لبنانيون ضد التوريث السياسي

02/22/2016 - 20:18 PM

 

الدكتور غازي المصري

 اذا كان كل فرد من جماعة محددة يعتقد أنّ زعيمه سبب وجوده وليس العكس. إذا كان كل فرد يفدي زعيمه بحياته ومستقبله وولديه وعمله ويعتبر هذا واجباً مقدساً. إذا كان كل كل فرد لا يفكر بالمذلّة والإهانة حين يقف عند باب قصر الزعيم، طالباً العمل أو الوظيفة. إذا كان كل فرد رغم إيمانه بعظمة الخالق لا يؤمن بعظمة الحريّة الفرديّة وعظمة عقل الإنسان المستقِل. إذا كان كل فرد يعتقد أنّ الزعيم هو الحقيقة المطلقة والحق الكامل وأنه لا يُخطىء ولا يُغامر ولا يُقامر بجماعته. إذا كان كل فرد يعتبر أنّ وجوده الطبيعي يكون في جيبة سروال الزعيم وليس في ضميره وعقله وهدفه.

إذا كان كل فرد يعتبر أنَّ واجبه أن يكون آلة الزعيم التي يتمّ برمجتها لخدمة مصالح الزعيم الخاصة وأهوائه. إذا كان كل فرد يحرم نفسه من التفكير والتحليل والمقارنة بين مصلحته وما فعله الزعيم. إذا كان كل خروف من القطيع يشاهد ذبح رفيقه على يد الزعيم ويقول "خرجه". تبقى الأسئلة الملزمة أمام كل لبناني يؤمن بالتوريث، "هل قامت إحدى الجماعات سواء حزبيّة أو مذهبيّة بعملية حسابيّة لما فعله الزعيم لأجلها"؟. هل يجرؤ أحد من الأفراد المطالبة بمحاسبة الزعيم او حزبه أو الكلام عن ذلك داخل اجتماعاتهم المغلقة؟. هل سمعنا يوماً ما أنّ حزب ما أو عناصر منه عاتبوا أو حاسبوا من تولى أمر قيادتهم ؟.

غريب أمرهذا الشعب المُقسّم إلى جماعات، كل جماعة تعبد زعيمها ولا تسأل ولا تحاسب وتقدم التضحيات. يبقى السؤال الحارق، لأجل من كل هذه التضحيات؟. هل لأجل أن يملك الزعيم عقارات المنطقة أو بنايات وأوتيلات وبنوك وشركات لضمان حياة أولاده وعائلته؟. هل لأجل أن يكون لعائلة الزعيم أملاك في دبي والمانيا وفرنسا وأميركا وأربيل وغيرهم؟.

إنَّ عملية تطويع العقول لتستمر في التبعيّة تجري يومياً على يد ممثلي الزعيم ومساعديه من رجال الدين العاملين لصالح حلف المذهب والزعيم والبرجوازيّة المؤيدة لهذا الزعيم او ذاك. الحل يكون بتوعية الفرد اولاً، نشر ثقافة حرية الفكر والرأي والمحاسبة والمُساءلة. لا نستطيع أن نمنع الزعيم من توريث إبنه داخل بيته أو توريث حفيده أو جاره أو حتى كلبه ، لكننا نستطيع أن نُحَفّزعقل أي فرد ليفكّر بحاله وحالة جماعته وعائلته ومنطقته ووطنه.

إنّ ثقافة القطيع وملحقاتها من ثقافة الصمت وثقافة التأجيل، تقودنا إلى الهاوية، إلى قعرمكبّ نفايات الحضارة والحياة ، لأنها ثقافة تساند التوريث وتؤمن به. نحن وُلدنا بشراً إنما التربية اللبنانية القائمة على ثقافة القطيع حولت اللبنانيين إلى غنم ، وإنتسبنا بملء إرادتنا ووعينا الناقص إلى أحد القطعان وأقسمنا اليمين على السمع والطاعة للراعي. فكلُّ حزبٍ عبارة عن مجموعة من الخراف "الخواريف"، كل مذهب عبارة عن مجموعة نعاج، لكل منهم قائد "تيس" يفعل ما يحلو له دون مساءلة وشرح، دون محاسبة او شك بسلوكه وقراراته. من يجرؤ من الغنم أن يسأل يتمّ سوقُه إلى مقصلة الخيانة للقسم والكفر بـ "التيس الحامي الواقي" من المشاكل. رفاقه يقولون "خرجه لأنه خرج من قطيعنا”. والأنكى أن بعض "الخواريف" او الخراف تحاضر بالعفة عن التوريث السياسي والديمقراطية. والحقيقة، "إنَّ غريزة القطيع هي التي تتكلم". ومن ثم تسمعها تقول: ينبغي عليك!، وهي "لا تسمح للفرد بأن يوجد إلا كجزء من الكل". – فريدريك نيتشه.

على اللبنانيين أن يتوقفوا عن أكل لحم الخواريف. إنّ الله منع أكل الإنسان لأخيه الإنسان، فكيف اللبناني يأكل لحم أخيه الخروف؟. بكل ثقة همس لي أحد الحزبيين يوماً: "نحن خواريف الزعيم ونفتخر، شو إلك دخلة، مش عاجبك خليك مسافر؟". هذه ثقافة القطيع والتبعية العمياء والعبودية. هذه الثقافة أوصلت اللبنانيين حتى أصبح كل حزب قطيع خراف، يقسمون يمين الطاعة والتبعيّة. كل زعيم يملك قطيع من الخراف والأغنام في جيبه يُسمّيه "حزب"، وهو يملك الحق في توريثه كما يحفظ ذلك قانون الملكية الخاصة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment