مأزق تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة

12/11/2019 - 12:32 PM

Translation

 

فؤاد الصباغ    

 

تشهد الساحة السياسية الإسرائيلية مؤخرا إحتداما وصراعا متواصلا على زعامة رئاسة الحكومة وهذا يعد سابقة ملحوظة منذ تأسيس الدولة العبرية سنة 1948 إلي حد الآن. كذلك يعد هذا الحدث من أبرز الأحداث السياسية على الصعيد العالمي نظرا للعلاقات الدولية المتشعبة والمتوترة أصلا مع بعض الدول والحركات الإسلامية في المنطقة على غرار دولة إيران الإسلامية أو حركة حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينية وحزب الله اللبناني من جهة والتقارب السياسي الإيديولوجي مع حلفاء الدولة العبرية منها دول الخليج العربي والإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخري. إن مأزق تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة ممكن أن يحدث تصدعا داخليا في النظام السياسي الإسرائيلي العام بحيث سيشكل خطرا حقيقيا على مستقبل الديمقراطية الفتية والحريات الفردية.

إذ في هذا السياق لا يبدو المشهد ورديا بالحد الكافي لمستقبل رئيس الوزراء الحالي نتنياهو وزعيم أشرس وأعرق حزب سياسي وهو الليكود اليميني الطامح في عهدة جديدة وفي المقابل لا تبدو طموحات بني غانس قابلة للتحقيق على أرض الواقع من أجل خلافة منصب رئاسة الوزراء.

كما يعتبر مستقبل رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو السياسي علي كف عفريت نظرا لأنه أضحي في مرمي العدالة الإسرائيلية وذلك من خلال توجيه له لوائح إتهام من قبل المدعي العام الإسرائيلي منها الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة العامة وهي بالتأكيد إن مررت كعقوبات جنائية فإنها ستقضي بالنتيجة علي مستقبله السياسي بصفة نهائية.

فهنا يكمن مربط الفرس بحيث منذ الإنتخابات الأولي التي أجريت في شهر أفريل الماضي من سنة 2019 ثم الثانية في شهر سبتمبر من نفس السنة الجارية ومأزق تشكيل الحكومة مازال متواصلا نظرا لعجز الحزبين أزرق أبيض والليكود في إيجاد حلفاء داعمين لهما في الحكومة المقبلة، مما أدي بالرئيس الإسرائيلي رؤوفين روفلين بتكليف الكنيست الإسرائيلي مؤخرا بتشكيل الحكومة المقبلة وذلك في ظرف لا يتجاوز 21 يوما.

لكن في المقابل تلوح في الأفق كارثة حقيقية ممكن أن تحدث داخل الكنيست الإسرائيلي مجددا وذلك بعد الإحتدام الحامي بين نتنياهو والقائمة العربية المشتركة خلال الجلسة الأولي السابقة قصد إيجاد حل للأزمة السياسية الحقيقية. أما الفشل مجددا في تشكيل الحكومة المرتقبة من قبل الكنيست فهو بالتأكيد سيتحول إلي أزمة إقتصادية إذا طالت أمد الأزمة السياسية, مما سيؤدي بفقدان الثقة للمستثمرين ومن المعروف لدي خبراء الإقتصاد أن "الثقة والمعلومة" لهما تأثيرات مباشرة علي صحة الإقتصاد الوطني.

بالعودة إلي السيرة الذاتية لنتنياهو خلال فترة حكمة والتي تعد الأطول في تاريخ الدولة العبرية والتي تجاوزت فترة حكم مؤسسها بن غريون, فإنجازاته علي أرض الميدان تعد مهمة للدولة العبرية خاصة منها الاكتشافات الهامة لحقول الغاز بالبحر الأبيض المتوسط منذ سنة 2012 إلي غاية الآن منها حقل نافيثان وتمار بحيث أصبحت تشكل الثروة الوطنية الإسرائيلية. إذ إقتصاديا يتكون الناتج المحلي الإجمالي "الحقيقي" من تراكم الثروات الوطنية وخاصة منها المتأتية من العوائد المالية لبيع الغاز بحيث تتحول تلك الثروة إلي قوة نمو اقتصادي تشكل العمود الفقري للتنمية والإستثمار وبالنتيجة تحقق الإستقرار والإزدهار.

كذلك نجاحه في تحقيق الإنفتاح التجاري والمالي علي المحيط الإقليمي من خلال التطبيع الذي أصبح علنا مع الدول الخليجية والمجاورة وذلك من أجل إبرام صفقات بالمليارات لتصدير الغاز. بالإضافة إلي ذلك قوة قبضته الأمنية قصد مكافحة الإرهاب والعنف من خلال تعيين طاقم وزاري معادي لحركة حماس وسياسة حكام قطاع غزة منها تعيين وزير الأمن الداخلي جلعاد آردان ووزير الدفاع الحالي نفتالي بنيت.

أما الأهم من كل ذلك هو تقاربه مع الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعلن أن مدينة القدس عاصمة إسرائيل للأبد وأراضي الجولان هي أصلا إسرائيلية وأخيرا وليس آخرا إعلان أن المستوطنات بالضفة الغربية هي شرعية وذلك في إنتظار ضم غور الأردن إلي الأراضي الإسرائيلية.

عموما تلك الإنجازات الإقتصادية والسياسية تعتبر هي السبب الرئيسي في المأزق الحالي لتشكيل الحكومة المقبلة بحيث تعد نصرا ونجاحا حقيقيا للصهاينة المتطرفين اليمنيين وعلي رأسهم المسمى بملك دولة إسرائيل بنيامين نتنياهو المدعوم من نفوذ اللوبي الصهيوني العالمي داخليا وخارجيا. أيضا نجاح القائمة العربية المشتركة يعد الحدث السياسي الحالي خاصة بأنها أصبحت لها شأنا مهما وإستشارات من أجل تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

بالعودة لمسيرة النواب العرب بالكنيست الإسرائيلي منهم أيمن عودة وجمال الزحالقة وطالب أبوعرار وحنين الزعبي وأحمد الطيبي هم بالطبع يعتبرون مواطنين إسرائيليين وفقا للقانون الداخلي، لكن لا أحد يشكك في ولائهم للوطن الأم فلسطين أو يخونهم لأنهم هم في العمق من أصول عربية ويمثلون "عرب إسرائيل 48" في الكنيست ودائما يدافعون عن حقوقهم ومطالبهم، إذ تعتبر من أهم إنجازاتهم تولي أحمد الطيبي رئاسة الكنيست والمواقف الصارمة لبعض النواب العرب خاصة من خلال دخولهم في شجار مباشر مع رئيس الحكومة للدفاع عن حقوق الفلسطينيين.

أما بخصوص حزب إسرائيل بيتنا بقيادة أفغدور ليبرمان فهو يعتبر في المرتبة الثالثة من حيث قدرته علي تولي منصب رئاسة الحكومة بعد حزب الليكود الذي أضحي يتخبط في إعادة ترتيب بيته الداخلي من خلال إعلانه عن إنتخابات سابقة لأوانها من أجل إختيار رئيس جديد يقودها في الإنتخابات الثالثة القادمة وأما حزب الجنرالات الثلاثة أرزق أبيض فمازال زعيمه بني غانس متمسكا بحقه في تشكيل الحكومة المرتقبة.

إجمالا من أهم مخططات رئيس الوزراء الحالي تتلخص بالأساس في تشريعه للإستيطان والتشجيع علي عودة اليهود إلي وطنهم الموعود وعدم إعترافه بحركة حماس أوحتي بالفلسطينيين بالوجود في المنطقة، مما أدي إلي عدم تحالفه مع حزب أزرق أبيض المتحالف أصلا مع القائمة العربية المشتركة.

بالنتيجة سيؤدي هذا التصدع الداخلي إلي إتخاذ الكنيست قرار إجراء إنتخابات ثالثة جديدة. أما بالعودة إلي نظرية الدولة القومية اليهودية والتفوق العرقي الصهيوني من جانب رؤية نتنياهو فلا سبيل له بدخول القائمة العربية المشتركة في مفاوضات مستقبلية من أجل تشكيل الحكومة المقبلة أو تقلدهم لأي وزارة من وزارات الدولة اليهودية. بالنتيجة سيبقي مأزق تشكيل الحكومة المقبلة على حاله حتي ما بعد الإنتخابات الداخلية لحزب الليكود وبقاء حكومة تصريف الأعمال إلي غاية موفي شهر أفريل أو مايو من سنة 2020 حتي تتضح الأمور والأرجح من كل ذلك هو التوجه نحو إنتخابات جديدة وفقا للأوضاع الحالية لأنه لا يوجد تحالف أو شريك جدي للطرفين أزرق أبيض أو الليكود وكذلك تذمر جزء كبير داخل حزب الليكود من طول فترة حكم مرشحه نتنياهو وأيضا لثقل الإتهامات القضائية له بحيث لا يتماشى ذلك المسار السياسي مع التغيير والديمقراطية.

بالتالي ستكون السيناريوهات المستقبلية إما إعتزال نتنياهو السياسة بصفة نهائية إذا ثبت تورطه في قضايا الفساد أو التناوب علي رئاسة الحكومة مع بني غانس أو مواصلته رئاسة الوزراء لعهدة جديدة بعد إجراء إنتخابات مقبلة ثالثة أو الراحة لمدة خمس سنوات ثم العودة كمترشح لرئاسة الدولة العبرية نظرا لتشبث بعض اللوبيات الداخلية والخارجية بسياساته وبإنجازاته.

 

*كاتب تونسي و باحث اقتصادي

 


Warning: Use of undefined constant num - assumed 'num' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/btimescom/public_html/articles.php on line 557

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment