لعبة الاقطاع ومصير الرئاسة

02/24/2016 - 19:27 PM

 

زينة منصور

لا شك أنّ لعبة السياسة اللبنانية رغم المستجدات التي فيها تبقى لعبة تقليدية تصطف فيها العائلات السياسية إلى جانب بعضها، معلنة تحالفها التاريخي الإقطاعي العائلي في حكم الإمارة او الإمارات اللبنانية الطائفية المتحدة. إلا أنّ من خرق لعبة العائلات مسيحيا، كانت عائلتا جعجع وعون، واستطاعت أن تخرق في وجدان المسيحيين صيغة الإقطاع الماروني القابض على أنفاس موارنة لبنان طوال 400 سنة من حكم موارنة جبل لبنان لموارنة الأطراف في الشمال والجنوب والبقاع. نجح قائد القوات اللبنانية سمير جعجع في معركة جهاد النفس، وأثبت أنّ مصلحة لبنان العليا تتفوق على أي مصلحة شخصية. وهذا ما أعمى بصيرة الفريق الآخر من القادة السياسيين الذين ما زالوا يغلبون المصلحة الشخصية العائلية على الوطنية.

إصطفت العائلات السياسية حول خيارات رئيس الجمهورية كما هو مُعلن إنطلاقاً من "موقف سياسي"، إلا أنّ مشهد الإقطاع القديم والجديد حاضراً بقوة، نظراً لدور هذه العائلات في صيغة السياسة اللبنانية الطائفية وتوزاناتها. نجح ابن الرقيب في الجيش سمير جعجع، من بشري شمال لبنان، في فضح اللعبة. وقف إلى جانب ابن الشياح وجزين ميشال عون، ابن الأسرة المارونية الجزينية جنوباً، التي نزحت إلى الشياح في ضاحية بيروت، نجح أن يصفح ويتسامح مع من تخاصم معه دهراً بمصالحة تاريخية طوى فيها صفحة صراع تاريخي ماروني-ماروني متنازلاً عن الأنانية والنرجسية.

إصطفاف الإقطاع السياسي القديم والجديد

المشهد اليوم كالآتي من حيث إصطفاف الإقطاع السياسي القديم والجديد تحت ما يُسمّى لعبة الخيارات السياسية "المعلنة" ولعبة الخيارات الاقطاعية "المضمرة". يؤيد الإقطاع الدرزي المتمثل بزعيم الحزب الاشتراكي النائب وليد جنبلاط خيار ترشيح الإقطاعي الماروني، المتمثل بالمرشح الحالي النائب سليمان طوني فرنجية، حفيد رئيس الجمهورية الأسبق سليمان فرنجية الجد، سليل العائلة الاقطاعية المارونية شمالاً، المنافسة وجوداً لابن بشري سمير جعجع، المنتمي إلى عائلة من خارج نادي الإقطاع، والذي حكمت عليه الطبقة السياسية يوما، حين تنازلت عنه للمحتل السوري، وهو رفض التنازل عن قناعاته والمساومة، بالحكم بالسجن 11 عاماً وثلاثة أشهر في زنزانة إفرادية في الطابق الرابع تحت الأرض في مبنى وزارة الدفاع في بعبدا. علماً أنّ جعجع بنى نموذجاً لهذه الزنزانة في بيته كي لا ينسى التجربة التي طبعت حياته.

الصراع الماروني - الماروني

أعلن قائد حركة أمل، رئيس مجلس النواب نبيه بري، ابن الجنوب المقاوم، عن نيته بإنتخاب سليل الإقطاع الماروني القديم في الشمال، سليمان فرنجية، الاقطاعي الصغير في زغرتا، الذي كان أيضا ضحية الصراع الماروني-الماروني. كل ذلك على ضوء حقيقة أنّ قائد أفواج المقاومة اللبنانية إختتم نضاله لتحرير الجنوب ببناء إمارته الإقطاعية الصغيرة جنوب لبنان بعد تحريره من العدو الإسرائيلي.

وعليه، يتضامن الإقطاع القديم المتمثل بالزعيم وليد جنبلاط، سليل الأسرة الإقطاعية تاريخياً، الدائبة إلى التوريث السياسي درزيا، مع زعيم الإقطاع الشيعي الجديد المتمثل بالرئيس نيبه بري، الساعي أيضاً لتوريث إمارته الجنوبية. ينضمّ إليهما سنياً الرئيس سعد الحريري، الذي يأتي من مدرسة مناقضة روحاً وفكراً ونهجاً لكل ما يتعلق بخلفية الإقطاع او أمراء الحرب. يُعتبر الرئيس سعد الحريري في هذا المشهد اللبناني التقليدي المُعاد المكرر، من تحالف الإقطاع القديم مع الجديد، مُندرِجاً في خانة الإقطاع السني الجديد، الذي يتضامن مع رأس حربة الإقطاع الدرزي القديم والاقطاع الشيعي المستجد، إلى جانب مرشح رئاسي من نادي الإقطاع الماروني القديم.

وهكذا يجتمع اللاعبون هؤلاء في نادي الإقطاع العائلي الطائفي القديم الجديد العابر للطوائف وعليها، تحت ما يُسمّى" الخيارات السياسية الحزبية لإنقاذ رئاسة الجمهورية". إلا أنها في الحقيقة تندرج في خانة الحفاظ على المواقع السياسية لكل من هذه الأفرقاء والبقاء على صيغة الدولة-المزرعة.

إختلاف على دستور الطائف

أما في المقلب الاخر من اللعبة نفسها وتأثير خيارات لاعبيها على مصير إنتخاب رئيسٍ للجمهورية، تجد ابن بشري شمالاً، الذي ينتمي إلى نادي أمراء الحرب نفسه، مع فارق أنه دفع ثمن خياراته ولم يخضع رغم كل الضغوط. تجده قد أعلن تحالفه مع العسكري الماروني الجزيني، الذي إرتقى في السلك العسكري حتى أصبح قائداً للجيش، ورئيساً لحكومة إنتقالية، وزعيم التيار السياسي الأقوى مسيحياً الجنرال ميشال عون. الرجلان كانا خصمان سياسيان شرسان وعسكريان متقاتلان قاتلا بعضهما البعض وإختلفا على دستور الطائف، الذي أيده جعجع ورفضه عون، وإعتبره مسّاً بصلاحيات رئيس الجمهورية.

يقف معهما في هذا التحالف منزعجاً صامتاً متوجساً حتى الساعة، رغم كونه المحرك الفعلي للسياسة اللبنانية في زمن صعود إيران في المنطقة، الحزب الشيعي السلفي المقاوم، المعروف بإنتمائه العقائدي لجمهورية الولي الفقيه، والذي يعيش تجرية الدويلة ضمن الدولة، والمتهم بتعطيل إنتخاب رئيس الجمهورية ضمناً، حفاظاً على مصالح إيران الإقليمية ضمن الصراع السعودي - الايراني. مارونيان من موارنة الكفاح والنضال على مستوى حياتهما الشخصية وجدا أنفسهما نتيجة لعبة الإقطاع القديمة الجديدة في الحياة السياسية اللبنانية في صفٍ واحد مع حزب الله الذي يحمل مشروعاً مناقضاً لكل ما شكّله الموارنة يوماً في تاريخهم.

الإقتتال الدموي في حربي التحرير والإلغاء

وفي القراءة السياسية لترشيح سمير جعجع، للنائب ميشال عون وهو من أركان 14 آذار2005، وأحد أبرز رموز 8 أذار حالياً، صاحب التيار المسيحي الأوسع تمثيلاً، أنّ الرجلين إستطاعا أن يتصافحا ويتسامحا بعد سنوات من الإقتتال الدموي في حربي التحرير والإلغاء 1988 الاخطر، والتي كانت نتائجها مدمرة على المجتمع المسيحي ونسيجه الإجتماعي بحيث قتل الأخ أخاه في البيت الواحد نتيجة هذا الإنقسام والخلاف. بكثير من الذكاء والحنكة وبعد سنة ونصف من الفراغ الرئاسي، إستطاع جعجع أن يكسر الأفق المسدود مسيحياً، متنازلاً عن ترشيحه الشخصي للرئاسة لصالح خصم الأمس. ويحرج حزب الله ويرسل رسالة للشارع المسيحي أنّ "ورقة التفاهم" بين عون وحزب الله أصبح هناك ما يعادلها من "ورقة نوايا" بين عون وجعجع، لا تحيد بها القوات اللبنانية عن ثوابتها في حماية الجمهورية وحماية الوجود المسيحي في لبنان من منطلق سياسي لا إقطاعي عائلي للحفاظ على عائلات معينة.

نجح سمير جعجع بتعطيل مبادرة ترشيح سليمان فرنجية او أخذها إلى مكانها الحقيقي وهو التصويت في مجلس النواب على قاعدة إنصاف المرشح الماروني الأقوى مسيحياً بحكم أنّ قوة فرنجية مسيحياً لا تعدو كونها قوة مناطقية بحجم زغرتا على عكس قوة عون الأوسع مسيحياً الأكبر بأضعاف. واستطاع جعجع خلق قوة ضاغطة بإتجاه المرشح الأقوى مسيحياً. ففي حين أنّ القاعدة التي تحكم في بقية الطوائف أن يأتي الأقوى درزياً، الأقوى شيعياً، الأقوى سنياً، إرتفعت الكثير من الأصوات المسيحية مشيرة إلى أن الإستثناء مجحفاً أن يُفرض على الأقوى مسيحياً أي الجنرال عون. لقد إستطاعت اللعبة السياسية وتحالفاتها ضمن 14 آذار كفريق وطني أن تحجب هذا الحق كنوع من العقاب للجنرال ميشال عون لتحالفه مع حزب الله.

رغم التباين السياسي معه وتوجيه إصبع الإتهام له بأنه سيُفَرّط في الجمهورية بحكم تحالفه مع حزب الل، إلا أن الآخرين ممن يدعون حماية الجمهورية في المقلب الآخر، قاموا بقسطهم من التفريط بأخطاء متتالية معروفة من قبل الجميع مكرسين صيغة الدولة - المزرعة على مدى عقود.

الشارع المسيحي متصالح مع نفسه

يقف اليوم الشارع المسيحي للمرة الأولى منذ 40 سنة متصالحاً مع نفسه مطمئناً أنه مهما إشتدت العواصف، إستطاع الحكيم "الحكيم" بتنازله أن ينقذ المسيحيين من أهوالها وأن يعطي الأمل للمجتمع المسيحي انه لن يؤيد ترشيح الإقطاع الماروني الذي عانى منه مسيحييو الشمال وجبل لبنان الأمرين طوال قرون من الإختزال لديناميكية المجتمع المسيحي سياسياً وهو الحال الذي تجسده القوات اللبنانية والتيار العوني الذَين يخلوان من أي أثر للعائلات المارونية الإقطاعية في صفوفهما.

مشهد اليوم سيقف حزب الله متأملا فيه بعناية. ها هو يقف مع خصمٍ ماروني لم يكن يتوقع يوماً أنه سيقف معه في صفٍ واحد. ويقف عون حائرا بين أخٍ وحليفٍ، بين ورقة نوايا وورقة تفاهم. ويقف كل من سعد الحريري ووليد جنبلاط ونبيه بري أمام تطور يضعهم أمام استحقاقٍ مرّ. الأكثر خسارة في المشهد هو سعد الحريري، الذي يقف في موقف لا ينسجم مع تطلعات تيار العلم والعمل والبناء، الذي قام على أبناء الطبقة الوسطى من كل لبنان ومن كل الطوائف. سعد الحريري، رئيس الحكومة الأسبق، صاحب التيار الأوسع تمثيلاً سنياً العابر للطوائف، هو سجين بين سِجنَين، سجن الإقطاع القديم المتمثل بمدرسة وليد جنبلاط وسليمان فرنجية وسجن الإقطاع الجديد المُتمثل بمدرسة نبيه بري.

والخطر كل الخطر على مستقبل تياره الذي يحمل إسم المستقبل، أن يكتسب هذه الصبغة الإقطاعية الرجعية في السباق الرئاسي، لأنها ستكون خسارة كبيرة ومسمار في نعش كل ما آمن به الشهيد الكبير رفيق الحريري ومن أحبه من اللبنانيين والعرب.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment