هل تبقى روسيا دولة عظمى؟

02/12/2016 - 20:39 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

تواجه روسيا اليوم تحديات كبرى ربما لم تعرفها في تاريخها. بالاضافة الى العقوبات الموضوعة عليها بعد المواجهة مع أوكرانيا، يؤثر انخفاض سعر النفط بشكل أساسي ليس فقط على النمو وانما أيضا على الاستقرار المستقبلي للمجتمع الروسي. فالعقوبات تقطع عمليا علاقات روسيا مع النظام المالي العالمي المرتبط بالدولار وتفرض على الدولة الكثير من التقشف.

ارتفاع نسبة البطالة

من النتائج المعروفة هبوط الروبل من 31,8 للدولار في سنة 2013 الى 38,4 في سنة 2014، وارتفاع نسبة البطالة من 5,2% في سنة 2014 الى 6,5% السنة الماضية. كما أن التضخم ارتفع من 5,1% في سنة 2012 الى 15,6% السنة الماضية. تضيق العقوبات على الحركة الاقتصادية، وبالتالي تضخم المساوئ التي تكون خفيفة أو غائبة في الزمن العادي. تؤثر هذه المؤشرات على القيمة الحقيقية للأجور كما على المنافع التي تعطى لليد العاملة والاداريين خصوصا تعويضات نهاية الخدمة.

من أهم المؤشرات السلبية انخفاض نسبة النمو السنوي من 4,3% في سنة 2011 الى 3,4% في سنة 2012، 1,3% في سنة 2013 و 0,6% في سنة 2014. أول التقديرات لسنة 2015 تشير الى نمو سلبي قدره 3,4% نتيجة انخفاض الصادرات من 523 مليار دولار في سنة 2013 الى 375 مليار دولار السنة الماضية. ما زال ميزان الحساب الجاري فائضا نتيجة انخفاض الواردات، الا أن النتيجة الايجابية تدنت من 6,3% من الناتج في سنة 2008 الى 1,6% في سنة 2013.

أما الموازنة، فتحولت من فائضة بنسبة 5% من الناتج في سنة 2008 الى سلبية قدرها 5% من الناتج السنة الماضية. لا شك أن هنالك قطاع أعمال استفاد من العقوبات بشكل شرعي بسبب عدم توافر السلع المستوردة. ارتفعت أرباح شركة "ماك دو" مثلا لأنها اضطرت لاستبدال السلع المستوردة كاللحوم والبطاطا وغيرها بالسلع المحلية الأقل سعرا. هنالك شركات أخرى استفادت عبر استغلال المواطن ورفعت أسعارها بسبب غياب المنافسة.

ما هي أهم المخاطر التي تواجه روسيا اليوم؟ هل يمكن معالجتها كي تستمر روسيا في لعب الدور الدولي الذي ترغب به والذي يجعلها تشكل نوعا من التوازن مقابل الولايات المتحدة؟.

التوازن الدولي في القوى

تشير التجارب الأخيرة الى أن التوازن الدولي في القوى مفيد خاصة وأن الصين لا ترغب بعد في لعب هذا الدور بانتظار بناء اقتصادها:

أولا: انخفاض سعر النفط الى 30 دولار للبرميل وتأثير ذلك على الصادرات والاستثمارات الداخلية في البنية التحتية وبالتالي على ميزان المدفوعات والنقد. تشير الأوضاع العالمية الى استمرار سعر النفط منخفضا نتيجة العرض الكبير الى ما يفوق مليوني برميل في اليوم نسبة للطلب. هذا يمنع عمليا الحكومة من الاستثمار في تحديث الاقتصاد والمجتمع أي الاستثمار القوي في التعليم والصحة وغيرهما.

ثانيا: ارتباط الوضع الروسي بوجود شخص واحد هو الرئيس بوتين وانعكاس هذا الواقع سلبا على الديموقراطية والحريات داخل روسيا. هذه احدى خصائص الدول النامية، الا أننا نجدها واضحة في روسيا. هذا طبعا مؤشر غير صحي لدولة مهمة ترغب في لعب دور سياسي وعسكري عالمي. لا شك أن هنالك صراع سياسي قوي داخل روسيا ربما يبقى خفيا أو صامتا، لكن لا بد وأن يظهر الى العلن عندما يخف وهج الرئيس.

ثالثا: انتشار الفساد الذي يعرقل عمل القطاع الخاص ويجعل من محاولة مكافحته مغامرة كبرى ربما لا يستطيع أحد القيام بها. هنالك قوانين جديدة تفرض على المواطنين الاعلان عن ممتلكاتهم خارج روسيا، وهذا ما يخيف البعض خاصة وأنه يأتي ضمن محاولات مكافحة الفساد التي لم تنجح حتى اليوم.

رابعا: علاقات روسيا مع الغرب والدول المجاورة لها سيئة بسبب المطامع الروسية وسوء ادارة هذه العلاقات. العالم تغير، لكن روسيا لم تتغير بالنسب نفسها. في نفس الوقت، هنالك شعور داخل روسيا يتعلق بالمصالح المشتركة مع الغرب التي ستبقى مستقبلا قوية وبالتالي عامل الوقت مهم جدا.

خامسا: انخفاض عدد السكان من 148 مليون مواطن في سنة 1992 الى 143 مليون اليوم، وهذا سلبي لدولة ترغب بلعب دور عالمي كبير. ربما تستطيع روسيا استقبال بعض المهاجرين من منطقتنا وغيرها لأنها بحاجة الى بعض الزيادات السكانية النوعية التي تنعكس مستقبلا ايجابا على سوق العمل.

النتائج السلبية واضحة وغير مفاجئة

اذا كانت النتائج السلبية واضحة وغير مفاجئة بل دقيقة في بعضها، ما هي عوامل القوة في الاقتصاد الروسي والتي تجعل الادارة الروسية تتصرف بحرية في سوريا مثلا وفي علاقاتها مع العديد من الدول بينها ايران؟

أولا: وجود احتياطي نقدي كبير بالرغم من تدنيه مؤخرا بسبب العوامل التي ذكرنا. بلغ الاحتياطي النقدي بالعملات الأجنبية 538 مليار دولار في سنة 2011 ووصل الى 362 مليار دولار في سنة 2015. بالرغم من هذا السقوط الكبير، يبقى الحجم مهما ويسمح لروسيا بتمويل انفاقها الخارجي بسهولة أي 14 شهر من الواردات وهذا مدهش اذ أن مؤشر السلامة العالمية يوصي بأربعة أشهر فقط.

ثانيا: حتى لو اتكلت روسيا على النفط لتمويل اقتصادها، هذا لا يعني أن الأوضاع ستبقى على ما هي عليه مستقبلا. روسيا هي من الدول التي تأمل أو تحلم بارتفاع الطلب على النفط وبالتالي ارتفاع الأسعار من جديد. تحاول روسيا التواصل مع مجموعة الأوبيك للاتفاق على تخفيض مشترك للانتاج، الا أن المسعى لم ينجح بعد.

ثالثا: أهم مؤشر قوة هو أن العقوبات لم تؤثر بشكل قوي وموجع على المواطن الروسي، وبالتالي لا يوجد حتى اليوم شعور غضب أو نقمة من الشعب تجاه الرئيس أو الحكومة. وجود كل السلع تقريبا داخل روسيا التي تبلغ مساحتها 1,8 مرة المساحة الأميركية يسمح لها عمليا بحصول نوع من الاكتفاء الذاتي المفروض قسرا من الخارج. العقوبات المفروضة لا تؤثر سلبا فقط على روسيا وانما أيضا على أوروبا التي تدفع التكلفة أيضا بسبب تدني التبادل التجاري والاستثمارات. تشير الدراسات الى أن أوروبا تخسر 0,5% من نمو ناتجها سنويا بسبب العقوبات على روسيا. أميركا البعيدة ربما لا تشعر بشيء أو فقط بالقليل.

رابعا: وضعت الحكومة الروسية صندوقا لمواجهة المخاطر يبلغ 120 مليار دولار يضاف الى الاحتياطي النقدي مما يطمئن الشعب، بل يجعله يضع ثقته بالحكم في مواجهة الخارج.

خامسا: وقعت الحكومة الروسية عقودا تسمح لها بالحصول على ايرادات تحتاج اليها. أهمها عقد لتصدير الغاز للصين بقيمة 400 مليار دولار بالاضافة الى آخر لتصدير النفط والغاز الى الهند. حشر روسيا في الزاوية عبر العقوبات لا يجعلها تخضع للمطالب الغربية، انما على الأرجح تجعلها تواجه بقوة أكبر أي تصبح أكثر خطورة. فالانفاق على الدفاع ما زال مرتفعا أي في المرتبة الثالثة عالميا بعد الولايات المتحدة والصين.

أخيرا، استمرار الرئيس بوتين في الحكم يرتكز على رغبة الروس بذلك. في الحقيقة طالما أن الاستقرار السياسي والأمني متوافر بالاضافة الى وجود نتائج اقتصادية مقبولة الى حد بعيد، لن يطالب الروس بالتغيير تحت الضغط الخارجي. لا شك أن روسيا ما زالت دولة عظمة لكن استمرار ذلك يعتمد أيضا على التنويع الانتاجي ومحاربة الفساد بشكل فاعل.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment