع, إستطاعت الإقطاعية المدنية خارج الكنيسة أن تحرك الشعوب للثورة على إقطاعية الكنيسة وانتصرت عليها.
 
إذا نظرنا حديثا إلى الثورة السورية, كانت تسير بالطريق الصحيح, بدأت تكسب إلى جانبها التمويل الوطني البرجوازي, إلا أن المرجعية الدينية شعرت أنها ستقضي على سلطة الأسد ولن تكرس سلطة المذاهب. فسيطروا على الحراك السوري, ما أعطى الفرصة للنظام أن يعيد صياغة تحالفاته, مستغلا مطالب المذاهب والتي كانت مكدسة في جواريره. نفذ النظام أغلبها, شرط أن يكسب تأييد ممثلي المذاهب, وبذلك يكون حلفه مع المذاهب سدا منيعا في وجه الحراك الشعبي السوري.
 
من هنا, إن أحد أسباب فشل الثورة السورية هو الغطاء الديني للنظام الحاكم, مقابل مذهبة الثورة. لذا إن نجاح ثورة التغيير في لبنان منوط بتفكيك الحلف القائم بين الزعيم ورجال الدين, عبر خطوات متتالية دقيقة عقلانية, دون اللجوء إلى العنف الثوري, بعد أن تبين مضار هذا النهج وانعكاساته السلبية على كيان الدولة والمؤسسات. المطلوب اليوم الحفاظ على الدولة والمؤسسات لما بعد الثورة, وتفكيك الحلف بين الزعيم والمذهب. هذا التفكيك يكون بسن قوانين تبعد مصالح المذهب عن مصالح الزعيم وعن سيطرة أي من الأحزاب السياسية او الدينية.
 
عندما يقرر الشعب اللبناني التغيير, عليه أولا أن يحطم المصالح المشتركة بين المذاهب والأحزاب والسلطة, وذلك بعد أن يخرج الشعب من صفوف المذهبية. ويطالب بإلغاء مخصصات الأديان, التي تحصل عليها من الخزينة وعرق جبين المواطن, وفرض ضريبة على المؤسسات الدينية تساوي تلك التي تفرضها الدولة على أي ملك خاص أو عام. وإخضاع الأملاك والأوقاف للنظام الضريبي المتعارف عليه في الدولة بغض النظر عن مقولات القدسية والألوهية.
 
على الشعب اللبناني ثانيا, أن يؤسس تيارات علمانية جديدة تحل مكان الأحزاب اللبنانية التقليدية, لأن اللبنانيين بأكثريتهم فقدوا ثقتهم بالأحزاب الحالية ونفاقها ووجودها وزعمائها , أصحاب الذهنية الإقطاعية, وعلاقاتهم المصلحية الخاصة. ثالثا, يجب العمل على توعية الشعب وإقناعه أن حقوق الإنسان, وحقوق المرأة, وحقوق المواطن, لا يمكن مذهبتها. وحده القانون يجب أن يحفظ حقوق كل مواطن, بغض النظر عن لونه وشكله. إن الآلام التي يشعر بها الشيعي, لا تختلف عن السني والدرزي والمسيحي, سواء في هجرة الشباب اوغياب فرص العمل. والأهم غياب فرص الإبداع والإنتاج وحتى فرص التجارة محاربة الاحتكار.
 
وعليه, يجب إقرار قانون الإنتخاب على أساس الدائرة الفردية الصغرى, أو لكل 10 آلاف ناخب نائب. والمعنى انه طالما الدائرة صغيرة, يتمكن النائب من التواصل مع الناخب بسهولة. الدائرة الصغرى لا تحتاج لتمويل الأثرياء ومحادل الأحزاب والزعماء. إن إخراج أي من أطراف حلف السلطة سيجعل التغيير أسهل, وسيعبر اللبناني إلى بناء دولة الحق والواجبات والعدالة والمساواة أي الى بناء دولة المواطنة. لا يمكن التغيير السريع بل يجب السير في نهج القضم التدريجي أو التسلق المدرج على سلم التغيير.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment