العولمة الرقمية: بين الواقع والخيال

11/14/2019 - 11:21 AM

Alferdows Travel

 

 

فؤاد الصباغ*   

 

إن العولمة الرقمية التي شهدتها أغلب الدول المتقدمة وحتي السائرة في طريق النمو أوحت لنا بأن عالمنا هذا المعولم في أبسط جزئياته قد تغيرت في صلبه المفاهيم والممارسات ليصبح معتمدا بشكل مباشر علي العالم الإفتراضي ومقلصا لولوجه للعالم الواقعي. إن تلك المتغيرات العالمية أضحت واقعا ملموسا في جميع معاملاتنا اليومية مما جعل الإتصال بجهاز الحاسوب وشبكة الإنترنت جزء لا يتجزأ في خدمات الإدارات العمومية لجميع دول العالم وجل الشركات العالمية الخاصة. أما أبرز حدث شهدته العولمة الرقمية يتمثل بالأساس في ظهور العديد من الشركات الرقمية التي تستغل تكنولوجيات المعلومات والإتصال الرقمي كجزء رئيسي من معاملاتها التجارية أو الخدماتية والمالية.

فتلك التحولات الجذرية لا يمكن بأي حال من الأحوال إستنكارها حتي من قبل أصحاب القلم والقرطاس بحيث تغيرت الوسائل البحثية والمهنية بشكل ملحوظ وغير الإنسان من بيئته ومن وسائل عمله علي مرور الزمن في أي مكان وزمان. فمنذ نشأت الكون والمتغيرات أخذت تتسارع وتتضح مع مرور السنين للجميع بحيث خلق الإنسان بعقله السيارة والطائرة والقطار وأبرز شئ حديث خلقه لنفسه مؤخرا متمثلا بإمتياز في عالما إفتراضيا متكامل الأبعاد والأهداف وموازيا في محتواه وفي أبسط جزئياته لعالمه الواقعي.

فبالتحديد منذ سنة 2000 إلي غاية الآن تسارعت الإختراعات التكنولوجية وبرزت العديد من التقنيات الحديثة بحيث برز الروبوت الآلي بديلا للإنسان وتقلصت الوثائق الورقية والأدوات التقليدية لتحل محلها الأوراق الإلكترونية والأدوات التكنولوجية في شتي المجالات وبدون أي إستثناء في هذا المضمار ولعل أبرز دليل علي ذلك هوالرهان المستقبلي لأغلب دول العالم علي مجتمع المعرفة والذكاء الإصطناعي والإقتصاد الرقمي. فتلك المتغيرات في قطاعات الدولة الحيوية أصبحت بدورها إفتراضية جزئيا أوإجمالا في جميع إداراتها العمومية مما جعل من وثائقها رقمية خاصة منها بالدول المتقدمة.

أما الأهم من كل ذلك في صلب تلك العولمة الرقمية هو بروز ظاهرة التعليم عن بعد التي أصبحت واقعا ملموسا في جميع المؤسسات التعليمية العامة أوالخاصة. كذلك إنتشار التسويق الإلكتروني والتجارة الإلكترونية كوسائل للبيع والترويج علي منصات التواصل الإجتماعي ومواقع الواب. أيضا بروز المحلات التجارية الإلكترونية والمالية الرقمية والإفتراضية التي غيرت من المفاهيم التقليدية التي تعتمدها الأسواق المالية وخاصة منها بورصة الأوراق النقدية والتداولات المالية بحيث برزت عملات رقمية إفتراضية وأصبح التداول في الأسواق المالية متاحا للجميع علي شبكة الإنترنت.

إدارات إلكترونية ووثائق رقمية

مما لاشك فيه تحولت أغلب الإدارات العمومية لأغلب دول العالم تقدما من إستعمال القلم ودفتر السجلات إلي عالم الواب الإفتراضي والوثائق الرقمية بحيث أصبحت أحيانا المعاملات المالية والمبادلات التجارية والخدماتية اليومية في مجملها تدار عن بعد. فالإدارات الإلكترونية أصبحت تعتمد مباشرة علي التكنولوجيات الحديثة لتسريع عملها وتنظيم أرشيف وثائقها وضبط سجلاتها بأكثر دقة وسرعة فائقة.

إذ في الماضي كانت المعاملات الإدارية اليومية تتطلب وقتا طويلا وإنتظارا عقيما وذلك من أجل إستخلاص فواتير الكهرباء، الماء، الإنترنت أو لإستخراج مضمون ولادة وسجل تجاري أوحتي تأشيرة سفر، إلا أنه اليوم أصبحت كل تلك الخدمات متوفرة علي شبكة الإنترنت البوابة الرئيسية لجل تلك المعاملات وذلك بمجرد ضغط بسيط علي زر حاسوب. فاليوم بدأت تنتشر تلك الخدمات كظاهرة عصرية لتسريع المعاملات الإدارية والإستخلاصات المالية وذلك بسهولة كبري علي شبكة الإنترنت.

أما البنوك فقد خصصت بدورها الساحب الآلي وبطاقات الإئتمان الذكية لتسهيل جميع المعاملات المالية السريعة الخارجية للمواطنين. كما أن الوثائق الإدارية لم تعد تعتمد بشكل كبير علي الأوراق المكلفة والملوثة للبيئة وغيرها في صلب معاملاتها بحيث أصبحت أغلب الوثائق الإدارية إلكترونية وتمثل جزء لا يتجزأ من عمليات إعادة تأهيل وهيكلة الإدارات العمومية لتواكب المتغيرات العالمية.

التعليم عن بعد

دخل التعليم اليوم جيله الرابع في شتي فروعه من أقسام التحضيري والإبتدائي إلي التعليم العالي والبحث العلمي معتمدا بذلك علي شبكة الإنترنت كبوابة رئيسية للتواصل والإتصال من أجل تقديم المحاضرات وأشغال الدروس التطبيقية الرقمية وغيرها من برامج التعليم. ففي الماضي كان التعليم يعتمد علي أبسط الوسائل للتدريس ومع مرور السنوات تحسنت بشكل ملحوظ تلك الوسائل لتبلغ مؤخرا آخر صيحة لها بالتحول من القاعات التقليدية إلي القاعات الإفتراضية. فهذا ليس بالهزل أوالتهريج بل بكل واقعية وثبات يمثل إستراتيجيا تغييرا جذريا للتعليم المستقبلي بحيث تكمن أهمية دراسات خبراء تكنولوجيات الإتصال والمعلومات من أجل تطوير البنية التحتية للتعليم الرقمي.

إن الدول المتقدمة وعلي رأسها دول الإتحاد الأوروبي وكندا وأمريكا قطعت أشواطا طويلة علي درب إصلاح البنية التحتية الرقمية لجل جامعاتها لتخلق في صلبها بوابات رقمية تقدم محاضرات وأيضا أشغال تطبيقية وحتي تأطير للبحوث العلمية وذلك عن بعد داخل تلك القاعات الإفتراضية وهي تعتبر بدورها موازية للتعليم الواقعي التقليدي. كما بدأت في هذا الصدد تبرز مدارس رقمية، معاهد وجامعات إلكترونية وإفتراضية لتقديم الدروس عن بعد بدون حضور إجباري للطلاب والأساتذة والتعليم كله أصبح يدار من خلف الستار وبالتحديد عبر القاعات الإفتراضية المتواجدة علي شبكة الإنترنت.

فتلك المؤسسات التعليمية الإلكترونية أصبحت تحظي بإهتمام كبير من قبل وزارات التعليم والتعليم العالي في الدول المتقدمة بحيث أصبحت تسهل لها من عمليات الترخيص للعمل عن بعد وتوفر لها جميع الإمكانيات المادية والتقنية لإنجاحها حتي تواكب العولمة الرقمية بشكل ناجح وناجع. كذلك تحولت قاعدة البيانات المكتبية والبحوث العلمية من كتب ومقالات علمية ورسائل أطروحات الدكتوراه إلي وثائق رقمية بحيث أصبح يسهل للباحث الولوج لها في أسرع وقت ممكن داخل تلك الجامعات أو خارجها.

التسويق الإلكتروني والتجارة الإلكترونية

مع إنتشار شبكة الإنترنت كوسيلة للتواصل والتعارف بين الأفراد والشعوب بدأت معها تبرز شركات إلكترونية عملاقة لترويج ولبيع منتجاتها ولعل أكبرها وأضخمها محلات شركة الأمازون الإلكترونية الأمريكية لبيع جميع المنتجات من إلكترونيك وملابس جاهزة وأحذية وكتب وعطورات ومجوهرات وغيرها. فهنا تكمن أهمية تلك التجارة الحديثة في حياتنا اليومية التي سهلت بدورها من عمليات التسويق وشراء المنتجات المرغوب فيها بفائق الدقة في الإختيار والسرعة والإستخلاص عن بعد.

أما في المقابل فالتجارة الإلكترونية أصبحت تحظي بإهتمام كبير من قبل الجميع خلال السنوات الأخيرة بحيث برزت العديد من الدراسات العلمية والبحثية داخل الجامعات أو حتي لدي الخبراء في ذلك القطاع وأيضا أصبحت مورد رزق وإستثمار لجيل التجار الرقميين الجدد لتبرز علي شبكة الإنترنت العديد من الشركات للترويج والتسويق الإلكتروني لتلك المنتجات أو حتي بروز محلات تجارية خاصة للبيع بالعمولة. بالإضافة إلي ذلك بدأت الإعلانات الإلكترونية تكتسح جميع مواقع التواصل الإجتماعي والبريد الإلكتروني وبرزت تلك الخدمات التجارية الإلكترونية بشكل ملحوظ من أجل جلب الحرفاء المستهدفين ورفع نسق البيع والشراء عن بعد علي شبكة الإنترنت.

أسواق الفوركس

فأسواق الفوركس تعتبر الحدث البارز في العولمة الرقمية بحيث أصبحت منتشرة علي شبكة الإنترنت بشكل رهيب وغريب ولوفيها الصالح والطالح. فهنا يكمن مربط الفرس في تلك الأسواق التي تعتمد بشكل مباشر علي شراء وبيع العملات أوالذهب والفضة والنفط وذلك بإستثمار مالي بسيط يتراوح بين 1.000 إلي 2.000 دولار.

من المعروف أن البورصات العالمية الكبري منها وول ستريت لا تتداول بتلك الإستثمارات البسيطة بحيث تقوم ببيع مساحة لها لبعض شركات الفوركس التي تمثل الوسيط بينها وبين تجار العملة الصغار. بالتالي تحولت شبكة الإنترنت إلي مواقع تداول للعملات وغيرها مثل ما يحدث بأسواق البورصة تماما وأصبحوا تجار العملة يحققون أرباحا محترمة خاصة منهم أصحاب الخبرة المالية والصبر الطويل وقراءة المتغيرات المستقبلية. فمما لا شك فيه تعتبر المعلومات هامة في إتجاه تذبذب المؤشرات والشموع اليابانية داخل البرمجيات الخاصة لتجارة الفوركس.

كما أن دراسة تلك التجارة أصبحت تحظي بإهتمام كبير لدي خبراء مالية الأسواق من خلال الإستئناس بتجربة رجل المال والأعمال والمضارب المشهور بالأسواق المالية العالمية جورج سورس والمنظر الرئيسي لإستراتيجيات إستخدام سوق الفوركس. فهنا تكمن أهمية شبكات الإتصال والبحث عن المعلومات علي شبكة الإنترنت من أجل قراءة المؤشرات المستقبلية بشكل جيد قبل حدوثها والإستثمار الناجح في تلك الأسواق الصاعدة والواعدة علي شبكة الإنترنت والتي أصبحت تحقق لتجار الفوركس أرباحا بالمليارات يوميا.

*باحث اقتصادي دولي

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment