نصائح وإرشادات لطلاب الترجمة في متابعة تحصيلهم العلمي

01/13/2020 - 11:07 AM

Arab American Target

 

بقلم: محمد زريق*          

المعرفة هي مال لا ينفد وكنزٌ لا يفنى، ولا يمكن لهذا المال أن ينمو إلا بالعمل النافع. إنَّ العلم هو واجب إنساني كي نرتقي بعالمنا، فقد قال رسول الله "‏طلب العلم فريضة على كل مسلم‏"، وقد ورد في حديثٍ آخر عن الرسول قوله "منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا، فأما طالب العلم فيزداد رضى الرحمن، وأما طالب الدنيا فيتمادى في الطغيان".

إنَّ الله فضّل العلماء وميزهم عن غيرهم من المخلوقات، فقد خصَّ الله العلماء بآية قرآنية في الكتاب الذي يعتبر دستوراً للحياة، فقد جاء في سورة المجادلة "يَرفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ، وَاللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِيرٌ". فالعلماء هم أقرب منزلة إلى الله، حالهم حال الشهداء والصالحين، والعلم النافع يجعل من الإنسان خادم للبشرية ومُصحّح للأفكار المغلوطة.

إنَّ طريق العلم ليس بالسهل كما يظن البعض، فهو لا يختلف عن طريق الجهاد والكفاح، الفارق الوحيد هو أنَّ طالب العلم سلاحه القلم أما المجاهد سلاحه البندقية. إنه طريقٌ صعب محفوف بالمصاعب والأشواك، ويحتاج إلى الكثير من الصبر والوعي والتخطيط المُسبق. فدخول ساحة القتال دون تخطيط مسبق، على الأغلب سوف تكون نتيجته الفشل السريع، كذلك بالنسبة لميدان العلم، فإن اختيار حقل دراسي معين دون تفكير منطقي سوف يؤدي إلى فشل الطالب أكاديميا وعملياً.

تأكد أنك سوف تواجه الكثير من الرفض عندما تكون أفكارك وتطلعاتك مختلفة عن الأفكار السائدة، كما أنك سوف تكون منبوذاً وسيكون مكانك على هامش المجتمع، هذه هي ضريبة الاختلاف وعدم السير بالطريق المعتاد، ولكن أن تكون مختلفاً لا يعني أنك على خطأ. غاليليو غاليلي، العالم الفلكي الإيطالي، هو أحد رموز التحرر الفكري وعدم القبول بالأفكار السائدة؛ فقد حاربت الكنيسة الكاثوليكية العالم الإيطالي غاليليو بعد أن أسّس نظريته في دوران الأرض حول الشمس، والتي تعتبر أنها تعارض أفكار الانجيل المقدس، وقد زُجَّ به في السجن وأصبح كافراً بنظر المجتمع، ولكن لاحقاً أثبت العلم أنَّ غاليليو كان على حق.

مثالٌ آخر هو أبو القاسم عباس بن فرناس بن ورداس التاكرني، العالم المسلم الذي حاول الطيران، ولكن محاولته هذه جعلته كافراً، مما أدى إلى نبذه عن مجتمعه. تحوّلَ بن فرناس إلى أب علم الطيران، ونظرياته أثبتت أنها صحيحة، فالحياة أصبحت سهلة والمسافات أقصر بفضل أفكاره التي أصبحت واقعاً.

في عصر القرية الكونية "الواحدة الموحّدة" أصبح التنوع في طريق الحياة مصدر غنى، لا بل حاجة وضرورة للتطور والرقي. إنَّ التنوع يمكن أن يكون في مصادر المعرفة والاختصاصات العلمية أو مجال العمل أو مكان الاقامة أو المأكل والملبس أو نوعية الأصدقاء وغيرها الكثير من العناصر التي تشكل مصدر غنى إذا ما كانت متجانسة وتمَّ استغلالها بالشكل الصحيح.

إنَّ الصفة الأجمل التي أُحب أن تُعطى لي هي "مواطن عالمي"، المواطن الذي يستطيع أن يتقبل جميع التوجهات والآراء الفكرية والمُلِم بالعناصر الثقافية المختلفة التي تتميز بها المجتمعات. من عاصمة العلم والفكر "بيروت" كانت البداية، وبما أنَّ اللبناني معروف بالترحال منذ أيام الدولة الفينيقية، فقد اتجهتُ نحو عاصمة الغرب "باريس"، ومن هناك كان لي موعد مع عاصمة الشرق "بكين" التي كانت بانتظاري. هذا هو الطريق المتشعب والغير اعتيادي الذي سلكتُهُ خلال دراستي الأكاديمية، فقد نِلتُ إجازتي في الترجمة من الجامعة اللبنانية الدولية، وحصلت على شهادة الماجستير في الدبلوماسية من جامعة باريس، وأنا حالياً مرشح لنيل الدكتوراه في العلاقات الدولية من أهم جامعات الصين.

طريقي المتشعب لم يقتصر على مكان التحصيل الدراسي فحسب بل تعداه إلى التنوع في التخصصات العلمية، وهذا ما يضيف ميزة الليونة وسهولة التأقلم مع أي متغير قد يطرأ. إن الرجل الدبلوماسي الذي لا يكون ملماً بلغة وثقافة شعب ما لا يصلُح بأن ينال صفة الدبلوماسي، فالدبلوماسية هي المهنة الوحيدة القائمة على الكلمة، وكما قال الفيلسوف الهندي غاندي "عندما تتحدث إلى شخص ما بلغة مشتركة سوف يفهمك بعقله ولكن عندما تتحدث إليه بلغته الأم سوف يسمعك بقلبه". من السهل جداً التواصل في عصر الانترنت ولكن ليس من الصعب التواصل بلغة القلب والفكر معاً.

إنَّ الشخص الدبلوماسي هو رسول للسلام والحوار والانفتاح وداعٍ للتقريب بين الأمم، لذلك قبل إتقانك لفنون التواصل والمفاوضات عليكَ أن تكون مُلِمّاً بلغة شعبٍ ما. فالدبلوماسي الذي لا يجيد الإسبانية على سبيل المثال وليس لديه تجربة عن الحياة في إسبانيا أو أميركا اللاتينية لا يصلح أن يمثل دولته في تلك البقعة الجغرافية من العالم.

في الكثير من الأحيان يصبح الدبلوماسي عبئاً على وطنه، فاللغة الإنكليزية ليست كافية للتواصل في بعض المجتمعات مثل المجتمع الصيني. فالصين تعتمد سياسة أن تكون بعثاتها الدبلوماسية ناطقة بلغة الوطن المتعمدة به، ففي لبنان على سبيل المثال، يمكنك التحدث باللغة العربية مع أفراد البعثة الدبلوماسية الصينية. أما في الصين، على المواطن الصيني التحدث باللغة الإنكليزية للتواصل مع بعض أفراد البعثات الدبلوماسية.

إنَّ اللغة هي العنصر الأول والأهم للدبلوماسي الجيد والناجح، لذلك نجد أنه في الكثير من الأوقات يتحول الدبلوماسي إلى مترجم. كما أنَّ إختصاصات جامعية مثل الترجمة وعلم اللغات لا تقتصر فقط على ميدان العمل في الترجمة، فالمترجم يمكن أن يتواجد في الإذاعة أو المحكمة أو السفارة أو المستشفى.

إنَّ وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان تشترط على الطالب أن يكون اختصاصه مطابقاً في حال رغب بمتابعة الماجستير أو الدكتوراه في الجامعة اللبنانية. فالمنهج اللبناني لا يُحبّذ التنوع في التخصصات، لذلك على طالب الترجمة أن يدرك هذا الأمر ويكون مستعداً لإيجاد البديل عن جامعته الوطنية، أضف إلى أنه في الكثير الأحيان سوف يواجه الطالب مشكلة عدم توفر الماجستير أو الدكتوراه للاختصاص الذي يرغب بمتابعته، فإذا كان مصراً على إختصاصٍ ما، عليه التوجه إلى جامعات خارج حدود الوطن أو تغيير مسار تخصصه الأكاديمي بحيث يكون متوفراً في وطنه.

في حال اتخاذ القرار بالتوجه نحو جامعات خارج حدود الوطن، على الطالب أن يتفكر بالقرار المتخذ أكثر من مرة. إستناداً إلى تجربتي الشخصية، التحصيل العلمي في الخارج مختلف كلياً عنه في الوطن الأم. الدراسة في الخارج تعتبر تجرية دولية مصحوبة بالكثير من الميزات التي لا يمكن أن يحصل عليها الطالب في وطنه الأم. الدراسة في الخارج هي المفتاح للطالب بأن يصبح "مواطن عالمي"، وذلك عبر التواصل مع أشخاص من خلفيات إجتماعية وعرقية وثقافية ودينية ولغوية مختلفة. إنه عامل مهم لتنمية روح الإنسانية، فالتجربة اللبنانية على سبيل المثال جعلتني أنظر إلى الشخص على أساس عرقي، فالإنسان الأبيض هو الأفضل ويجب معاملته بطريقة مميزة أما أصحاب البشرة السمراء وغيرهم هم أقل درجة؛ هذه المفاهيم الخاطئة التي يتشربها الشخص في وطني بطريقة اللاوعي سوف تصبح من المحرمات بعد تجربتك خارج حدود الوطن، بحيث أنك سوف تشعر بالإنتماء إلى البشرية وليس إلى معين ضيق.

رسالتي إلى طلاب الترجمة هي عدم التقيّد بالتقاليد المرسومة لكم في مجتمعكم اللبناني، فإذا كانت فكرة التنوع في التخصصات هي من المحرمات عليكم عدم اليأس ومتابعة الطريق المناسب لكم، لأنَّ هذه الحياة هي ملكٌ لكم وحياتنا كمترجمين ليست واحدة، فالصورة التقليدية هي العمل كمترجم أو امتهان التدريس. إلا أنَّ الحياة بالنسبة لنا كمترجمين هي أعظم من ذلك بكثير، لأنك كمترجم يمكنك أن تكون رجل سلام عبر تقريب وجهات النظر أو يمكنك أن تدخل الفرحة إلى قلوب الناس مثل العمل كمرشد سياحي أو أن تساهم في نشر العدالة كالعمل داخل المحاكم المحلية والدولية وغيرها الكثير من الوظائف.

من الجيد أن تكون الترجمة إختصاصاً لك في كافة المراحل الجامعية، ولكن من الأفضل أن يكون اختصاص الترجمة مقدمة لدراسات أخرى مثل السياسة والاعلام والحقوق والسياحة وغيرها الكثير من التخصصات التي يمكن أن تتطابق مع اختصاص الترجمة. إنَّ مقرر الإجازة لطلاب الترجمة يشتمل على الكثير من المواد المتشعّبة والتي لا تقتصر على الترجمة القانونية والعلمية والطبية والأدبية، هذه قد تكون فرصة لطالب الترجمة بأن يختار إختصاص يتلاءم مع أفكاره وتوجهاته العلمية في مرحلة الماجستير أو الدكتوراه.

أنا لستُ بوارد الترويج للتنوع في التخصصات العلمية، فبعض الطلاب سوف ينجحون في متابعة إختصاص معين أما البعض الآخر من الطلاب لا يمكنهم أن يحققوا النجاح سوى بالتنوع في التخصصات. الأهم هو أن يكون الطالب على قناعة تامة بالإختصاص الذي قد اختاره وأن يكون قادراً على إمكانبة ربطه بإختصاص الترجمة، هكذا تصبح القدرات اللغوية والتواصلية أداة فعّالة في تخصصاته الأكاديمية وحياته العملية.

* محمد زريق هو مرشح للدكتوراه في Central China Normal University وعضو اتحاد الكتّاب والصحفيين أصدقاء وحلفاء الصين، مهتم في سياسة الصين الخارجية تجاه المنطقة العربية مع تركيز خاص على مبادرة الحزام والطريق، لديه العديد من الكتابات في المجلات العلمية المحكّمة والمنشورات.

 

 


Warning: Use of undefined constant num - assumed 'num' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/btimescom/public_html/articles.php on line 557

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment